نبض لبنان

اشتباكات عرسال: ساعات من القلق على كل لبنان

p
بقلم
بإختصار
قد تكون عرسال المفتاح لحل مشاكل متعددة في لبنان في حال تمكن الجيش من القضاء على الأصوليين.

يخوض الجيش اللبناني، منذ بعد ظهر يوم السبت في 2 آب الجاري، أخطر تحد له كمؤسسة عسكرية منذ أيار 2007، وتواجه الدولة اللبنانية الامتحان القاسي الذي كان من المتوقع لها أن تواجهه، منذ اندلاع الأحداث في سوريا في آذار 2011.

في الوقائع الميدانية، شهدت الساعات الأولى من بعد ظهر يوم 2 آب، اشتباكات عنيفة بين وحدات من الجيش اللبناني ومسلحين مؤيدين للمعارضة السورية. وذلك في منطقة عرسال اللبنانية، في البقاع الأوسط الشرقي، والتي تقع على تماس مع الحدود السورية. السبب المباشر للاشتباكات هو أن الجيش كان قد عمد إلى توقيف أحد المسلحين السوريين، واسمه عماد أحمد جمعة، للاشتباه بكونه أحد مسؤولي "جبهة النصرة" الموالية لتنظيم "القاعدة". على الفور رد المسلحون بالاشتباك مع عناصر الجيش في المنطقة، كما باقتحام مركز لقوى الأمن الداخلي في عرسال. وخلال ساعات قليلة امتدت الاشتباكات لتشمل جرود عرسال والمناطق المحيطة بها. ما أدى إلى وقوع عشرات الضحايا والجرحى. بينهم، حتى كتابة هذه السطور، 10 شهداء و25 جريحاً للجيش ، وفقدان 13 جندياً، فضلاً عن اختطاف عدد لم يحدد بدقة من عناصر قوى الأمن الداخلي، ونقلهم إلى مناطق سيطرة المسلحين الأصوليين السنة في الجانب السوري من الحدود. ورغم وقوع الحادث المذكور على محاذاة الحدود، يبدو أن لبنان كله يعيش جراءه حالة من القلق الشديد وترقب ما قد يحصل. وذلك لأن ما الإشكال ليس معزولاً في الزمان ولا في المكان. فهو مرتبط بسلسلة أحداث خطيرة سبقت، كما هو متفاعل مع عدد آخر من البؤر المتوترة على امتداد انتشار المسلحين من السنة الأصوليين في لبنان.

ففي خلفية ما حصل يوم السبت، كان قد بات معروفاً منذ أكثر من خمسة أشهر، أن المنطقة الجردية الوعرة المقابلة لعرسال شرقاً، أصبحت مرتعاً لعدد كبير من المسلحين من جنسيات مختلفة، من الموالين للمجموعات المقاتلة ضد السلطات السورية. وكان معلوماً أن كل المسلحين الذين تمكنوا من النجاة من هزائم المعارضة السورية في القصير والقلمون والنبك ويبرود، منذ حزيران 2013 وحتى آذار 2014، قد تجمعوا هناك. حتى أن تقارير صحافية منقولة عن مصادر رسمية، قدرت أعدادهم بنحو 3 آلاف مسلح. هذا الواقع خلق حالة من الخطر الداهم، لم يلبث أن تجسد اشتباكات متكررة وحوادث هجوم على منازل في عرسال وقتل أشخاص لبنانيين وسوريين، فضلاً عن عمليات خطف متكررة. كل ذلك دفع بحزب الله قبل أكثر من أسبوعين إلى الاشتباك مع هؤلاء المسلحين في منطقة القلمون. وكان الاشتباك المذكور إيذاناً ببدء تطبيق خطة عسكرية شاملة، نفذها مقاتلو حزب الله. وفي هذا السياق أكدت أوساط "الحزب" لموقعنا أن الخطة المذكورة وضعت عبر ثلاث مراحل. الأولى من محيط عرسال الشمالي وصولاً إلى بلدة الطفيل اللبنانية. وهي نفذت بالكامل. الثانية من الطفيل وصولاً إلى جرود القلمون السورية. وهي باتت شبه منجزة قبل أيام قليلة. والمرحلتان المذكورتان أدتا عملياً إلى محاصرة جرود عرسال. لتأتي المرحلة الثالثة بتمشيط المنطقة الأخيرة المحيطة بعرسال، وهو ما كان مقدراً أن يبدأ خلال أيام.

