تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

الصدر الجديد والمشهد العراقي

Iraqi Shi'ite cleric Moqtada al-Sadr (C) takes part in Friday prayers participated by Sunni and Shi'ite Muslim worshippers in a gesture of unity at the Abdul Qadir Gilani Mosque in Baghdad January 4, 2013.  REUTERS/Thaier Al-Sudani (IRAQ - Tags: RELIGION) - RTR3C3I0

طرح الزعيم الديني العراقي الشاب مقتدى الصدر نفسه خلال الازمات التي تفاقمت في العراق اخيراً بصورة السياسي الناضج الذي يقرأ المشهد العراقي برؤية اكثر اتساعاً، وهي صورة مغايرة عن تلك التي علقت في الاذهان عن الصدر وتياره السياسي ومليشيات "جيش المهدي" الذراع العسكري لذلك التيار خلال السنوات السابقة.

التطور الذي حدث في منهجية الصدر السياسية لم يكن مفاجئاً، فالخبرة التي اكتسبها في العمل السياسي منذ العام 2003، والظروف التي صاحبت تشكيل التيار ومن ثم حدوث انشقاقات فيه في مراحل مختلفة، بالاضافة الى تفرغ الصدر نفسه للدراسة في ايران وتوسع خبراته الشخصية كل ذلك كان اطاراً للصدر الجديد، الذي بات يعتبر من المصدات الاساسية امام انزلاق البلاد الى الحرب الاهلية.

منذ العام 2011 استخدم الصدر لغة جديدة تماماً في خطابه السياسي، فتحدث عن عراق ديمقراطي مدني، وسيادة القانون، وتحقيق العدالة الاجتماعية، والعدل في الحكم.

واظهر الزعيم الشيعي الشاب جرأة كبيرة عندما اصطف مع الاكراد و"القائمة العراقية" ضد حليفه في "التحالف الوطني" ورئيس الحكومة نوري المالكي، ومن ثم عاد ليقود حملة برلمانية انتهت باقرار قانون "تحديد ولايات الرؤساء" قبل ان يضع ثقل تياره السياسي والشعبي خلف اقرار الموازنة اخيراً على رغم ان هذا الموقف تقاطع مع الاكراد و"العراقية".

في ازمة التظاهرات التي انطلقت في عدد من المدن السنية منذ نهاية العام الماضي للمطالبة بتغيير قوانين الارهاب واجتثاث البعث واطلاق المعتقلين، ومن ثم تطورت في بعض مخرجاتها الى المطالبة باسقاط الحكومة والدستور، كان الصدر يتخذ موقفاً وسطياً لايرفض مطالب المتظاهرين بالمطلق ولا يقبلها بالمطلق، وتمكن بهذا الموقف من ان يكون اكثر الاطراف الشيعية قرباً من المتظاهرين.

التزم الصدر الخطاب الوطني الذي يرفض الانحياز المذهبي والعرقي، وارسل قيادات من تياره للقاء المتظاهرين والتوسط لدى الحكومة لتنفيذها، وكان لهذه الخطوة الرمزية التي لم تحقق اثراً فعلياً على الارض اهمية كبيرة ، في طرح تيار الصدر كشريك سياسي معتدل لايعتمد المعيار الطائفي في بناء علاقاته.

ابعد من ذلك ان الصدر غادر طهران و هو الان متنقل الى اكثر من مكان وغير مستقر، لكي لا يؤثر احد على قراره اي من الاطراف المؤثرة بالشأن العراقي.

وعلى رغم ان الصدر او المقربين منه لم يشيروا بشكل واضح الى اسباب هذا الانتقال، الا ان معلومات مختلفة كانت تشير الى ان علاقته بطهران لم تعد على مايرام، خصوصاً بعد اتخاذه مواقف مستقلة عن التوجهات الايرانية في العراق.

هنالك منطلقان يفسران المتغيرات التي صاحبت الاداء السياسي لمقتدى الصدر، فمن جهة هو يقود تياراً  شاباً معظم المنتمين اليه من ابناء المناطق الفقيرة والمهمشة والمظلومة في العراق تاريخياً، ومن جهة ثانية ان الصدر نفسه ينتمي الى مدرسة وعائلة دينية منفتحة على المتغيرات وجريئة في اتخاذ المواقف، وقريبة من الهاجس الوطني.

الانفتاح الذي اظهره الصدر في مواقفه المحلية، انعكس بدوره على انفتاحه على المواقف الاقليمية، فجمعته علاقة متميزة مع تركيا عندما كان شيعة العراق غاضبون من السلوك التركي، واتخذ مواقف ومبادرات قريبة من دول الخليج العربي فيما كانت تلك الدول تواجه اتهامات حكومية بدعم التمرد، ومع كل ذلك فأنه لم يتخل عن علاقاته المتميزة بايران.

الانسحاب الاميركي من العراق، يمكن ان يؤشر كسبب اضافي في تبني الصدر افكاراً وتوجهات وسياسات لاتعتمد العنف، بل وتنبذ وتحرم حمل السلاح، وتدعو الى احترام القانون.

الصدر بالطبع ادرك ان مستقبل تياره السياسي في العراق لن يتم الا بطرح نفسه كبديل سياسي محتمل، وقرأ الساحة العراقية بشكل صحيح عندما وجد ان الاداء السياسي الناجح في العراق لن يتم من دون توافق مع الاكراد والسنة، لكن قبل ذلك لن يتم من دون تحقيق توافق شيعي داخلي.

الصدر الجديد مختلف ، وكان قال في مناسبة سابقة انه يعتقد ان خطواته السياسية خصوصاً بزيارة اربيل والدخول بتحالف مع الاكراد والعراقية يمكن ان يخسره مساحة من جمهوره المحلي بسبب الاستقطاب الطائفي الذي يسود العراق، لكن ذلك الموقف من المرجح انه دعم تلك المساحة ووسعها، فللمرة الاولى نشهد تعاطفاً من قبل التيار المدني والديموقراطي العراقي مع الصدر وطروحاته، وللمرة الاولى نلمس حضور رأي الصدر كعامل ضبط للارتباك السياسي الذي يعيشه العراق.

الصدر مازال قادراً على تحشيد مئات الالاف من انصاره باعلان واحد، وقد استخدم تلك الفاعلية جزئياً في فرض اقرار الموازنة، لكنه يبدو اليوم اقل تبنياً لاستخدام الشارع في الصراع السياسي، واكثر تمسكاً بالحوار والتوافق لحل الازمات.  و برغم ان مواقف الصدر الاخيره اخسرته النخبة المتشددة في تياره ولكنها في نفس الوقت اكسبته تعاطف اكبر في الطبقة الوسطى السنية والشيعية  و القوى الليبرالية

More from Mustafa al-Kadhimi

Recommended Articles