نبض مصر

البرهان يلتقي السيسي في الزيارة الخارجيّة الأولى... ما الذي ستقدّمه القاهرة إلى جنرالات السودان؟

p
بقلم
بإختصار
أظهرت زيارة رئيس المجلس العسكري السوداني عبدالفتاح البرهان إلى القاهرة، دورًا كبيرًا يلعبه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في السودان.

القاهرة - كانت القاهرة المحطّة الأولى التي تطأها قدم رئيس المجلس العسكريّ الانتقاليّ السودانيّ الفريق أوّل عبد الفتّاح البرهان منذ عزل الرئيس عمر البشير في نيسان/أبريل. فقد وصل البرهان في 25 أيّار/مايو إلى العاصمة المصريّة للقاء الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي، وسط خلافات حادّة مع قوى الاحتجاج في السودان ووصول المفاوضات إلى طريق مسدود حول من تكون له اليد الطولى في الفترة الانتقاليّة.

أثارت الزيارة تساؤلات حول طبيعة الدور المصريّ في السودان، والدعم الذي يقدّمه السيسي إلى القائد العسكريّ السودانيّ.

في قصر الرئاسة المصريّ، كان استقبال البرهان حارّاً، إذ أدّى التحّيّة العسكريّة إلى السيسي وفقاً للتقاليد العسكريّة، باعتباره الأعلى رتبة، وجرت مباحثات ثنائيّة منفردة بين السيسي والبرهان تلتها مباحثات موسّعة، في حضور وزير الدفاع المصريّ محمّد زكي ورئيس المخابرات العامّة المصريّة عبّاس كامل.

قال المتحدّث باسم الرئاسة المصريّة السفير بسّام راضي، في بيان، إنّ السيسي أكّد "دعم مصر الكامل لأمن السودان واستقراره، ومساندتها للإرادة الحرّة وخيارات الشعب السودانيّ الشقيق في صياغة مستقبل بلاده، والحفاظ على مؤسّسات الدولة".

واتّفق الجانبان على "استمرار التشاور المكثّف، بهدف المساهمة في تحقيق استقرار السودان وتفعيل الإرادة الحرّة للشعب السودانيّ الشقيق والانحياز إلى خياراته"، بحسب بيان الرئاسة.

عقب زيارة القاهرة، عاد البرهان إلى الخرطوم، ومنها توجّه إلى الإمارات العربيّة المتّحدة، ثمّ إلى جنوب السودان، فإثيوبيا، ثم زيارة إلى السعوديّة للمشاركة بالقمتين العربية والإسلامية الطارئتين ظهر خلالها للمرة الأولى بالملابس المدنية. ويقول مراقبون إنّ الزيارات تعكس توجّه المجلس العسكريّ السودانيّ نحو المحور الذي تقوده السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة ومصر والبحرين، في مقابل قطر وتركيا حليفتي البشير، وسط اتّهامات من جانب المحتجّين بأنّ المجلس العسكريّ "يقود ثورة مضادّة" ضدّ الانتفاضة التي أطاحت بالبشير في 11 نيسان/أبريل.

اعتبر (القيادي) في قوى الحرّيّة والتغيير بالسودان بابكر فيصل، أنّ زيارات رئيس المجلس العسكريّ إلى مصر والإمارات العربيّة المتّحدة، وقبلها زيارة نائبه محمّد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" إلى السعوديّة، مؤشّر إلى أنّ المجلس يتمدّد في صلاحيّاته وسلطاته، مؤكّداً في مؤتمر صحافيّ عقد في الخرطوم في 29 أيّار/مايو أنّ قوى الحرّيّة والتغيير لم تعلم شيئاً وفوجئت بتلك الزيارات.

بعد مظاهرات دامت 4 أشهر، أطاح الجيش السودانيّ في 11 نيسان/أبريل بالبشير الذي أمضى في الحكم 30 عاماً، وبعدها، شكّل الجيش مجلساً عسكريّاً انتقاليّاً سيطر على المؤسّسات الحكوميّة وخاض جولات تفاوض مع قوى الاحتجاج التي تضم أحزاب وحركات أبرزها تجمع المهنيين السودانيين، وتحالف قوى الإجماع الوطني، وقوى نداء السودان، وحزب التجمع الاتحادي المعارض، ومجموعات من المجتمع المدني، من أجل تسليم السلطة.

