نبض فلسطين

دوافع الهدوء المفاجئ بين حماس وإسرائيل في غزّة

p
بقلم
بإختصار
يتابع الفلسطينيّون والإسرائيليّون حالة الهدوء الأمنيّ الذي تعيشه غزّة منذ أسابيع عدّة، بعد فترة زمنيّة طويلة من التوتّر، تخلّلتها جولات من التصعيد العسكريّ بين حماس وإسرائيل، ويتساءل الجانبان عن سبب هذا الهدوء المفاجئ، بين خشية حماس من ردّ الفعل الإسرائيليّ ضدّها، ممّا يكبّدها أثماناً باهظة، أو الرغبة المشتركة في انتظار انتهاء المواجهة المشتعلة في المنطقة، إلى جانب اتّضاح الصورة السياسيّة داخل إسرائيل، فضلاً عن الوعود الإسرائيليّة التي وصلت إلى حماس عبر مصر بتنفيذ التفاهمات الإنسانيّة في غزّة.

منذ انطلاق مسيرات العودة الأسبوعيّة على حدود قطاع غزّة الشرقيّة مع إسرائيل في آذار/مارس 2018، شهد القطاع 10 جولات تصعيد عسكريّة مع إسرائيل، تخلّلها إطلاق صواريخ من إسرائيل في اتّجاه أهداف عسكريّة لحماس، التي تردّ ومعها الفصائل الأخرى بإطلاق قذائف صاروخيّة نحو المستوطنات الجنوبيّة الإسرائيليّة.

آخر تصعيد عسكريّ شهدته غزّة كان في 11 أيلول/سبتمبر، حين قصف الجيش الإسرائيليّ مواقع لحماس، بينها مصنع للأسلحة ونفق وأهداف بحريّة، ردّاً على إطلاق صواريخ من القطاع في اتّجاه إسرائيل، ولم يسفر القصف المتبادل عن خسائر بشريّة في الجانبين.

منذ آخر جولة تصعيد وحتّى اليوم، في أواخر تشرين الأوّل/أكتوبر، مرّت أكثر من 6 أسابيع من دون أيّ توتّر، على عكس ذلك، فقد ساد هدوء شبه تامّ الحدود الفلسطينيّة-الإسرائيليّة مع قطاع غزّة، ممّا دفع الفلسطينيّين والإسرائيليّين الذين يراقبون هذا الهدوء عن كثب لأن يتساءلوا عن سبب هذه الحالة التي تعيشها غزّة.

قال القياديّ في حماس والمسؤول السابق في جناحها المسلّح كتائب عزّ الدين القسّام محمود مرداوي لـ"المونيتور" إنّ "إسرائيل تبادر بالاعتداءات على الشعب الفلسطينيّ، والمقاومة تردّ عليها، ولكن لأنّ إسرائيل تعيش حالة فراغ سياسيّ بعد جولتي انتخابات في نيسان/أبريل وأيلول/سبتمبر، فهي تتجنّب العدوان على غزّة، وتخفّف من استفزازها للمقاومة"، وأضاف أنّ "المنطقة تمرّ بحالة من التدافع بين جميع الأطراف، والمقاومة تترقّب كلّ هذه الأحداث".

من التساؤلات التي يطرحها الفلسطينيّون والإسرائيليّون عن عوامل استتباب الهدوء، وعدم اندلاع أيّ جولات تصعيد في غزّة: هل هي خشية حماس من رد الفعلّ الإسرائيليّ الكبير الذي قد يؤدّي إلى حرب شاملة ضدّها تكبّدها أثماناً باهظة؟ أم الرغبة الفلسطينيّة-الإسرائيليّة في انتظار مآلات التوتّر الإيرانيّ-السعوديّ، والعمليّة العسكريّة التركيّة ضدّ الأكراد، والاحتجاجات الشعبيّة في لبنان والعراق، مع تطلّع حماس إلى معرفة التحرّكات السياسيّة في إسرائيل بسبب أزمة ما بعد الانتخابات الأخيرة، فضلاً عن الوعود الإسرائيليّة التي وصلت إلى حماس عبر مصر بالإسراع في تنفيذ التفاهمات الإنسانيّة بين الجانبين في تشرين الأوّل/أكتوبر 2018؟

قال مدير البحوث في المركز الفلسطينيّ لأبحاث السياسات والدراسات الاستراتيجيّة–مسارات خليل شاهين لـ"المونيتور" إنّ "الهدوء القائم في غزّة مخادع، فأسباب تفجير الموقف حاضرة، وأقوى من عوامل الهدوء، الذي من أسبابه رغبة حماس في تطبيق التفاهمات مع إسرائيل، بتوزيع الأموال القطريّة على الفقراء، وإقامة المستشفى الميدانيّ في شمال القطاع، وإدخال البضائع المصريّة إلى القطاع، وتراجع حجم المشاركة في مسيرات العودة، على الرغم من محاولات المجموعات المسلّحة الصغيرة في غزّة خرق الهدوء بإطلاق صواريخ في اتّجاه إسرائيل".

ربّما استمرار الهدوء في غزّة يعطي إشارة إلى إسرائيل والدول الإقليميّة والمجتمع الدوليّ إلى أنّ حماس هي العنوان الأساسيّ في القطاع، تتحكّم بمفتاح التصعيد أو الاستقرار فيه، إلى جانب انشغال قيادة حماس أكثر بالقضايا الفلسطينيّة الوطنيّة الداخليّة، واعتبار استمرار الهدوء في غزّة أولويّة ملحّة، تمهيداً لحلّ الأزمة الاقتصاديّة التي لن تحلّ إذا اندلع تصعيد عسكريّ مع إسرائيل.

من أهم القضايا الداخلية التي تشغل حماس، معالجة الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في قطاع غزة، وعدم وجود حل جذري يضع حدا لمعاناة الفلسطينيين فيه، حيث يعاني 70 بالمئة من سكّان القطاع المُحاصَر من انعدام الأمن الغذائي، و33 بالمئة منهم يعيشون تحت خط الفقر المدقع، وفقا لما أعلنته وزارة التنمية الاجتماعية بغزة، يوم 20 أكتوبر، كما أن نسبتي الفقر والبطالة في غزة وصلتا خلال عام 2019، إلى 75 بالمئة.

قال الناطق باسم لجان المقاومة الشعبيّة أبو مجاهد لـ"المونيتور": "المقاومة لا تبحث عن تصعيد مع إسرائيل، لكنّنا مستعدّون لأسوأ الاحتمالات، وأرسلنا رسائل إلى الاحتلال بأوقات سابقة عبر وسطاء بعدم إيقاع خسائر بشريّة فلسطينيّة في مسيرات العودة. نتابع الخلافات الإسرائيليّة، ومعنيّون بألّا يصدّر بنيامين نتنياهو مشاكله الداخليّة إلى جبهة غزّة".

تساءل الخبير العسكريّ الإسرائيليّ ألون بن دافيد في صحيفة معاريف في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر عن سبب عدم عودة أخبار التصعيد في غزّة لتصدّر نشرات الأخبار الإسرائيليّة كما جرت العادة في الأشهر الماضية، ناقلاً عن أوساط أمنيّة وعسكريّة إسرائيليّة عدم قدرتها على تفسير الصمت التامّ السائد في غزّة، على الرغم من إشارته إلى وجود توافق ضمنيّ غير مكتوب، بين حماس وإسرائيل على تمرير هذه المرحلة الحرجة على كلّ الأطراف.

يدرك الفلسطينيّون أنّه قد لا يكون صواباً الذهاب إلى تصعيد عسكريّ مع إسرائيل وسط حالة السيولة السياسيّة التي تعيشها، مع رغبة فلسطينيّة في استمرار تدفّق الأموال القطريّة والمشاريع الاقتصاديّة، وهي مدعاة لهم للموافقة على استمرار الهدوء، واحتواء أيّ توتّر ينشب في القطاع.

قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة الأمّة حسام الدجني لـ"المونيتور" إنّ "حلفاء حماس في المنطقة منشغلون في الاستقطابات الإقليميّة: إيران مع السعوديّة، وتركيا مع الأكراد، وقطر مع الخليج، ولا أظنّ هذه الدول متفرّغة لمتابعة عدوان إسرائيليّ على غزّة، ممّا يجعل حماس معنيّة بتهدئة جبهتها انتظاراً لاستقرار الأوضاع الإقليميّة".

ربما تتسلّح حماس بترسيخ حالة الهدوء في غزّة بتأييد الرأي العامّ الفلسطينيّ في القطاع لهذا الهدوء، وعدم رغبته في الذهاب إلى التصعيد، والضغط على المجموعات المسلّحة التي تفتعل التوتّر مع إسرائيل، بل أنّ حماس طلبت في آب/أغسطس من الوسطاء الإقليميّين والدوليّين مواصلة جهودهم مع إسرائيل لتثبيت الهدوء في القطاع.

قال الخبير العسكريّ الفلسطينيّ وقائد المدفعيّة السابق في منظّمة التحرير الفلسطينيّة واصف عريقات لـ"المونيتور" إنّ "هدوء غزّة قد يسبق العاصفة، فتاريخنا مع الحروب الإسرائيليّة مليء بالخداع والمفاجآت، لكنّ أوضاع الإقليم المتفجّرة قد لا تسمح باندلاع تصعيد عسكريّ واسع في غزّة، خصوصاً مع تنامي قوّة الأطراف المعادية لإسرائيل، إيران وحزب الله وحماس، ممّا يجعل إسرائيل غير قادرة فعليّاً على الذهاب إلى مغامرة عسكريّة جدّيّة ضدّ غزّة".

يخدم الهدوء الحذر في غزّة الفلسطينيّين والإسرائيليّين معاً، فحماس تريد التقاط أنفاسها، وأخذ استراحة محارب، وترميم قدراتها العسكريّة، والتنسيق مع حلفائها في المنطقة حول طبيعة أيّ مواجهة مسلّحة وتوقيتها.

أمّا إسرائيل فهي منشغلة داخليّاً بأزمة سياسيّة ودستوريّة مستعصية على الحلّ من جهة، ومن جهة أخرى عيونها مفتوحة على الإقليم المشتعل حولها، ممّا يجعل غزّة ملفّاً غير عاجل، بل قد ينتظر التأجيل حتّى إشعار آخر!

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : rockets, economic crisis, military, march of return, israeli-gaza border, hamas, gaza strip

رئيس قسم العلوم السياسية والإعلام، ومُحاضر في تاريخ القضية الفلسطينية والأمن القومي والدراسات الإسرائيلية في جامعة الأمة للتعليم المفتوح بغزة. حائز على شهادة دكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، ونشر عددًا من الكتب حول السياسة الفلسطينية المعاصرة والصراع العربي الإسرائيلي. يعمل باحثا ومترجما لدى عدد من المراكز البحثية العربية والغربية.يكتب بصفة دورية في عدد من الصحف والمجلات العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept