نبض الخليج

بدعم من الإمارات وتواطئ من السعوديّة... سقطت عدن

p
بقلم
بإختصار
أثبتت ممارسات التحالف السعوديّ-الإماراتيّ على مدى 5 سنوات أنّه ليس مع الوحدة ولا مع الانفصال، ولا يسعى إلى استعادة الشرعيّة وليس جادّاً في إسقاط الحوثيّين، بل يمسك العصى من المنتصف، ويلعب على كلّ التناقضات، بهدف تحقيق مصالحه في اليمن.

بيروت - تتساقط المدن اليمنية في جنوب اليمن تباعاً بيد المجلس الإنتقالي الذي يطالب بالانفصال، فبعد سقوط عدن  في 10 آب/أغسطس، سقطت جارتها أبين مسقط الرئيس عبدربه منصور هادي في 20 من نفس الشهر، وقد جاء سقوط الأخيرة بالتزامن مع تحميل حكومة هادي للإمارات العربية المتحدة المسؤولية الكاملة في التمرد المسلح الذي نفذه المجلس الإنتقالي جنوب اليمن. كذلك بالتزامن مع وصول وفد برئاسة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الإنتقالي إلى جدة، للحوار مع الحكومة الشرعية برعاية سعودية.

نجح المجلس الانتقاليّ الجنوبيّ المدعوم من دولة الإمارات العربيّة المتّحدة في 10 آب/أغسطس في تنفيذ انقلاب عسكريّ على الحكومة اليمنيّة المعترف بها دوليّاً في العاصمة الموقّتة عدن، وقد جاء ذلك بعد معارك عنيفة دامت 3 أيّام ضدّ قوّات الحرس الرئاسيّ والألوية العسكريّة التابعة إلى حكومة الشرعيّة.

وكان نائب رئيس المجلس الانتقاليّ هاني بن بريك قد دعا في 7 آب/أغسطس، الأحزمة الأمنيّة والنخب العسكريّة كافّة التي أنشأتها الإمارات العربيّة المتّحدة ودرّبتها وسلّحتها، إلى الانقضاض على مؤسّسات الشرعيّة والسيطرة الكاملة على مدينة عدن.

وجاءت دعوة بن بريك استغلالاً للتعاطف الشعبيّ في جنوب اليمن، على إثر مقتل قائد اللواء الأوّل في قوّات الحزام الأمنيّ منير اليافعي المعروف بـ"أبو اليمامة"، الذي استهدفه الحوثيّون في 1 آب/أغسطس بصاروخ باليستيّ وطائرة مسيّرة، أثناء حفل عسكريّ في معسكر الجلاء في مدينة عدن، مدّعياً أنّ معسكرات الحكومة الشرعيّة تواطأت مع الحوثيّين في تنفيذ العمليّة.

رافق هذا التحرّك دعم إماراتيّ غير محدود، وصل بحسب وزير الداخليّة اليمنيّ أحمد الميسري، إلى 400 مصفّحة عسكريّة، فضلاً عن الموقف المريب للمملكة العربيّة السعوديّة التي التزمت قوّاتها الصمت في قصر معاشيق التابع إلى الرئاسة اليمنيّة، لتتّخذ في نهاية المطاف موقفاً لا يختلف عن موقف أبوظبي اللذين اتّفقا على "الشعور بالقلق" إزاء تطوّر الأحداث في عدن.

لا شكّ في أنّ هذه التطوّرات في عدن ستنعكس على اهتزاز وحدة اليمن وستضعف أمنه واستقراره، كما أنّها وضعت السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة اللتين تقودان تحالفاً عسكريّاً لاستعادة الشرعيّة في اليمن، في موقع المعادي للشرعيّة، بدلاً من دعمها. أمّا بالنسبة إلى الشرعيّة ذاتها، فقد تلقّت صفعة ثانية بعد تلك الصفعة التي نفّذها الحوثيّون في صنعاء عند انقلابهم عليها في أيلول/سبتمبر 2014.

وهذه هي المرّة الثانية التي يعلن فيها المجلس الانتقاليّ الانقلاب على الحكومة الشرعيّة، فقد سبق ونفّذ انقلاباً فاشلاً في عدن في كانون الثاني/يناير 2018، لكنّه لم يكن يحظى مثل هذه المرّة بالدعم والإسناد الكافيين، حيث بلغ قوام قوّاته الأمنيّة والعسكريّة أخيراً 90 ألفاً، بتمويل وتدريب وتسليح إماراتيّ، وتعمل جميعها خارج إطار الحكومة الشرعيّة ولا تعترف بها.

لقد بدى واضحاً أنّ أبوظبي والرياض تتبادلان الأدوار في ما يخصّ تنفيذ مصالحهما في اليمن، فعندما تعالت الأصوات اليمنيّة في العام الماضي، رفضاً للتواجد الإماراتيّ في جزيرة سقطرى التي لا يشوبها أيّ صراع، ولا يتواجد فيها أيّ نوع من الميليشيا، تدخّلت الرياض ولطّفت الأجواء بين الإمارات العربيّة المتّحدة ورئيس الحكومة السابق أحمد عبيد بن دغر، الذي أيّد الرفض الشعبيّ وناهض التواجد الإماراتيّ، داعية أبوظبي إلى سحب قوّاتها مقابل إحلال قوّات سعوديّة بديلة عنها، ليستقرّ الحال في نهاية المطاف على تواجد القوّتين في هذه الجزيرة.

وبعد الانقلاب الأخير الذي تمّ في عدن، دعت السعوديّة الطرفين (المجلس الانتقاليّ والحكومة الشرعيّة) إلى الحوار في جدّة، وترحيل القيادات الحكوميّة المناهضة للانقلاب.

وسرعان ما رحّب المجلس الانتقاليّ بدعوة الرياض إلى الحوار، فيما اشترطت الحكومة الشرعيّة انسحابه من المواقع والمؤسّسات التي سيطر عليها قبل بدء أيّ حوار سياسيّ معه، ليتماشى التحالف السعوديّ–الإماراتيّ مع مطلب الشرعيّة، خصوصاً بعدما شعر هذا التحالف بالإحراج بعد تلقّي سيل من الانتقادات حتّى من مؤيّديه، أبرزهم وزير الخارجيّة اليمنيّ السابق المستشار في الرئاسة اليمنيّة عبد الملك المخلافي، الذي قال عبر حسابه على "تويتر" إنّ "اليمنيّين فقدوا ثقتهم بالتحالف"، ممّا دعا التحالف بعد القمّة الثنائيّة التي جمعت الملك سلمان بن عبد العزيز والشيخ محمّد بن زايد آل نهيان في 12 آب/أغسطس في مكّة، إلى إرسال لجنة سعوديّة-إماراتيّة مشتركة إلى عدن للإشراف على إعادة تسليم المعسكرات والمؤسّسات الحكوميّة إلى سلطة الشرعيّة. لكن، وبحسب ما كشف مصدر خاصّ في مكتب الرئاسة اليمنيّة فضّل عدم الكشف عن هويّته، لـ"المونيتور"، فإنّ "اللجنة ستعطي الأولويّة لتسليم قصر معاشيق الرئاسيّ لما له من رمزيّة مقترنة بسلطة الشرعيّة"، مستبعداً أن "يفي التحالف بوعده بالضغط على المجلس الانتقاليّ بتسليم المعسكرات".

وقد أكّد عدم تسليم المعسكرات بيان المجلس الانتقاليّ الذي صدر في 15 آب/أغسطس عقب فعاليّة أطلق عليها اسم "مليونيّة النصر والتمكين"، الذي جاء فيه أنّ "هدف شعب الجنوب المتمثّل في استعادة دولة الجنوب الفيدراليّة المستقلّة، خيار محسوم لا رجوع عنه"، مشدّداً على "العمل على تحرير ما تبقّى من وادي حضرموت وبيحان ومكيراس، وأيّ بقعة أخرى من الأراضي الجنوبيّة لا تزال تعاني من الإرهاب والاحتلال"، في إشارة إلى الحكومة الشرعيّة.

رئيس مركز أبعاد للدراسات والبحوث ومقره الرئيسي في صنعاء، عبدالسلام محمد، قال في حديثه لـ"المونيتور": "إذا استمر التحالف العربي بقيادة السعودية بدعم الانقلابات، فإن اليمن مهدد للذهاب نحو التمزيق والفوضى"، غير مستبعداً أن "ما يمارسه التحالف في اليمن، سينعكس على أمن واستقرار الخليج".

وأضاف أن "السعودية نظرت إلى أحداث عدن الأخيرة كورقة للضغط على الرئيس هادي والحكومة الشرعية لتعديل الحكومة واستيعاب المجلس الإنتقالي فيها، متماهيةً بذلك مع الإمارات". أمّا أبوظبي فهي من وجهة نظر عبدالسلام محمد "لها سياسات عدوانية تجاه الربيع العربي، وممارساتها في جنوب اليمن ما هي إلا امتداد لهذه العدوانية ضد الديمقراطية والاسلاميين المعتدلين، فضلاً عن المصالح الاقتصادية والسياسية التي تحققها من خلال تعزيز نفوذها كلاعب اقليمي في اليمن".

وبالنسبة إلى الاجتماع المقرّر عقده في جدّة بين الحكومة الشرعيّة والمجلس الانتقاليّ في الأيّام القليلة المقبلة، لن يكون بعيداً عن مصلحة العرّابين لكلّ هذه التحوّلات في اليمن، والمتمثّلين في السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة، حيث ستسعى السعوديّة إلى الإبقاء الشكليّ للشرعيّة، كي تستمرّ شرعنة التواجد والتدخّل السعوديّ–الإماراتيّ في اليمن، في المقابل ستغضّ الطرف عن الواقع الجديد الذي أحدثه المجلس الانتقاليّ لاعتبارات كثيرة، أهمّها تقاسم النفوذ بينها وبين الإمارات العربيّة المتّحدة، حيث تركّز الرياض تواجدها في شمال اليمن وشرقه، على عكس أبوظبي التي تهتمّ بالجزر والموانئ المتناثرة في جنوب البلاد، فضلاً عن أنّ التحالف السعوديّ-الإماراتيّ يرى أنّ من مصلحته وجود طرف ثالث في أيّ مفاوضات مقبلة تتمّ برعاية دوليّة مع الحوثيّين، حيث سيضمن صوتين هما الشرعيّة والمجلس الانتقاليّ، مقابل صوت واحد للحوثي وحلفائه. لا شكّ في أنّ ما بعد انقلاب المجلس الانتقاليّ ليس كما قبله، لكن في المقابل ستعمل الرياض وأبوظبي على فرملة مطالبه المرتفعة المتمثّلة في الانفصال، إذ أنّ ممارسات الدولتين منذ تدخّلهما في اليمن في 26 آذار/مارس 2015، أثبتت أنّهما ليسا مع الوحدة ولا مع الانفصال، كما لا تسعيان إلى استعادة الشرعيّة وليستا جادّتين في إسقاط الحوثي، بل تمسكان العصى من المنتصف وتلعبان على كلّ التناقضات، بهدف وجود يمن مفكّك ومتعثّر، لكسب الكثير من المصالح الاقتصاديّة والجيوسياسيّة في هذا البلد.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

Ammar al-Ashwal is a Yemeni journalist who writes for several Yemeni and Arab newspapers, including the Yemen Today newspaper, An-Nahar and Al Akhbar. He is a master's student of information and communication sciences at the Lebanese University of Beirut. On Twitter: @lshwal

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept