القادة الإماراتيون والروس يؤكّدون الأرضية المشتركة في اجتماع موسكو

قام ولي عهد الإمارات بزيارة إلى روسيا الأسبوع الماضي للمرّة السابعة في غضون خمس سنوات، حيث اجتمع بالرئيس فلاديمير بوتين لمناقشة مسائل عدّة اتفقا على التعاون فيها.

al-monitor .

يون 4, 2018

وافقت روسيا والإمارات العربية المتحدة على تعزيز التعاون بينهما في مجالات الأمن والدفاع، وصناعة الألومينيوم وأسواق النفط، والاقتصاد. ووافقت الدولتان أيضاً على "تنسيق جهودهما لتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل".

في الأول من حزيران/يونيو الجاري، اجتمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، في موسكو، بولي عهد أبو ظبي، الأمير محمد بن زايد آل نهيان – الذي يتولّى أيضاً منصب نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في الإمارات العربية المتحدة – ووقّعا إعلان شراكة استراتيجية.

إحدى النقاط المحورية في الإعلان سعي البلدَين إلى تعزيز التعاون بينهما في الأمن والدفاع عبر إعادة تنشيط المشاورات بين أجهزتهما الحكومية. كذلك وجّهت الإمارات وروسيا دعوة إلى تشكيل تحالف دولي لمكافحة الإرهاب ينطلق في عمله من ركيزة "احترام سيادة الدول" التي عانت مباشرةً من الهجمات الإرهابية. كذلك وافق الطرفان على تطوير الاتصالات السياسية بينهما في الشؤون الثنائية والإقليمية والدولية الأساسية.

تُراقِب روسيا الدور المتنامي الذي تؤدّيه الإمارات في المنطقة، وتَطلُّعَها إلى أن تكون قوّة إقليمية جدّية لها مصالحها السياسية الخاصة، وأدوات نفوذها، وحضورها العسكري من ليبيا إلى إريتريا ومن الصومال إلى منطقة كردستان في سوريا. لذلك، من المهم أن تعمل أبو ظبي وموسكو التي تعتمد مقاربة أكثر استباقية، على تنسيق مواقفهما من المسائل الرئيسة، وإيجاد نقاط مشتركة تلتقيان حولها في ما يتعلق بأولويّات كل منهما في السياسة الخارجية. تتوزّع هذه الأولويات على مروحة واسعة من المسائل إلى حد ما، لكن التركيز يتمحور، في هذه المرحلة، على تسوية النزاعات في سوريا واليمن وليبيا.

لقد تطوّرت المقاربتان الروسية والإماراتية للملف السوري بطرق عدّة. يتكوّن اعتقادٌ لدى الإمارات بأنه على تركيا وإيران على السواء التوقّف عن التدخّل في الشؤون الداخلية للدول العربية. تُرجّع هذه المقاربة صدى التصريحات الروسية عن وجوب خروج القوات الأجنبية – بما في ذلك القوات التركية والإيرانية – من سوريا. في المدى الطويل، قد يشكّل هذا الموقف أساساً لمزيد من التقارب في وجهتَي النظر الروسية والإماراتية في هذه المسألة.

ربما كان موقف الإمارات من دمشق الأقل جزماً بين مواقف شركائها في مجلس التعاون الخليجي. لم تعد الإمارات تدعم المعارضة السورية القتالية التي تدعو إلى إسقاط الرئيس بشار الأسد، لكنها تستمر في تمويل المجموعات المنفتحة على الحوار السياسي. على سبيل المثال، تدعم الإمارات "تيار الغد" السوري الذي يؤدّي دور وساطة ناشطاً في تأمين التواصل بين الروس ومجموعات المعارضة السورية و"قوات سوريا الديمقراطية" التي هي عبارة عن ائتلاف كردي-عربي مدعوم من الولايات المتحدة.

قال وزير خارجية الإمارات أنور قرقاش، في كلمة ألقاها في نيسان/أبريل في مؤتمر "فكر 16" في دبي – الذي نظّمته "مؤسسة الفكر العربي" غير الحكومية – إن البلدان العربية ارتكبت أخطاء استراتيجية في تعاطيها مع النزاع في سوريا. واعتبر أنه لم يكن يجدر بها أن تسمح لبلدان غير عربية بالتدخّل في تقرير مصير سوريا، وأنه كان ينبغي على جامعة الدول العربية أن تمارس تأثيراً سياسياً أقوى. يمكن النظر إلى هذا التصريح بأنه مؤشّر عن جهوزيّة الإمارات للانخراط في عملية التوصّل إلى تسوية سياسية للأزمة السورية. إذا كان ذلك صحيحاً، بإمكان موسكو أن تستخدم هذا الانخراط بما يصبّ في مصلحتها، بما في ذلك في شؤون إعادة الإعمار.

في الوقت نفسه، تميل الإمارات إلى دعم "قوات سوريا الديمقراطية"، لا سيما المكوِّن العربي فيها. إنه أحد الأسباب خلف الرسالة التي توجّهها الإمارات إلى أنقرة بأن الوجود التركي في سوريا غير قانوني. كما أنه يُتيح فرصةً لموسكو كي تستغلّ الخصومة التركية-الإماراتية في سوريا، فتدقّ بالتالي إسفيناً في قلب المعارضة السورية.

أما في ما يتعلق باليمن، فالإمارات ترغب في رؤية روسيا تؤدّي دوراً أكثر استباقية وإيجابيةً في النزاع الدائر هناك. تدعم موسكو التواصل مع جميع الأفرقاء في تلك الأزمة، ويمكن أن تؤدّي فعلاً دوراً أكبر في إطلاق حوار من أجل السلام. غالب الظن أن أبو ظبي تعتقد أنه في حال تدخّلت موسكو بصورة أكبر في النزاع، فقد يصبّ ذلك في مصلحة الإمارات.

لقد سبق أن خفّفت روسيا من علاقاتها مع المتمرّدين الحوثيين. غير أن ذلك لا يعني أن موسكو تميل، في هذه المرحلة، إلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي الذي لا تجمعه على الإطلاق علاقات سلسة وسهلة مع الإمارات.

قد يكون أحمد صالح – نجل الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح الذي طُرِد من السلطة في العام 2012 وقُتِل في كانون الأول/ديسمبر 2017 – زعيماً يمنياً مقبولاً بالنسبة إلى الإمارات وروسيا. فقد يتبيّن أنه يحمل مع حزبه السياسي القومي العربي، "المؤتمر الشعبي العام"، فائدةً للإمارات في المستقبل. ومن الممكن أن تشكّل روسيا عاملاً مهماً يساهم في تعزيز هذه الحسابات الإماراتية. فموسكو تحافظ على التواصل مع أحمد، وغالب الظن أنها ستنشط أيضاً بصورة أكبر في عملها مع الانفصاليين الموالين للإمارات في الجنوب. لا يزال هناك عدد كبير من الأشخاص في الجنوب الذين كانوا يعملون، في زمن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، مع اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية.

كذلك تتشابه المقاربتان الروسية والإماراتية في ليبيا. ففي حين تدعم الدولتان المشير خليفة حفتر الذي يسيطر على الجزء الأكبر من شرق ليبيا انطلاقاً من طبرق، تسعى الإمارات إلى تأدية دور الوسيط – إلى جانب فرنسا ومصر – بين حفتر والحكومة المواجِهة له في طرابلس. وقد سبق أن أمّنت الإمارات محفلاً في أبو ظبي للمحادثات بين حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطني المعترَف بها من الأمم المتحدة في طرابلس، فايز السراج. تسعى روسيا إلى أداء دور مماثل عبر التفاعل مع جميع الأفرقاء في النزاع الليبي مع توخّي الحذر في الوقت نفسه من أجل عدم الإخلال بالتوازن الهش بين طرابلس وطبرق. ولذلك لا يجب استبعاد حدوث تقارب أكبر بين أبو ظبي والقاهرة وموسكو، وتوطيد أواصر العمل بينها في المسار الليبي.

كذلك يبقى الميدان العسكري-التقني من أبرز المجالات الواعِدة للتعاون الثنائي. وقد راكمت الإمارات وروسيا تجربة في التعاون بينهما في هذا المجال: فالجيش الإماراتي يستخدم أسلحة روسية مثل آلية القتال "بي إم بي-3" الخاصة بالمشاة، ومنظومة صواريخ "بانتسير" للدفاع الجوي، وراجِمة الصواريخ "سميرتش" المتعدّدة المهام، ومنظومة صواريخ "إيغلا" المحمولة على الكتف، وسواها. مجال الاهتمام الأكبر بالنسبة إلى الإمارات هو العمل بصورة مشتركة على تطوير أسلحة جديدة وإطلاق عملية إنتاجية على الأراضي الإماراتية. في الماضي القريب، أدّت هذه المشاريع المشتركة إلى إنتاج آلية "نمر" العسكرية المدرّعة مع عجلات. والآن يناقش الفريقان احتمال مشاركة شركات روسية في تجهيز آلية "ربدان" القتالية الجديدة 8×8 وآلية "إنيغما" القتالية 8×8 المزوّدتَين بعجلات والخاصتين بسلاح المشاة، بأسلحة وذخائر. ويجري البحث أيضاً في إطلاق عملية مشتركة لإنتاج جيل خامس من الطائرات القتالية الخفيفة الوزن.

أما في ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، فقد ورد في وثيقة إعلان الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والإمارات: "سيساهم الطرفان، بنشاط، في عملية نزع السلاح على المستويَين الدولي والإقليمي، لا سيما عبر تعزيز منظومة حظر انتشار أسلحة الدمار الشامل والتكنولوجيات ذات الصلة. في هذا الصدد، سوف يعملان على تنسيق جهودهما لتحويل الشرق الأوسط إلى منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل".

كذلك، ناقش بوتين وآل نهيان، في مباحثاتهما، التعاون الاقتصادي بين البلدَين. يرد في الإعلان الذي وقّعاه أن الدولتَين ستتعاونان للمساعدة على بسط الاستقرار في أسواق النفط والغاز في العالم، بما في ذلك من خلال محافل دولية على غرار "منتدى الدول المصدِّرة للغاز". وينوي الجانبان أيضاً إنشاء مجموعة عمل خاصة للتعاون في صناعة الألومينيوم.

من أدوات القوّة الناعمة التي تساهم في توطيد العلاقات الاقتصادية الروسية-الإماراتية وجود 25000 مواطن روسي غالباً ما يعملون كاختصاصيين في قطاعات مختلفة من الاقتصاد الإماراتي. كما أن أكثر من 300 شركة إماراتية تملك، بدورها، تمثيلاً في روسيا. من بين جميع دول مجلس التعاون الخليجي، الإمارات هي إلى حد كبير الأكثر قبولاً لدى موسكو، نظراً إلى "رفضها لمختلف أشكال التشدّد الإسلامي". تعتبر روسيا أن علاقتها مع الإمارات تقود إلى تفاعل سياسي بين الدولتَين، وتحمل إمكانات بناء تعاون قوي بينهما.

بودكاست

فيديو