وتؤكد الأوساط نفسها لموقعنا، أن المسلحين أحسوا بانطباق كماشة الحصار عليهم. فقرروا المبادرة إلى تفجير الوضع قبل إحكام الحصار حول مخابئهم بشكل نهائي. ويرجح في هذا السياق أنهم استغلوا قيام الجيش اللبناني بخطوة طبيعية وقانونية، تتمثل في توقيفه أحد المشتبه بكونهم من الإرهابيين، ليهاجموا مدينة عرسال والجيش. الهدف المباشر للعملية هو محاولة كسر الحصار المضروب حول الأصوليين. لكن الهدف الأخطر، هو محاولة شق الجيش االبناني، على خلفية استثارة العصبيات المذهبية واللعب على وتر الفتنة السنية – الشيعية داخل المؤسسة العسكرية. وهو ما حاولوا التمهيد له قبل أيام بأخبار مزعومة عن حركة انشقاقات داخل الجيش لأسباب مذهبية. لكن الظاهر أن تلك المحاولات فشلت. وأن الجيش متماسك بشكل كامل في مواجهة الأصوليين. وهذا ما يفسر كونها التحدي الأخطر له، منذ مواجهته المسلحين الأصوليين السنة في مخيم نهر البارد في شمال لبنان، بين 21 أيار 2007 و3 أيلول من ذلك العام.

أما لجهة الامتحان القاسي لوجود الدولة اللبنانية برمتها، فهو مرتبط بالتداعيات التي يخشى منها إزاء اشتباكات عرسال. فمن جهة أولى معلوم أن أكثر من مليون نازح سوري يقيم في لبنان. والبعض منهم مسلح. ومعلوم أيضاً من جهة أخرى، أن ثمة بؤراً أصولية تتفاعل في شكل تلقائي أو منظم مع ما يحصل في عرسال. أبرزها ثلاث: طرابلس وعكار في شمال لبنان، مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين قرب صيدا في الجنوب، وسجن روميه على بعد نحو 8 كيلومترات شرق شمال بيروت، حيث يمضي مئات الأصوليين السنة فترات اعتقالهم أو توقيفهم. وبالفعل، فور وصول أخبار اشتباكات عرسال إلى طرابلس، اندلعت مواجهات متفرقة هناك بين مسلحين سنة أصوليين وبين وحدات الجيش. أما في جوار مخيم عين الحلوة فقد شدد الجيش إجراءاته تحسباً لأي طارئ. فيما أكدت أوساط وزارية لموقعنا أن إدارة سجن روميه باتت في حالة استنفار كامل، مع تعزيز الحماية العسكرية في محيط السجن.

ساعات من القلق والتوتر وحبس الأنفاس يعيشها اللبنانيون على وقع الأخبار المتواترة إليهم حول اشتباكات عرسال. فهم يدركون في وعيهم أو في حسهم العفوي، أن الكثير من معالم مستقبلهم القريب يتوقف على تلك الأخبار. فإذا تمكن الجيش من قصم ظهر الأصوليين في محيط عرسال، ينجو لبنان من كارثة كبيرة. لا بل قد يفتح ذلك ثغرة لحلحلة الكثير من الأزمات السياسية العالقة في الداخل. وصولاً ربما إلى التمهيد لانتخاب رئيس جديد للجمهورية. أما الاحتمال المعاكس، فيفضل اللبنانيون ألا يفكروا فيه حتى!

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : syria civil war, sunni, refugee camps, lebanon, fundamentalism, borders, arsal

جان عزيز كاتب مساهم في صفحة "نبض لبنان" على موقع المونيتور. وهو كاتب عمود في صحيفة الأخبار اللبنانية ومقدم برنامج حواري سياسي أسبوعي على محطة OTV التلفزيونية اللبنانية. وهو يدرّس أيضًا الإعلام في الجامعة الأميركية للتكنولوجيا (AUT) وجامعة الروح القدس - الكسليك في لبنان.

x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept