نبض العراق

العراقيّون يفخرون بـ"كلكامش"... ويهملون مدينته!

p
بقلم
بإختصار
آثار أوروك، مدينة كلكامش البطل الأسطوري العظيم، الباحث عن الخلود ، ضائعة في التراب والإهمال بعد أن توقفت أعمال التنقيب فيها منذ سبعينات القرن الماضي.

العراق، بغداد - يثير حال المواقع الأثريّة في العراق الحزن. فقد باتت مهملة، مهجورة، بلا حراسة منظّمة، تغطّيها الرمال، وتعبث بها أساطير المعاصرين ولصوص الآثار. سبق لـ"المونيتور" أن زار مدينة كيش ووجد هذا الحال ماثلاً، لتعاد الحكاية نفسها في مدينة أوروك، (الوركاء باسمها العربيّ المحلّيّ) التي تقع في محافظة المثنى جنوب العراق (270 كم جنوب بغداد).

بنيت هذه المدينة في الألف الخامس قبل الميلاد، وشهدت ولادة الملحمة الشهيرة كلكامش، بطلها ومليكها. ومثل هذا الماضي العريق يرشّحها إلى أن تكون مصدراً كبيراً للآثار والبحوث، إلّا أنّ واقعها الحاليّ يحيلنا إلى حكاية الإهمال نفسها.

فمنذ اكتشاف المدينة في عام 1849 بواسطة عالم الآثار البريطانيّ ويليام لوفتس، ثمّ قيام بعثة ألمانيّة بالتنقيب في آثارها في السبعينيّات، لم تمتدّ يدّ أثريّ متخصّص إلى هذا الموقع، ولم تقترب منها أساليب الحضارة وخدماتها. زار "المونيتور" الموقع في حزيران/يونيو 2015، ورأى أنّ الوركاء ليست سوى تلال من الأتربة والهضاب وبقايا أسس بناء، وجدران صمّاء حفرتها الرياح. إنّه موقع معزول، بلا تنظيم إداريّ يعرّف الجمهور به، وتغيب عنه خدمات الماء والكهرباء.

لم يبق لنا سوى أن نسأل أبناء المنطقة عن هذا الموقع، فوجدنا مزارعاً اسمه أحمد آل الظوالم أخبرنا أنّه ترعرع هنا منذ أن كان طفلاً، بيد أنّه قال ما أثار استغرابنا: "لم أقترب من هذه الآثار إلاّ مرّة واحدة في تسعينيّات القرن الماضي، حين جاءني ضيوف، وطلبوا منّي زيارة المكان".

ويضيف مفسّراً موقفه: "لا فائدة من زيارة هذه التلال التي تلوذ بها قوى شرّيرة، ويلجأ إليها الجنّ، وتشهد بين الحين والآخر ظواهر غريبة".

كلّما اقتربنا من آثار هذه المدينة أوروك، التي ورد ذكرها في الكتاب المقدّس (التوراة)، لا نجد غير المزيد من التراب والشعور بالتوتّر بوجود عوالم مغيّبة تحت أقدامنا.

أبرز الآثار هنا تلّ واسع تقول عنه لوحة إرشاديّة زرقاء نصبت أمامه إنّه أثر "زقورة شيّدها الملك أورنمو مؤسّس سلالة أور الثالثة، وهي مكان العبادة". بدا هذا الأثر في الحقيقة كومة تراب وصخور تصفر فيها الريح.

ان اغلب المواقع الأثرية تقع في مناطق بعيدة عن مراكز المدن، اما في الصحراء أو مناطق زراعية، وتتفرق حولها على مسافات بعيدة عوائل المزارعين، ما يجعلها عرضة للصوص الأثار، بسبب ابتعادها عن أماكن تجمع السكان. وفي أوروك، بالذات تغيب الحماية الأمنيّة، عدا حارس اسمه مهر، سكن هو وعائلته منذ سبعينيّات القرن الماضي.

قال مهر لـ"المونيتور: "أحرس المكان مع ولدي، وتساعدني أسرتي، وقد اعتدنا على ذلك منذ أن عيّنت حارساً للمكان في عام 1975، وما زلت أحرسه على الرغم من تقاعدي من الخدمة".

ومهر هو واحد من حراس قليلين عينتهم هيئة الآثار العراقية، وهؤلاء الحراس متهمون أيضا بالتواطؤ مع اللصوص لنبش المواقع التاريخية وسرقة الآثار بحسب ما صرحت به اللجنة الأمنية في مجلس محافظة ذي قار (400 كم جنوب بغداد) في 13 يوليو/تموز 2014 .

يضيف مهر مشيراً إلى بندقيّة حملها على كتفه: "ليس عندي سوى هذا السلاح أحرس به المنطقة من سارقي الآثار الذين يتسلّلون خلسة إلى المكان للتنقيب".

ويشعر مهر بالفخر لأنّه استطاع مع أفراد أسرته الحفاظ على المكان من التنقيب غير الشرعيّ منذ السبعينات، مقدّماً الدليل على ذلك بالقول: "ما زال مقرّ البعثة الألمانيّة التي نقّبت عن المكان على حاله لم تمسّه يدّ".

وكانت بعثة ألمانيّة باشرت التنقيب في الوركاء بين عامي 1973 و1974، وعثرت خلاله على قطع من الآجر منقوشة عليها ملحمة كلكامش، والتي يحتفظ متحف بيرجامون في برلين بألمانيا ببعض من ألواحها التي كتُبت عليها ملحمة الملك الإله الأسطوري كلكامش.

وتأكيداً على ما قاله، فتح مهر باعتباره الحارس المعين لحماية الوركاء من قبل هيئة الاثار، باب ورشة البعثة أمامنا، فإذا بنا إزاء أضابير علاها الغبار كانت البعثة الألمانيّة قد تركتها، فضلاً عن مئات من القطع الأثريّة موضوعة في سلال، وأدوات وعدّة استخدمها المنقّبون. وليس بعيداً عن الموقع، امتدّت سكّة حديد مهترئة نصبها خبراء التنقيب الألمان وعليها عربات استخدمت في نقل التراب، علاها الصدأ، وتحوّلت إلى خردة.

ويثير الاستغراب ان الكثير من المواقع العراقية لا توجد فيها حماية امنيه كاملة الا من حارس أو حارسين، فيما توقفت أعمال التنقيب في العراق منذ عقود بسبب انشغال الدولة بالحروب.

كان المشهد الأخير أنموذجاً للإهمال واللامبالاة استفسر عنه "المونيتور" من عضو لجنة الثقافة في البرلمان العراقيّ النائب شوان داوودي الذي قال: "البرلمان العراقيّ طالب الحكومة باتّخاذ إجراءات استثنائيّة للمحافظة على المواقع الأثريّة العراقيّة وأبرزها الوركاء".

لكنّ داوودي نفسه يرى أنّ "هذه الإجراءات لن تكون منظورة في المستقبل القريب بسبب الانشغال بدمج وزارتي الثقافة والسياحة والآثار، كما أنّ مشاريع التنقيب التي هي من واجب وزارة السياحة والاثار، ظلت حبرا على ورق منذ عام 2003".

وكان رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي قد قرّر في 16 آب/أغسطس 2015 دمج وزارة السياحة والآثار بوزارة الثقافة، للتقليل من النفقات الحكوميّة.

إزاء ذلك، كان وزير السياحة لواء سميسم قد اعترف في تصريح صحافيّ في عام 2013 بوجود "إهمال لحق بالوركاء"، واعداً بـ"خطّة طوارئ لإنقاذ المدينة".

بيد أنّ هذه الخطّة لم تتحقّق حسب ما قاله لـ"المونينور" أحمد الخفاجي، وهو أكاديميّ درس في معهد الفندقة والسياحة، وعمل في مديرية آثار بابل لنحو عشرين سنة، قبل أن يتقاعد في عام 2002. ويضيف: " نعم... وعود الوزير لم تتحقّق إلى الآن، والوركاء حالها حال أغلب مناطق العراق الأثريّة، لا تعاني من الإهمال فحسب، بل وتغيب عنها الحماية، ممّا جعلها عرضة لسارقي الآثار".

ما الحلّ إذاً؟ يجيب الخفاجي: "الحلّ هو في فسح المجال لاستثمار القطاع الخاصّ، والتعاقد مع بعثات تنقيب عالميّة معروفة، لإنقاذ الآثار المدفونة".

وكان قد ذاع اسم مدينة أوروك عالميّاً من جديد في عام 2003 بعدما سرقت تحفة أثريّة نادرة يعود تاريخها إلى عام 3100 قبل الميلاد اسمها "قناع أوروك" من المتحف العراقيّ في بغداد، وكانت قد اكتشفت في عام 1938، وتمثل وجهاً للآلهة إينانا أو إحدى كاهناتها.

وفي عام 2013، نظّم متحف البيرجامون في برلين معرضاً عن تاريخ مدينة الوركاء.

عرّفتنا جولة "المونيتور" في المكان على بعض التفاصيل التي تختبئ خلف الجدران الصمّاء والتلال عن طريق الباحث الآثريّ حمزة حسن، الذي يتابع أوضاع الوركاء عن كثب ويجمع المعلومات عن جيولوجيا المنطقة. أشار إلى جدار وقال: "هذا الجدار الذي يحتوي على قطع طابوق سوداء، هو بقايا معبد أريكال او اكيتو".

وأضاف: "كشف التنقيب عن أساسات بناء معبد أكيتو الذي كانت تقام فيه الاحتفالات الدينيّة".

وعلى مسافة خمسمئة متر من الزقورة، شاهدنا بئراً عميقة بطّنت جدرانها بالطابوق، وظلّت ماثلة لم تندثر على الرغم من مرور آلاف السنين.

بين شعورنا بالأسى ورغبتنا في وضع نهاية سعيدة لهذه الجولة، أخبرت رئيسة لجنة السياحة والثقافة والآثار في مجلس محافظة المثنى أوصاف الظالمي "المونيتور" بأنّ "أهمّ إنجاز تحقّق في الحفاظ على آثار الوركاء، هو إدراجها على قائمة حماية التراث العالميّ في نيسان/أبريل 2015".

لكنّ هذا الإنجاز لا يكتمل إلّا بتأهيل المكان، واستخراج الآثار، وتحويله إلى مرفق سياحيّ لتوفير الأموال اللازمة لأعمال التنقيب والتطوير.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • Archived articles
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : tourism, security, looting, heritage, germany, archaeology, antiquities

عدنان أبو زيد مؤلف وصحافي عراقي. وهو حاصل على درجة في الهندسة التكنولوجية من العراق وعلى شهادة البكالوريوس في تقنيات وسائل الإعلام من هولندا.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept