تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

لماذا فشل الربيع العربي في فلسطين؟

Palestinian President Mahmoud Abbas (C) prays during a Palestinian Liberation Organization (PLO)  central committee meeting in the West Bank city of Ramallah July 27, 2011. Abbas urged Palestinians on Wednesday to step up peaceful protest against Israel, urging "popular resistance" inspired by the Arab Spring to back a diplomatic offensive at the United Nations. REUTERS/Mohamad Torokman (WEST BANK - Tags: POLITICS IMAGES OF THE DAY RELIGION)

"هل الفيزا لبلجيكا أسهل أم للسويد؟، كيف سأطلب لجوء؟ هل أمزق جواز سفري أم أخفيه؟ بصمة العين هل تكون في البلد الأول الذي أنزل فيه أم الذي سألجأ إليه؟" هذا كل ما يدور في ذهن محمود يحيى (23عاماً) هذه الأيام، وهذا أيضا ما يتحدث به محمود إلى أصدقائه بمجرد أن يجلس معهم.

قبل عام فقط محمود كان عنده أمل كبير بالتغيير، أما قبل عامين في 2011 محمود بالفعل خرج إلى الشارع ليغير كان يشعر أنه مارد كبير –حسب وصفه- قادر على كل شيء.
يقول محمود للمونتور: " كل عام يمر يزداد يأسي، حين أنظر لنفسي قبل عام أجدني كنت أحمل الأمل بتغيير واقعنا السياسي والاجتماعي المليء بالكراهية، ولكن حين أنظر لنفسي في بداية 2011 لا أصدق كم كنت أعتقد نفسي سوبرمان أنا وكل الشباب، بالفعل الثورات العربية غيرتنا كثيرا".

يضيف: "شعرنا بالقدرة لأول مرة، وخرجنا للشارع في الخامس من ديسمبر من العام 2010، وواجهنا قوة الأمن الداخلي في الحكومة المقالة دون طرفة عين، كسرنا خوفنا وخرجنا نعترض على اغلاق منتدى شارك الشبابي، ومن ثم خرجنا في 2011 مع ثورة مصر وسوريا وتم سجننا وضربنا، وكذلك حدث لزملائنا في الضفة الغربية، وأخيرا كانت لنا ثورتنا الخاصة في 15-3-2011، وكان شعارنا الشعب يريد انهاء الانقسام، ووقتها ضربونا وشتمونا وكسروا أطرافنا وقرروا أن يشوهوا سمعتنا ويبتزونا إلى أن قُتل صديقنا المتضامن الايطالي فيتوريو على أيدي مجهولين، وعند هذه اللحظة أخرس الحزن والإحباط ألسنتنا للأبد".

ينظر محمود إلى السقف بعنين مليئتين بالحزن مضيفا: "كنا نؤمن بقوتنا ولكن كنا رومانسين جدا، الآن حين أرى كل نشطاء 15 آذار يهاحرون ويسافرون عن غزة، أعرف أننا فشلنا في ربيعنا الفلسطيني لذلك قررت أن أسافر أنا أيضا".
النضال اليومي هو ربيعنا

اباء رزق (22عاما) رغم كل الاحباطات المحيطة بها لما آلت إليه نتائج الثورات في الدول العربية إلا أنها على عكس محمود في يأسه من واقع غزة والضفة، فهي ترى الربيع العربي في فلسطين مستمر كل يوم، وآخر ملامحه كانت اقامة الشباب الناشطين قرية باب الشمس في الأراضي التي تحتلها إسرائيل شمال فلسطين، تقول اباء للمونوتر: "خرجنا ولا نزال نخرج سواء ضد الاحتلال أوضد الحكومتين في الضفة وغزة".

وترى إباء أن القمع جزء من حالة تغذية دائمة لاستمرار الربيع العربي لأن الفكرة بالأساس تقوم على التضحيةـ متذكرة بمرارة تجربتها واحتجازها في الشرطة النسائية في غزة، والابتزاز الذي شهدته مع صديقاتها هناك، بعد محاولات عنيفة لإجبارهن على توقيع تعهد يلتزمن بموجبه بالشريعة الإسلامية وشروط أخرى كأن لا يخرجن في مظاهرات غير مرخصة!.

ويوافقها في الرأي المحلل السياسي عاطف أبو سيف بقوله: " أنه من النرجسية المقبولة التأكيد بأننا كفلسطينيين نتقدم على العرب كثيرا في مجال الحريات وعلاقات الحاكم بالمحكوم وارتباطنا بالحياة اليومية وبقضية التحرر الوطني، فما يعادل الربيع العربي عندنا هو النضال الحيوي المستمر ضد قوة الاحتلال، وبالتالي ان هذا الاعتداد عند الفلسطيني لا يجعله يسكت لحكومة أو سلطة قد تصادر حرياته وتقمعها، فمثل هذه الحكومات لا يمكن أن تنتزع حريتها من الاحتلال".
النائب في المجلس التشريعي عن كتلة حماس يحيى موسى قال في لقاء مع المونتور في مكتبة المجلس التشريعي:" هناك انتفاضة شعبية منذ عام 1987 حتى انتفاضة الاقصى عام 2000 والآن هناك تعبير عن مقاومة ونضال من أجل حقوقنا بأشكال متعددة، فإذا كان الربيع العربي هو النضال من أجل الحقوق فإذن ربيعنا العربي قديم ومستمر ويعبر عن نفسه بشكل دائم".
ربيعنا ملتبس

وإذا كانت الثورات العربية انتشرت مثل العدوى في جسد الشرق الأوسط، لتحقيق مطالب اقتصادية وسياسية وحريات فهل كانت المبادرات الشبابية التي كان محمود واباء جزء منها هي ما يوزاي الربيع العربي أم أن الأمر في فلسطين ليس ببساطة معادلة الظلم والثورة.

الناشط الشبابي أحمد بعلوشة (24عاماً) يقول أن شعار انهاء الانقسام، هو كان سبب فشل بشكل أو آخر الربيع العربي العربي في الضفة الغربية وغزة، متابعاً: "داخلنا كنا نريد رفع شعار اسقاط نظامي الضفة وغزة وحكومتين تتسابقان في تحقيق مصالحهما وقمع الحريات بغض النظر عما يريده الشعب، ومع ذلك رفعنا شعاراً لتصحيح النظام وليس إسقاطه حتى لا يتهمنا أحد ان الشعار يتساوق مع أهداف الاحتلال لذلك حين أنظر للخلف أشعر أن ما فعلنا كذبة كبيرة على أنفسنا لتمثيل الربيع العربي دون فعل حقيقي".
اباء توضح أنه في الربيع العربي كانت المطالب والمظاهرات تنادي بتغييرات جذرية وإسقاط أنظمة فاسدة بالمقابل المظاهرات بالضفة وغزة كانت أقرب "للإصلاح" منها للتغيير، موضحة أنهم كانوا يسعون من أجل ارضاء الجميع لتوحيد نظامين فاسدين, منتهيين الصلاحية والشرعية، وهنا الفرق بين التحركات العربية وتحرك الضفة وغزة.

وهذا ما يبرره النائب عن حماس يحيى موسى بقوله أنه في الدول العربية كانت لكل شعب مطالبه عبر رفض الاستبداد من أجل أن تكون الشعوب صاحبة القرار السياسي، فالثورات جاءت تصحيحية في الميدان لاقتصادي والاجتماعي وتطبيق الارادة الوطنية.
واستدرك :"ولكن في فلسطين حيث لا توجد دولة بل عندنا احتلال فتتركز أهدافنا على التحرير والعودة، ومن الصعب ان نتحدث عن منطق الربيع العربي، وتحت هذا الاحتلال سواء في الضفة الغربية او قطاع غزة هناك سلطة مغلولة اليد وضعيفة فإذا كنا نلوم السلطة التي رضينا ان تقوم تحت الاحتلال فهذا ليس من العدل في شيء بأن تتوجه الجماهير لتطيح بها وتترك الاحتلال، فلو فعلت ذلك سيكون بديل وجود السلطة هو الاحتلال فكأننا وقفنا بصف العدو وبذلك هو ربيع ملتبس".

الكاتب السياسي ابو سيف يرى انه ليس من العدل البحث بشكل دائم عن متقابلات في فلسطين لموازتها بالربيع العربي، فالسياق الاجتماعي والثقافي والسياسي العربي يختلف كثيرا عن السياق الفلسطيني، ومن الصعب البحث عن الربيع في الجذور الفلسطينية التاريخية لأنه نوع من التحايل على التاريخ، وعلى طبيعية الأشياء وببساطة اذا كان مفهوم الربيع العربي بحد ذاته هو البحث عن المساواة إذن فهو لا يمكن اختزاله في لحظة تاريخية لان بحث الانسان الفلسطيني عن الحرية ونشدانه لحقوقه المدنية والوطنية متجذر في منطقة صودرت بها الحريات بشكل عام بسبب الاحتلال.
 

إذن هل فشل ربيع فلسطين؟

يقول الحقوقي مصطفى ابراهيم والذي يعمل باحثاً في الهيئة المستقلة لحقوق الانسان للمونوتر في لقاء بمكتبه في الهيئة والذي تابع تجربة شباب15 آذار عن قرب أن المشكلة الأساسية كانت في استلهام الشباب في غزة والضفة الغربية للثورات العربية وتقليدها، رغم أنهم لو نظروا إلى حراكهم الشبابي في الأعوام الاخيرة لوجدوا أنفسهم خرجوا قبل الثورات العربي ففي شهر يناير من العام2010 كانت هناك حركة اصحى الشبابية في غزة والتي خرجت للشارع مع صندوق رمزي كبير للانتخابات تطالب بحق الشعب بالاقتراع لاختيار حكومتهم ورئيسهم، و"اصحى" كانت جزء من تجربة 15 آذار التي نجحت كثيرا في التأثير بالشارع سواء بالضفة وغزة وإحراج الحكومتين إلى درجة انه في اتفاق المصالحة في 5-11-2011 قال خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس والرئيس محمود عباس ان توجهم للمصالحة احد اسبابه كان الحراك شبابي.

ويرى ان التدرج في تصعيد الحراك الشبابي كان مبدعا ولكنه انتهى سريعا بسبب القمع الشديد والضرب والاعتقالات في كل من غزة والضفة والتهم الجاهزة، اضافة الى وجود فصائل حاولت ركوب الموجة بالدفع بأبنائها إلى الشباب المستقلين لتحقيق أهداف معينة ولا ننسى ان بعض الشباب كان عنده اسبابه الشخصية.

يقول ايهاب الغصين رئيس المكتب الاعلامي الحكومي في حكومة حماس المقالة والذي كان في ذلك الوقت متحدثا باسم الداخلية والذي إلتقته المونوتر في مكتبه، أن هدف ذلك الحراك لم يكن واضحا هل كان الخروج من اجل الخروج للشارع فقط ام بالفعل كان من أجل انهاء الانقسام؟، لانه لو كان من أجل انهاء الانقسام فقد دعا رئيس الوزراء بالفعل في 15-3-2011 للمرة الاولى الرئيس ابو مازن لزيارة غزة، أليس هذا يحقق هدفا كبيرا بالنسبة للشباب، اذن لماذا استمروا في خطابهم الرافض للجميع والذي ساوى بين كل الأطراف.
واعتبر الغصين أنه كان هناك تدخلا من بعض الاحزاب لتحقيق اهداف سياسية بعينها وليس انهاء الانقسام كما رددوا في شعاراتهم في ذلك الحين، معترفاً بارتكاب الحكومة خطأ حينها بقمع هؤلاء الشباب، ومؤكداً رفضه في ذلك الوقت تبرير هذا الخطأ، وكان يجب على الحكومة تحمله حتى لو لم يكن القمع قراراً سياسياً.

في حين ترى اباء ان المشكلة في حراك 15 آذار كانت اقتصاره على الضفة وغزة وكأن الشعب الفلسطيني محصور بالمنطقتين هاتين فقط، لذلك فقد تم تجاهل أغلبية الشعب (في الداخل والشتات)، بالإضافة إلى نجاح الفصائل وقياداتها بالسيطرة على الحراك وتوجيهه كل حسب أجندته الخاصة، مضيفة بمرارة: "نجحت الفصائل في ركوب نضالنا بالفعل بسبب قلة الخبرة السياسية عند جيلي الجديد، وبتبعيته كبقية أبناء الشعب للفصائل".
الناشط محمود في نهاية المقابلة وردت له مكالمة هاتفية تبشره بحصوله على فيزا إلى بولندا، قائلاً بوجه مبتسم: "أخيراً، سأطلب فيها لجوء"، لكنه سرعان ما بانت الحيرة على وجهه وتابع: "ولكن هل بولندا تعتبر دولة أوروبية؟ وهل ممكن عبرها الذهاب إلى بلجيكا إذا لم تعجبني؟!".

More from Asmaa al-Ghoul

Recommended Articles