تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تجوال سفر .. مجموعة شبابية فلسطينية تغرد خارج السرب

Palestinians, members of the Fatafta family, are silhouetted against the sun as they pick olives in their orchard during harvest season in West Bank village of Idna, near Hebron October 14, 2012. Reuters/Ammar Awad (WEST BANK - Tags: AGRICULTURE FOOD) - RTR3958I

صباح يوم الجمعة الفائت 15 من شباط، تجمع أكثر من مئتي شاب وصبية فلسطينية، من مختلف محافظات الضفة، وسط رام الله، إنهم لا يستعدون لمسيرة وطنية أو تظاهرة نحو حاجر عسكري اسرائيلي، كما جرت العادة مع كل تجمع مشابه في الأراضي الفلسطينية.

وقفوا جميعا بحقائب الظهر، وأحذيتهم الرياضية، استمعوا لبعض التعليمات المقتضبة عن الرحلة والمسافة وكم حاجز عسكري اسرائيلي سيكون في طريقهم، ثم ركبوا الحافلات التي تنتظرهم  متوجهين الى قرية اللبن الشرقية جنوب مدينة نابلس،  ُوجهة زيارتهم لذلك اليوم.

"تجوال سفر" هذا هو اسم المجموعة الشبابية، التي وُلدت فكرتها قبل نحو أربع سنوات، لكن أول تجوال سفر حقيقي كان في منتصف عام 2011.

يقول سامر الشريف أحد مؤسسي المجموعة:" أول تجوال لنا كان في قرية "صفّا" قضاء رام الله، لم يكن عدد المشاركين حينها يتجاوز الثلاثين مشاركا".

"في كل تجوال جديد ينضم لعائلة" تجوال سفر" أعضاء جدد متحمسون للفكرة وللتجربة الجديدة، فهي تجربة شبابية غير حزبية ولا حكومية والأهم أنها ليست مدعومة من الدول المانحة كما هو حال الغالبية العظمى من الأنشطة الفلسطينية". يقول الشريف.

وبحماسة كبيرة يتدخل زميله الحارث ريّان  في الحديث معلقا:" عندما بدأنا هذه الفكرة كنا ولا زلنا نريد خلق مساحتنا الخاصة كشباب فلسطيني، نقوم بالنشاطات التي نعتبرها أولوية لنا كشباب فلسطيني، نريد فضائنا الخاص ولن يكون ذلك إلا عبر تجربتنا الخاصة في" تجوال سفر" وجميع الأنشطة التي تنبثق عنها".

وُلدت فكرة "تجول سفر" بين عدد من الشبان الفلسطينيين الذين شاركوا في نشاطات الملتقى التربوي العربي في الأردن، الذي أسسه المفكر الفلسطيني منير فاشة،  حيث يقوم الملتقى بنشاطات مثل المزاورة والمجاورة يتنقل فيها الشباب العربي بين البلدان العربية ليقضوا بضعة أيام برفقة مبدع عربي، ثم يعودوا للكتابة عن تجربتهم، شارك سامر الشريف والحارث ريّان، ومحمد حمدان  وآخرون في عدد من هذه النشاطات، وأعجبتهم الفكرة، فقرروا تبني الرؤية لكن عبر تطويعها فلسطينيا.

نقل الشباب الفكرة الى فلسطين لكن مع الحفاظ على خطوط حمراء لا يمكن تجاوزها وهي عدم تلقي أي دعم خارجي، ليقتصر الدعم المالي على المبالغ الصغيرة التي يدفعها المشاركين، على العكس من الملتقى التربوي العربي الذي يتلقى دعما أوروبيا وعربيا، لتقتصر العلاقة معه فقط على الرؤية والفكرة.

لكن لماذا هذا الإصرار على عدم قبول الدعم الغربي؟، يجيب الشريف:" لقد اختنقنا بهذا الدعم الذي يوجد لديه أجندته الخاصة والتي لا تتماهى معنا، منذ أن أصبحت كلمات مثل" الممولين" و"البروبوزال" جزءا من مصطلحاتنا الفلسطينية تراجع العمل التطوعي  و الشبابي المشترك، كل ما نريده هو أن نجد مساحتنا الخاصة دون تدخل  أو توجيه من أحد".

ورغم أن مقر  "تجوال سفر" في مدينة البيرة، يشي بالتقشف نوعا ما، حيث الأثاث قديم وغير متناسق، إلا ان روح الشباب تنبض في كل زاوية  بالمكان.

عندما تم إستئجار المكان قبل نحو عامين، نشر القائمون عليه نداء عبر الفيسبوك الى أصدقائهم مفاده:" لدينا مكان لإنطلاق نشاطات تجوال سفر و جميع نشاطاتنا، إذا كان لديك كرسي  أو مكتب أو أدوات مطبخ أو أقلام إضافية في بيتك .. نحن بإنتظارها .. ساهم معنا في تأثيث مساحتك الخاصة".

