"عربة الحواديت"... محاولة فرديّة لاحتواء الفجوة الثقافيّة بين قرى مصر ومدنها

ما يزيد عن 50 طفلًا في قرية عرب شمس، وهي إحدى قرى محافظة الشرقيّة، علموا بأنّ "عربة الحواديت" على وشك زيارتهم خلال أيّام. لقد تحدّد الموعد في 17 أيّار/مايو، والأطفال منّوا النفس بقضاء يوم يختلف تماماً عن أيّامهم العاديّة، فبانتظارهم جلسة شيّقة مليئة بالحكايات يديرها صاحب العربة معلّم اللّغة الإنكليزيّة هيثم السيّد.

al-monitor .

المواضيع

theater, teacher, literature, library, egyptian culture, culture, children, books

يون 12, 2016

ما يزيد عن 50 طفلًا في قرية عرب شمس، وهي إحدى قرى محافظة الشرقيّة، علموا بأنّ "عربة الحواديت" على وشك زيارتهم خلال أيّام. لقد تحدّد الموعد في 17 أيّار/مايو، والأطفال منّوا النفس بقضاء يوم يختلف تماماً عن أيّامهم العاديّة، فبانتظارهم جلسة شيّقة مليئة بالحكايات يديرها صاحب العربة معلّم اللّغة الإنكليزيّة هيثم السيّد.

وفي ذلك اليوم، تحايل هيثم السيّد والأطفال، الّذين تتراوح أعمارهم بين 5 و12 عاماً، على الإرتفاع الشديد لدرجة الحرارة، فاستظلّوا تحت شجرة كثيفة الفروع على طرف أحد الحقول، وجمع السيّد الأطفال حوله وبدأ بسرد حكاياته. إنّ دائرة الأطفال تتّسع باطراد ويسمع المجتمعون بإنصات حكايات لم يسمعوها من قبل. انتهت جلسة الحكايات، وجاء الجزء الأكثر أهميّة في هذا اليوم الحافل، حيث على كلّ طفل أن يأخذ نصيبه كتاباً من بين عشرات الكتب، الّتي حرص السيّد على تنوّعها، وانتقاها بعناية لتناسب أعمار الأطفال واهتماماتهم.

إنّ الفجوة الثقافيّة بين أطفال القرى ونظرائهم في المدن دفعت بالسيّد إلى أن يجوب بسيّارته الخاصّة قرى محافظته، حاملاً على عاتقه تضييق تلك الفجوة في شكل منفرد، إذ أشار لـ"المونيتور" إلى أنّه لاحظ منذ نشأته في إحدى قرى مركز "فاقوس" بمحافظة الشرقيّة أنّ مجالات المعرفة المتوافرة لديه وأقرانه تقلّ كثيراً عن تلك المتوافرة لدى أطفال المدن الكبرى، عازياً ذلك إلى أنّ المدن تضمّ مراكز وقصوراً ثقافيّة، بينما لا يتوافر في القرى أيّ مكتبات سوى مكتبات المدارس، الّتي قلّما يزورها الأطفال، ولا تحتضن سوى كتب عمرها يعدّ بعشرات السنين.

لقد لاحظ السيّد أنّ المركز الذي يعيش فيه ويضمّ 20 قرية يسكنها نحو 40 ألف شخص، لا يحتوي على أيّ مركز ثقافيّ حكوميّ أو خاص، وحتّى الأنشطة الّتي تقدّم في قصور الثقافة بالمدن الكبرى تمارس ليلاً ما لا يسمح لأطفال القرى بحضورها لبعد المسافة وغياب وسائل المواصلات في الأوقات المتأخّرة من الليل. وبحسب تأكيده، أدّى هذا إلى انحدار المستوى الثقافيّ لدى الأطفال، وغياب الإرتباط بين الطفل وثقافة أرضه ومجتمعه.

إنّ طفلة عمرها ثماني سنوات من القرية نفسها، حيث يسكن، هي الّتي ألهمت السيّد البدء بالمشروع، ولفت إلى أنّه منذ عامين كان يشتري مجلاّت لابنته، فوجد الطفلة تقترب منه وتسأله عن ماهية المجلّة الّتي يمسكها في يده، فوصف صدمته حينما وجدها لا تعرف ما هي المجلّة، ولم يتردّد في إعطائها إيّاها، وسرعان ما جاءه طفلان آخران يطلبان منه مجلّتين، فوعدهما بإعطائهما المجلاّت في اليوم التّالي.

وعلى نفقته الخاصّة، بدأ السيّد بجمع قصص الأطفال ومجلاّتهم بأعداد بسيطة. وفي أولى ليالي شهر رمضان الماضي، كان تمكّن من جمع نحو ألف كتاب، ووزّعها على أطفال قريته. وإنّ اهتمام الأطفال وأهاليهم بالفكرة سمح بانتشارها في القرى المجاورة، فتشجّع هيثم على تطوير فكرته، وقرّر ألاّ يكتفي بتوزيع الكتب، وأصبح يحكي القصص للأطفال، مستظلّين تحت إحدى الأشجار أو أمام أحد المنازل.

