حملة لمكافحة الفساد في العراق تحت ضغط الاحتجاجات الشعبيّة

منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبيّة في العراق، في الأوّل من تشرين الأوّل/أكتوبر الماضي، لم تتوقّف بيانات القضاء وهيئة النزاهة المتعلّقة بملاحقة الشخصيّات المتّهمة بالفساد الماليّ والإداريّ، لكنّها لم توجّه أيّ اتّهام إلى الشخصيّات الكبيرة النافذة ولم تلب طموح الجماهير الغاضبة.

al-monitor .

ديس 10, 2019

في تقرير إلى مجلس الأمن في 3 ديسمبر / كانون الأول، انتقدت جينين هينس بلاشارت ممثلة الأمم المتحدة في العراق موقف الحكومة العراقية من "الفساد المتفشي"، مضيفة أنه "لقد سمعنا الكثير من الكلمات والإيماءات، ولكن شهدنا القليل جدا من النتائج الملموسة".

وأكدت أن "الطبقة السياسية ستحتاج إلى وضع قدوة، على سبيل المثال عن طريق الكشف العلني عن أصولها وإلغاء مكاتبها الاقتصادية".

وأضافت "لا يمكنني المبالغة في أن جهود مكافحة الفساد في العراق ستكون أساسية لإطلاق التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وبدون إحراز تقدم ملموس هنا، فإننا نجازف بتدفق المصادر في اتجاهات تؤدي الى عدرها غالبا".

يحاول بعض الجهات الحكوميّة والهيئات المستقلّة في العراق القيام بمجموعة من الإجراءات واتّخاذ القرارات العاجلة، وذلك ضمن محاولات غير ناجحة حتّى اليوم، لتهدئة الشارع الغاضب المطالب بالإصلاح والتغيير السياسيّ. ومن بين تلك الهيئات التي توصف بـ"المستقلّة"، كانت "هيئة النزاهة العامّة"، التي أصدرت مجموعة كبيرة من البيانات خلال الأسابيع القليلة الماضية تضمّنت أوامر لاستقدام مسؤولين ووزراء ونوّاب ومحافظين ومديرين وأعضاء مجالس محافظات ورؤساء هيئات مختلفة، بالتنسيق مع مجلس القضاء الأعلى، الذي سمح أخيراً بمساءلة النوّاب بتهم الفساد من دون الحاجة إلى موافقة القضاء.

وعلى ما يبدو، إنّ حملة "مكافحة الفساد" هذه تواجه مشكلتين أساسيّتين: الأولى في عدم قدرتها على الوصول إلى الرؤوس الكبيرة - أو ما يعرف في العراق بـ"حيتان الفساد" - المعروفة لدى المتظاهرين في محافظات الوسط والجنوب، بسبب النفوذ الكبير الذي تتمتّع به وتأثيرها على بعض الهيئات الرقابيّة والقضائيّة. والمشكلة الثانية تتمثل بصعوبة ملاحقة الأموال المهرّبة والشخصيّات المتّهمة والمتواجدة خارج البلاد، رغم صدور أحكام خلال الأيّام الماضية باسترداد مبالغ تقدّر بــ15 ملياراً و631 مليون دولار بحسب مديريّة الاسترداد في "هيئة النزاهة"، التي أقرّت بعدم تفعيل التعاون الثنائيّ مع الدول التي يتواجد فيها معظم المدانين الهاربين.

وقال عضو لجنة "النزاهة" جمال كوجر لـ"المونيتور": "إنّ إجراءات مكافحة الفساد، التي أطلقتها هيئة النزاهة، بالتعاون مع مجلس القضاء الأعلى، جيّدة، لكنّها جاءت متأخّرة ولم تصل حتّى الآن إلى كبار المسؤولين".

واعتبر أنّ "مكافحة الفساد يجب أن تبدأ من الأعلى إلى الأسفل وعدم الاكتفاء بملاحقة صغار الموظّفين"، كاشفاً عن وجود "تواطؤ" بين بعض الشخصيّات النافذة، التي رفض تسميتها، مع بعض المحاكم المختصّة لتسوية ملفّات فساد كبرى، وقال: "هناك نوّاب ووزراء سابقون وحاليّون خرجوا بسهولة من التّهم الموجّهة إليهم بسبب علاقاتهم ونفوذهم الواسع".

وكان محافظ صلاح الدين السابق النائب أحمد الجبّوري (أبو مازن) من بين الأسماء، التي وجّهت "هيئة النزاهة" أوامر باستقدامها، في 21 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بتهم فساد ماليّ، قبل أن يتمّ الإفراج عنه بعد أيّام بعد مراسلات بين رئيس البرلمان محمّد الحلبوسي ومجلس القضاء الأعلى خلصت إلى أن "طلباته (مجلس القضاء) العديدة برفع الحصانة عن "أبو مازن" وردت إلى مجلس النوّاب قبل التصويت على قرار رفع الحصانة عن أيّ نائب متّهم بالفساد، الأمر الذي يشير إلى أنّ رفع الحصانة عن النائب الجبّوري لا يتطابق وقرار البرلمان".

كما تمكّن محافظ بابل السابق والنائب الحاليّ صادق مدلول السلطاني من الخروج من السجن بكفالة وبتوقيت إطلاق سراح أحمد الجبّوري نفسه.

وأفادت "هيئة النزاهة" في بيان أنّ تفاصيل القضيّتين التي حقّقت بهما "تشير إلى ارتكاب المتّهم الأوّل خلال مدّة تسنّمه منصب محافظ بابل مخالفات في عقد إدخال كميّات كبيرة من الإسمنت المستورد من دون رسوم، خلافاً للضوابط". وقالت: "فيما ارتكب المتّهم الثاني خلال مدّة تسنّمه منصب محافظ صلاح الدين مخالفات في عقد الأبنية الجاهزة للأقسام الداخليّة لجامعة تكريت".

وبالتزامن مع إطلاق الجبّوري وصادق السلطاني كانت هناك استدعاءات لأسماء بازرة، من بينها: وزير الثقافة الحاليّ عبد الأمير الحمداني ووزير النقل السابق كاظم فنجان ووزير العلوم الأسبق عبد الكريم السامرائي من أجل التحقيق، فيما أصدر القضاء حكماً بحبس أمين بغداد السابق نعيم عبوب لمدّة ثلاث سنوات.

وعلم "المونيتور" من مصدر مشرف على بعض ملفّات مكافحة الفساد أنّ "هناك ملفّات فساد كبيرة وخطيرة جدّاً يجري التحقيق بشأنها حاليّاً، قد تطال قيادات وأسماء بارزة في الحكومات السابقة والبرلمان الحاليّ إذا لم يتمّ التدخّل في عمل الهيئة أو ممارسة الضغوظ على أعضائها".

وأشار المصدر إلى أنّ "القضاء سيستمرّ في إصدار مذكّرات إلقاء القبض بحقّ المتّهمين ما دامت الاحتجاجات الشعبيّة مستمرّة، والخشية من دخول البلاد في حالة الفراغ الدستوريّ قد تعرقل عمليّة استقدام المتّهمين، لا سيّما أنّ معظهم خارج البلاد".

من جهتها، قالت النائب عن "دولة القانون" وعضو لجنة "النزاهة" عالية نصيف لـ"المونيتور": "إنّ الفساد في العراق يشكّل منظومة كبيرة تشترك فيها جهات خارجيّة، وإنّ البرلمان يحاول المساعدة في مكافحة هذه الآفّة من خلال إقرار القوانين، ومنها قانون "من أين لك هذا" الذي شرّع أخيراً، واستجواب كبار المسؤولين".

وأشارت إلى "وجود أكثر من 12 ملفّاً لاستجواب وزراء ومن هم في درجتهم، ومن المؤمل أن تضعهم رئاسة البرلمان على جدول الأعمال خلال الأسابيع المقبلة".

واللاّفت أنّ كلّ تلك الإجراءات وعمليّات الاستقدام والمساءلة بحقّ بعض المسؤولين المتّهمين بالفساد لم تلق لها صدى لدى ساحات التظاهر والاعتصام ولم تسهم حتّى الآن في تهدئة الأجواء الاحتجاجيّة، وربّما يعود ذلك إلى قناعة المتظاهرين بأنّ هذه الإجراءات "المتأخّرة" جاءت لذرّ الرماد في العيون، ولن تساهم في مكافحة الفساد بصورة فعليّة ما دامت الطبقة السياسيّة الحاليّة مسيطرة على مفاصل الدولة والأجهزة الرقابيّة والأمنيّة.

والحال أنّ الأسئلة الأكثر تداولاً اليوم في العراق هي: هل ستستمرّ حملة مكافحة الفساد حتّى استرداد الأموال العراقيّة المنهوبة؟ وهل ستتمّ محاسبة قادة الأحزاب الحاكمة ورؤساء الحكومات السابقة؟ وهل سيؤدّي ذلك إلى انحسار ظاهرة الفساد في الحكومات المقبلة؟ أم أنّ ما يحصل مجرّد محاولة يائسة للتأثير على المتظاهرين وإقناعهم بتحقّق مطالب الإصلاح؟

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض العراق

al-monitor
هل انتهى التحالف "السرياليّ" بين المدنيّين والصدر؟
عمر ستار | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | فبر 19, 2020
al-monitor
ضغوط سياسيّة تهدّد بالإطاحة برئيس الوزراء المكلّف قبل تشكيل حكومته
عمر ستار | الانتخابات العراقية | فبر 18, 2020
al-monitor
مظاهرات نسويّة حاشدة تغطّي شوارع بغداد باللونين الورديّ والبنفسجيّ
Lujain Elbaldawi | حقوق المرأة | فبر 14, 2020
al-monitor
لماذا قانون الانتخابات العراقي الجديد لم يتم التصديق عليه بعد؟
عمر الجفال | المحاكم والقانون | فبر 14, 2020