ومنذ ذلك اليوم بات المقر مكانا لجميع المشاركين، يتجمعون بعد إنتهاء عملهم أو جامعاتهم، وبدل ان ينفقوا ما يعادل خمسة دولارات مقابل فنجان قهوة في أحد مقاهي رام الله، يكفي أن يدفع الواحد منهم دولار واحدا ويعد قهوته في المطبخ  بنفسه، ومن هناك ولدت مجموعات شبابية أخرى مثل "حكايا" لتوثيق الرواية الشفهية الفلسطينية، والحكايات الشعبية، و"بيت الحكمة" و" مش سينما".

ويشير ريّان:" إجار المكتب ونفقاته، هي من تبرعات الشباب المشاركين، أو من رسوم تجوال سفر التي تنظم كل اسبوعين بعد أن كانت تنظم كل ثلاثة شهور".

التجوال حسب الملتقى التربوي العربي الجهة الملهمة للشباب الفلسطينيين كان عبر الدول العربية، لكن التجوال الفلسطيني سيكون داخل الأراضي الفلسطينية فقط.

السبب الذي يُجمع عليه الشباب أكثر من مقنع فخلال السنوات العشر الماضية قام الإحتلال الإسرائيلي تقطيع أوصال الضفة الغربية بأكثر من 600 حاجز عسكري تقل وتزيد حسب تدهور الأوضاع السياسية، ما خلق بعدا نفسيا بين المدن والقرى الفلسطينية، فزيارة دولة أوروبية  أسهل كثيرا من زيارة الخليل بالنسبة لمن يعيش في نابلس.

يقول الشريف:" أول زيارة لنا نظمها زميلنا حسن كراجة، الى قريته "صفا" قضاء رام الله، كانت الفكرة تقوم على أن نجد مضيفا ينسق زيارتنا الى  قريته أو بلدته ، وينظم لنا لقاء مع كبار السن ليحدثونا عن المكان وحكاياتهم الشعبية، والسماح لنا بإستخدام مرافق القرية مثل دورات المياه أو الساحات لجلوسنا وقيامنا بالطبخ أحيانا".

ورغم أن كراجة معتقل منذ شهرين بسبب نشاطه الملحوظ بمناصرة الأسرى المضربين عن الطعام، لكن حضوره بين زملائه في "تجوال سفر" يكاد يكون يوميا في اجتماعاتهم أو في تعليقاتهم على صفحات التواصل الإجتماعي.

ريّان كان لديه حالة قلق دائم من عدم إستمرارية "تجوال سفر" كان هاجسه أن يصاب المشاركون بالملل،  سيما أن بعض التجولات متعبة جسديا، و أخرى يكونون فيها على تماس مع المستوطنين الإسرائيليين، لكنه يقول بإبتسامة كبيرة:" مخاوفي ليست صحيحة، بعد تجوال بلدة بتير في بيت لحم والتي أمضينا فيها نحو ست ساعات من المشي المتواصل ولم ينسحب أحد من المشاركين، عرفت حينذاك أن التجوال سيستمر لأن المشاركين أظهروا جلدا وشغفا لما يقومون به".

ويضحك وهو يقتبس من إحدى المشاركات قولها:" كل مرة أدفع رسوم الرحلة، وأتعب من المشي في الطرق الوعرة، وأقول لنفسي هذا آخر تجوال، لكن ما أن يتم الإعلان عن التجوال القادم حتى أكون أول المشاركين .. التجوال أصبح جزءا منا".

الشريف وريّان  خريجا الصحافة والإعلام من جامعة بيرزيت الصيف الفائت يصران على أن "تجوال سفر" يقدم نموذجا فلسطينيا مختلفا.

يقول الشريف:" عندما قمنا بتنظيف محمية عين قانا، أو زراعة البقول والأشجال في بلدة بتير، أو قطف الزيتون في قرى رام الله، أو مثل ما فعلنا مؤخرا بزيارة اللبن الشرقية  وتنظيف أرض أبو جمال المحاطة بالمستوطنين، لم نكن نبحث عن رصيد في إنتخابات أو فصيل ما، كنا فقط نستفز أنفسنا لنعرف إمكانياتنا وما نستطيع أن نقدمه".

لا يخفي الشريف أن هناك دهشة تظهر أحيانا على وجوه بعض من يساعدهم "تجوال سفر" مثل المزارع  أبو جمال الذي لم يزره أي مسؤول حكومي أو غير حكومي منذ سنوات لأن أرضه  على أطراف القرية ما يعرضه  لإعتداءات المستوطنين المتكررة.

أمام عشرات الشبان الذين نظفوا الأرض من الأعشاب وقلموا الأشجار، لم يجد أبو جمال غير أن يقول بتأثر بالغ::" لا أريد أكثر من أن يعرف المستوطنين  أنني لست وحدي هنا".

ويختم الشريف:" عندما بدأ تجوال سفر كانت الهدف استفزاز فكرة السفر داخل كل واحد منا، لكنا اكتشفنا بعد مرور بعض الوقت أننا نقوم أيضا بتعزيز النسيج الفلسطيني، ووصل جغرافيته التي دمرها الإحتلال، اكتشفنا مناطق جميلة لكنها مهمشة ولا تصلها الخدمات، كل يوم نصنع  تجربتنا  الخاصة خارج الصندوق المقفل ونغرد خارج السرب".

More from Naela Khalil

Recommended Articles