"القاعدة" في الموصل: دولة في داخل الدولة

أصبحت الموصل عاصمة محافظة نينوى وثاني أكبر مدينة عراقيّة، أحد أهم معاقل تنظيم "القاعدة" في العراق. فمساحة المدينة الواسعة وحدودها مع سوريا وبشكل خاص مع صحراء الجزيرة وتركيا، تمنحها قيمة استراتيجيّة مهمّة بالنسبة إلى عناصر التنظيم.

al-monitor .
حارث حسن

حارث حسن

@harith_hasan

المواضيع

turkmen, sunni-shiite conflict, sectarian tension, sectarian conflict in iraq, religious minorities, nineveh province, mosul, minorities

أكت 24, 2013

أصبحت الموصل عاصمة محافظة نينوى وثاني أكبر مدينة عراقيّة، أحد أهم معاقل تنظيم "القاعدة" في العراق. فمساحة المدينة الواسعة وحدودها مع سوريا وبشكل خاص مع صحراء الجزيرة وتركيا، تمنحها قيمة استراتيجيّة مهمّة بالنسبة إلى عناصر التنظيم وهم يخوضون معاركهم في العراق وسوريا في الوقت نفسه. ويبدو أن التنظيم تمّكن من بناء شبكات معقّدة للتمويل والتجهيز والتعبئة بهدف تثبيت وجوده وبناء هيمنته التدريجيّة في المدينة.

نجح التنظيم في الشهور الأخيرة بزيادة مصادر تمويله الداخليّة عبر شبكة واسعة لجباية الضرائب من الشركات ورجال الأعمال وحتى أصحاب المحلات الصغيرة في الموصل. فقام بزيادة حجم الضرائب المفروضة على جميع أنواع النشاطات التجاريّة، داعماً سياسته الضريبيّة بإجراءات متشدّدة كالقتل والخطف ونسف بيوت من يتخلّف عن الدفع. 

وصارت تلك النشاطات تشمل مؤسّسات وشركات كبيرة. فبحسب مواطنين من سكان المدينة تحدثوا إلى "المونيتور، أُجبِرت شركات الاتصالات الخلويّة على دفع أموال طائلة للتنظيم كي يسمح لها بالاحتفاظ بأبراجها في المدينة، بعد أن تمّ تفجير بعض هذه الأبراج نتيجة تأخّر إحدى تلك الشركات عن الدفع.

ولا يمكن القيام بأي عمل تجاري كبير أو صغير من دون اقتطاع حصّة للتنظيم منه. ويشمل ذلك نشاطات مثل بيع الخضروات وصولاً إلى أعمال كبرى مثل المشاريع الخدميّة والإنشائيّة التي تقام في محافظة نينوى. وكانت القوات الحكوميّة قد شرعت في العام الماضي بحملة لتجفيف منابع تمويل التنظيم، قادها بشكل خاص الجنرال مهدي الغراوي الذي كان يشغل آنذاك منصب قائد شرطة المحافظة. وكان الغراوي قد أعلن العام الماضي أن الموصل هي "المموّل الداخلي الرئيسي للجماعات الإرهابيّة".

وأشارت بعض المعلومات إلى أن التنظيم يجبي حوالى ثمانية ملايين دولار أميركي شهرياً من سكان الموصل، غير أن تلك الجهود لم تثمر حلاً جذرياً للمشكلة لا سيّما وأنها جرت في ظلّ خلاف ما بين الإدارة المحليّة للمحافظة التي تطالب بتولّي الإشراف على الملف الأمني وبين الحكومة المركزيّة التي تتولّى عملياً هذا الملف. وقد انعكس ذلك على العلاقة ما بين السكان المحليّين والقوات الأمنيّة العراقيّة. من جهة لا تثق الغالبيّة السنيّة في الموصل بتلك القوات التي يعتبرونها خاضعة للهيمنة الشيعيّة، ومن جهة أخرى يخشى السكان من انتقام "القاعدة" منهم أو من عوائلهم في حال تعاونوا مع القوات الأمنيّة. ولا يتردّد التنظيم بالانتقام ممن يشتبه بارتباطهم بالقوات العراقيّة، إذ قام مؤخراً بحملة لنسف بيوت بعض منتسبي الجيش والشرطة كعقاب لهم. وقد جاءت هذه الحملة بعد وقت قصير من إعلان الحكومة الاتحاديّة استعدادها استقبال ضباط الجيش السابق من سكان الموصل في صفوفها.

كذلك استفادت القاعدة أيضاً من التوتّر الطائفي المتزايد واتّبعت بعض التكتيكات بهدف كسب ثقة السكان السنّة في المدينة وتقديم نفسها كحامية لهم، ومن بينها تجنّب أعمال العنف العشوائيّة في مناطقهم كالسيارات المفخّخة.

ونجح التنظيم في استغلال الأحداث السوريّة والفجوة المتّسعة ما بين السكان السنّة والحكومة العراقيّة، لجذب المزيد من الأتباع في مدينة تعجّ بالشباب من العاطلين عن العمل. ومن خلال تقوية تنظيمه وتوسيع تمويله وتجذير وجوده، أخذ نفوذ الجماعات المسلحة المنافسة كتلك التي كانت مرتبطة بحزب البعث يضعف إزاء القوة المتنامية لتنظيم الدولة الإسلاميّة في العراق والشام (داعش)، الذي يمثّل فرع القاعدة الرئيسي في العراق اليوم. وشرع التنظيم في الشهور الأخيرة بشنّ سلسلة هجمات واسعة ضدّ الأقليات الدينيّة غير السنيّة في المنطقة كالشبك والتركمان الشيعة والأيزيديّين، في محاولة لتغيير ديموغرافيا المدينة وجعلها سنيّة بالكامل. وفي إحدى تلك الهجمات تمّ تفجير سيارة مفخّخة في مدرسة للأطفال تقع في منطقة يقطنها التركمان الشيعة.

من الصعب القول أن حملة الإبادة التي يقودها التنظيم ضدّ الاقليات تلقى دعماً من قبل الغالبيّة السنيّة، حتى وإن كان التنظيم يسوقها بوصفها انتقاماً من سلوكيات الحكومة "الشيعيّة" ضدّ السنّة في العراق. لكن من الواضح أن ثمّة رعباً عاماً يعمّ المحافظة، وتفضّل الغالبيّة الركون إلى الهدوء. ينسحب ذلك أيضاً على المسؤولين الحكوميّين في نينوى. فقد لاحظنا أن الإطلالات الإعلاميّة لمحافظ نينوى أثيل النجيفي، تخلو من أي تصريح يدين عمليات استهداف سكان مدينة الموصل من الأقليات. وبعض أهالي المدينة الذين تحدّث "المونيتور" إليهم، عزوا ذلك إلى الخوف من الاصطدام بـ"القاعدة"، لكن ثمّة من أشار إلى أن الإدارة المحليّة في المدينة لديها علاقاتها مع المسلحين وبعض رموزها يقومون بدفع الضرائب للقاعدة.

لقد استفاد تنظيم "القاعدة" من الصراع على الصلاحيات وعدم الثقة المتبادلة ما بين الحكومة المركزيّة والحكومة المحليّة. ومن دون التوصّل إلى حلّ لهذه المشكلة، سيكون من الصعب على أي جهد لمواجهة نفوذ القاعدة في نينوى، أن يحقّق نجاحاً مهماً.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020