يتكوّن فريق "عربة الحواديت" من السيّد و4 متطوّعين آخرين، دشّنوا صفحة للمشروع على موقع "فيسبوك"، واستخدموا صور الأطفال حاملي الكتب الّتي أخذوها من العربة في نشر فكرتهم. ولم يكتف الفريق بمجرّد توزيع الكتب وحلقات القصص، بل نظّم أكثر من مسابقة لقياس مدى استفادة الأطفال ممّا قرأوه، وكانت الجوائز رحلات إلى الأماكن الأثريّة في مصر، نظّمت على نفقة الفريق الخاصّة.

وبعد نحو عام من العمل، جاب الفريق 51 قرية، وأقام فيها ورشاً لرواية القصص، ووزّع ما يزيد عن 11 ألف كتاب جمعها بجهود ذاتيّة وبدعم من بعض المكتبات ودور النشر. وأكّد السيّد أنّ جمهوره لم يعد فقط من الأطفال، فالورش شهدت حضور عدد كبير من الكبار، الّذين تأثروا بالفكرة.

وأشار صاحب إحدى المكتبات الداعمة للمشروع عمر أحمد لـ"المونيتور" إلى أنّه بمجرّد علمه بالمشروع والهدف منه بادر بدعمه بأنواع مختلفة من الكتب سواء أكان كتب الأطفال أم الروايات الّتي يفضّلها الكبار، وكافأ روّاد مكتبته المتبرّعين للمشروع بحصولهم على خصم بنسبة تصل إلى 90 في المئة من قيمة مشترياتهم.

"فرحة الطفل بالكتاب الجديد تفوق بكثير فرحته بالكتاب المستعمل"، هذا ما قاله عمر أحمد، الّذي أكّد أيضاً أنّ الأطفال في السابق كانوا يحصلون على كتب قديمة، لكنّه أقنع فريق "عربة الحواديت" بتقديم كتب جديدة لضمان اكتمال فرحة الأطفال.

لقد حاول السيّد الحصول على كتب من وزارة الثقافة دعماً لمشروعه، إلاّ أنّ وزير الثقافة حلمي النمنم طلب منه إنشاء مؤسّسة رسميّة للحصول على هذا الدعم، ما فشل فيه السيّد لأنّ كثافة بلدته السكانيّة قليلة وتحتوي على أكثر من جمعيّة خيريّة فكان صعبًا عليه توفير مقر ثابت للجمعية وتكوين مجلس مؤسسين لا يقل عدده عن عشرة أعضاء طبقًا لقانون تأسيس الجمعيات الأهلية.

وأكّد السيّد أنّه حاول إدراج مشروعه تحت إدارة أيّ من تلك الجمعيّات، إلاّ أنّه لم يجد القائمين على إدارتها متحمّسين للفكرة، فقائمة اهتمام الجمعيّات تنحصر في مساعدة المحتاجين، ولا مكان للشأن الثقافيّ فيها.

ورغم فشل الفريق في الحصول على دعم وزارة الثقافة، إلاّ أنّه حصل على 100 كتاب من الهيئة العامّة لقصور الثقافة و300 كتاب من صندوق التنمية الثقافيّة، وأشار السيّد إلى أنّ مخازن تلك الهيئات الثقافيّة تضمّ أعداداً هائلة من الكتب غير المستغلّة.

ومن جهتها، أبدت رئيسة صندوق التنمية الثقافيّة نيفين الكيلاني استعداد الصندوق لدعم كلّ المبادرات سواء أكانت رسميّة أم شخصيّة، وأكّدت لـ"المونيتور" أنّ الصندوق ليس معنيّاً فقط بتقديم الكتب، ولكنّه يقوم على طبع الكتب الّتي يحتاج إليها القائمون على تلك المبادرات لتنفيذ أهدافهم.

"الصندوق لن يبخل على أصحاب المبادرات، وكلّ أدواتنا ملك الناس"، هذا ما قالته نيفين الكيلاني، الّتي أشارت أيضاً إلى أنّ دعم الصندوق لمشروع "عربة الحواديت" لن يتوقّف بحصوله على الكتب، ولكن ستتمّ متابعته ومعرفة ما قد يحتاج إليه في المستقبل.

وبجانب محاولته سدّ الفجوة الثقافيّة بين القرى والحضر والحفاظ على هويّة الأطفال الثقافيّة، يسعى السيّد وراء هدف آخر، وهو محاربة الإرهاب بنشر الثقافة والمعرفة بين الأطفال. كما يحلم بإنشاء مركز ثقافيّ قرويّ في بلدته يضمّ مسرحاً وورشة أشغال وقاعة محاضرات وكورالاً موسيقيّاً ومركزاً للترجمة، ويؤكّد أنّ هذا المركز لن يكلّف وزارة الثقافة سوى مليوني جنيه من بين عشرات الملايين الّتي تنفقها على بعض المهرجانات الفنيّة، الّتي يصفها السيّد بأنّها بلا فائدة، ولا تشهد أيّ حضور جماهيريّ.

"المعرفة حقّ كلّ طفل ليتعلّم تذوّق الجمال بشكل منهجيّ"، هذا ما قاله السيّد، مبدياً استعداده للتّعاون مع كلّ المؤسّسات سواء أكانت حكوميّة أم غير حكوميّة لتحقيق أهدافه، مؤكّداً سعيه إلى أن تجوب عربته كلّ قرى مصر.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو