نبض الخليج

الإلحاد الخليجي في عصر شبكات التواصل الاجتماعي

p
بقلم
بإختصار
تُعرَف شبه الجزيرة العربية على نطاق واسع بالتزامها الشديد بالدين الإسلامي، لكن عدداً متزايداً من المواطنين الخليجيين بدأ ينأى بنفسه عن ممارسة الشعائر الدينية.

لدول الخليج رابط طويل الأمد بالإسلام؛ فالدين الإسلامي تأسّس في شبه الجزيرة العربية قبل أكثر من 1400 عام. ومؤخراً رأت حركات مثل الوهّابية والسلفية النور هنا أيضاً. لكن في الأعوام القليلة الماضية، بدأ عدد متزايد من المواطنين الخليجيين ينأى بنفسه عن ممارسة الشعائر الدينية، كما بدأوا في بعض الحالات ينتقدون علناً تطبيق الدين في المجتمع.

إنها لمفارقة إذاً أن عرّاب الملحدين الخليجيين في الزمن الحديث نشأ في السعودية المعاصرة وتحوّل سلفياً قبل أن يعتنق الإلحاد. فقد وُلد عبدالله القصيمي في العام 1907، في النجد في وسط شبه الجزيرة العربية، من عائلة محافظة وأب صارم. سافر إلى الهند ومختلف أنحاء الشرق الأوسط بعد وفاة والده، قبل أن يتلقّى تحصيله العلمي في القاهرة حيث دافع في البداية عن التعاليم السلفية، ما تسبّب بطرده من جامعة الأزهر. ثم نأى القصيمي بنفسه شيئاً فشيئاً عن السلفية إثر صدور كتابه "يكذّبون كي يروا الإله جميلاً". نجا القصيمي من محاولتَي اغتيال في بيروت والقاهرة على خلفية مجاهرته بعدم إيمانه، وقد صدرت له كتب عدّة، منها "الكون يحاكم الإله" و"هذا الكون ما ضميره"، قبل أن توافيه المنية في القاهرة في العام 1996. يستشهد الملحدون العرب الآن على نطاق واسع بجملته الشهيرة "احتلال الإله لعقولنا أفدح أنواع الاحتلال".

من المرات الأولى التي وقعتُ فيها على مظاهر العداء للدين - وهو ما لم أتمكّن من استيعابه خلال نشأتي - كانت عندما قرأت مقالاً للباحث الكويتي المرموق أحمد البغدادي الذي توفّي في العام 2010 بسنّ التاسعة والخمسين. فقد صدر المقال في العام 2004 تحت عنوان "أما لهذا التخلّف أن ينتهي؟" وفيه صبّ البغدادي جام غضبه على وزارة التربية الكويتية التي اتّهمها بأنها "مصممة على تدمير التعليم الخاص بشكل منهجي" بسبب الاقتراح الذي تقدّمت به لجنة متخصّصة باستبدال صفوف الموسيقى بصفوف إضافية عن الدين. فقد كتب البغدادي "فلا أقول سوى اللهم إلعن أعضاء هذه اللجنة على هذا التخلف الفكري دنيا وآخرة".

تابع "لست ممن يخافون من الدين، أو من الملتحين أو المعممين، وأرى أن الموسيقى وتنمية الذوق الفني أهم من تحفيظ القرآن ودروس الدين. وما هو موجود أكثر من كافٍ، ولا أرغب في أن أهدر فلوسي على تدريس الدين... ولا أريد لابني أن يتلقى دروساً من جهلة يعلمونه عدم احترام المرأة وغير المسلم".

ومضى البغدادي يقول إنه يريد أن يتعلّم ابنه العلوم واللغات الأجنبية، ولا يريده أن يصبح "إماماً" أو "في سلك الإرهاب"، مضيفاً أنه "كان في كويت التقدم القديمة زمن لا يذهب فيه إلى معاهد التعليم الديني سوى الفاشل علمياً ودراسياً". غني عن القول أن مقال بغدادي أثار زوبعة ما دفع الكاتب إلى إبداء نيته بالحصول على اللجوء في الغرب. مع أن البغدادي لم يعلن قط أنه ملحد، كان المجتمع الإلحادي السرّي في الخليج ينظر إليه بتقدير كبير معتبراً أنه من الأشخاص الذين يدافعون عن قضاياه ومطالبه.

على الرغم من أنه من شبه المستحيل تحديد أرقام دقيقة عن عدد الملحدين في الخليج، كشف استطلاع آراء أجرته مؤسسة WIN/Gallup International في العام 2012 بعنوان "المؤشر العالمي للتديّن والإلحاد"، عن عدد مفاجئ من الأشخاص الذين وصفوا أنفسهم بالملحدين. فقد خلص الباحثون إلى أن خمسة في المئة من المجيبين السعوديين قالوا عن أنفسهم إنهم ملحدون، وهو رقم مشابه للرقم في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا.

تحدّث سعودي يصف نفسه بالملحد، في مقابلة نادرة، عن الحاجة إلى مواصلة ادّعاء الإيمان بالدين أمام الآخرين، قائلاً إنه "صُدِم بأعداد" الملحدين. وأشار إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي سهّلت على الملحدين التلاقي. في الواقع، شهد موقعا "تويتر" و"فايسبوك" انتشاراً للحسابات التابعة لخليجيين يصفون أنفسهم بالملحدين، حيث يستخدمون عادة مصطلح "ملحد" أو "إنساني" في الاسم الذي يعرّفون به عن أنفسهم عبر صفحاتهم الخاصة، وجميعهم تقريباً يتكتّمون عن هويتهم الحقيقية.

خلال العقد الذي سبق ظهور "تويتر" و"فايسبوك"، لقيت خدمة "بالتوك" للمحادثة السمعية والبصرية التي تأسّست في العام 1998، رواجاً شديداً في الخليج. وسرعان ما اكتسبت الزخم في المنطقة التي تفرض قيوداً على حرية التعبير. وفي غضون أسابيع، ظهرت غرف محادثات حظيت بشعبية واسعة عبر "بالتوك" مثل "إنسانية" (بإدارة كويتي) و"لا متديّنين"، وكانت مخصّصة لمواضيع محدّدة ولا يُسمَح بدخولها سوى للأشخاص المخوّلين بهدف مناقشة مسائل تتمحور حول الدين.

أكّد لي ملحد سعودي يستخدم "تويتر" مخاوفه عبر رسالة بالبريد الإلكتروني: "هويّتي سرّية للغاية، ولا أكشف عنها لأحد. أتّخذ احتياطات كثيرة لحمايتها"، بعد التهديدات التي تعرّض لها "أشخاص كثر كتبوا أموراً أقل بكثير من آراء إلحادية صريحة". سألت الرجل البالغ من العمر 47 عاماً عن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، فكان ردّه "أتعرّف إلى كثير من الملحدين عبر الإنترنت، لا سيما عبر موقع تويتر. وأتعرف إلى عدد متزايد من الملحدين أيضاً في الحياة الواقعية".

لعل المدوّن الريادي الأشهر في الخليج هو الملحد الإماراتي أحمد بن كريشان. بعد انقطاعه عامَين عن التدوين، استأنف من جديد استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 عبر الطلب من الناس أن "يفتحوا عيونهم"، مضيفاً أن "كل الأديان تكذب"، وأن "العلمانية يمكن أن تحرّر الأشخاص". كتب المدوّن البحريني الشهير محمود اليوسف أن مدوّنة بن كريشان "يجب أن تكون سبباً كافياً كي يبدأ أي شخص لا يتكلّم العربية بتعلّم هذه اللغة".

في الخليج العربي، غالباً ما يخلطون بين الإلحاد والعلمانية. كلاهما غير مقبولَين في المجتمع بدرجات مختلفة، إلا أن العلمانية، خلافاً للإلحاد، لا يعاقب عليها القانون. قبل بضعة عقود، لم تكن الأكثرية في الخليج قد سمعت بالعلمانية، فما بالكم بالإلحاد، على الرغم من أن كثراً كانوا يعيشون حياة شبه علمانية حيث كان الرجال والنساء يختلطون في العلن. وقد منح ظهور النفط حكومات الخليج فرصة مأسسة الممارسة الدينية في المجتمع وتوحيد معاييرها. فضلاً عن ذلك، ونظراً إلى تاريخ الإسلام في المنطقة، يربط كثرٌ في الخليج بقوّة بين الدين والهوية الوطنية. فأي ابتعاد عن الدين أو انتقاد له هو بمثابة ابتعاد عن الهوية الوطنية، وهذا ما تحرص الحكومات على التشديد عليه. وقد دفع انتشار الإسلام السياسي في أجزاء من العالم العربي ببعض الشبّان في تلك البلدان إلى النأي بأنفسهم عن الدين.

في المعركة بين الدولة وغير المتديّنين، لا شك في أن الفريق الثاني في موقع ضعيف. تتمثّل إحدى أشهر حالات التجديف في قضية المدوّن السعودي حمزة كاشغري الذي أوقِف في العام 2011 على خلفية تغريده عن النبي محمد: "لم أحب هالات القداسة، لن أصلّي لك". وبعد قضائه عامين في أحد السجون السعودية، كتب في تغريدته الأولى "صباحات الأمل... والأرواح التي لا تموت... الحمد لله قديم اللطف".

وجد في : social media, saudi arabia, religious freedom, religion and state, religion, islam, gulf states
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X