بعد أيّام قليلة من زيارة البرهان إلى القاهرة ودبي، أعلنت قناة الجزيرة القطريّة، في 31 مايو/أيار، أنّ المجلس العسكريّ سحب تراخيص مراسليها وأغلق مكتبها في الخرطوم، ثم في 3 يونيو/حزيران، فضت قوات أمن سودانية اعتصام المتظاهرين مما أسفر عن مقتل 100 شخصًا بحسب لجنة أطباء السودان المركزية المشاركة في المظاهرات.

ورأت الكاتبة الصحافيّة بصحيفة "التيار" السودانية، شمائل النور في حديث إلى "المونيتور" أنّ زيارة البرهان إلى القاهرة حملت رسالتين، الأولى أنّ المجلس العسكريّ يحاول كسب شرعيّة من خلال الجولات الخارجيّة تسمح له بالبقاء في السلطة، خصوصاً إلى الدول التي سارعت في دعمه بعد تولّيه السلطة، وهو الأمر الذي يخشاه السودانيّون. أمّا الرسالة الثانية -بحسب النور- أنّ المجلس العسكريّ الانتقاليّ اختار المحور الذي تقوده السعوديّة والإمارات العربيّة المتّحدة ومصر على حساب محور قطر وتركيا.

وسبقت زيارة البرهان، زيارة قام بها نائبه محمّد حمدان دقلو المعروف بـ"حميدتي" إلى السعوديّة في 24 مايو/أيار، التقى خلالها وليّ العهد السعوديّ محمّد بن سلمان، حيث أكّد بقاء القوّات السودانيّة المشاركة في الحرب التي تقودها الرياض وأبوظبي في اليمن.

ورأى أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة حسن نافعة، أنّ زيارات البرهان إلى مصر ثمّ إلى الإمارات العربيّة المتّحدة، وقبلها زيارة نائبه إلى السعوديّة عكست تنسيقاً بين التحالف الثلاثيّ الذي يقود ما يسمّى بـ"الثورات المضادّة في العالم العربيّ" لتمكين نظام شبيه بالنظام المصريّ قادر على ضبط الأمن والأمور في البلاد ومقاومة الجماعات الإسلاميّة والإخوان المسلمين.

ويعتقد أنّ التحالف الثلاثيّ العربيّ (مصر والسعودية والإمارات) لعب دوراً بارزاً في إقناع جنرالات الجيش السوداني من خلال قنوات سرّيّة بإبعاد البشير عن السلطة بعدما سئموا من ولائه المتحوّل وإيوائه والتواصل مع خصميهم تركيا وقطر حتّى تولّي البرهان، حسب تقرير لوكالة "أسوشيتد برس" الأميركيّة.

وأضاف أنّ النظام المصريّ يخشى من سيطرة الإخوان المسلمين على الحكم في السودان بعد سقوط البشير، وهو ما دفعه (النظام المصريّ) إلى دعم البرهان لكبح جماح خطط الإسلاميّين من تكرار التجربة المصريّة بعد ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011.

بدوره، قال نائب وزير الخارجيّة المصريّ السابق السفير رخا حسن إنّ مصر تتعامل مع أوضاع السودان بمقاربة أمنيّة، وليس سياسيّة.

وأضاف حسن –الذي كان مراقباً للانتخابات في السودان مرّتين- لـ"المونيتور" أنّ "البشير شكّل تحالفاً مع الإخوان المسلمين أزعج في أحيان كثيرة مصر، ووجدت الأجهزة الأمنيّة صعوبة في التعامل معه".

والتقى السفير المصريّ في الخرطوم حسام عيسى وفداً من تجمّع المهنيّين السودانيّين، في بدا محاولة لتبديد مخاوفهم من أن مصر تقف وراء خطط المجلس العسكري للسيطرة على السلطة بالتأكيد أنّ "القاهرة ملتزمة بعدم التدخّل في الشأن السودانيّ (...)، وأنّ مصر ستدعم خيار الحكومة المدنيّة فور تشكيلها".

لكنّ أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة الأميركيّة في القاهرة الدكتور طارق فهمي قلّل من التخوّفات السودانيّة، موضحاً لـ"المونيتور" أنّ الدور المصريّ يقتصر على دعم تحرّكات المجلس العسكريّ السودانيّ في تحديد مسار العمليّة السياسيّة وعمليّة التحوّل الراهن، بعيداً عن المحور القطريّ-التركيّ الذي كان مقرّباً من البشير.

أضاف فهمي أنّ القوى السياسيّة السودانيّة أيضاً تحتاج السيسي باعتباره رئيس الاتّحاد الأفريقيّ هذا العام وقادر على لعب دور قويّ في حشد المواقف المؤيّدة والداعمة للتحوّل السلميّ، ومنع معاقبة السودان في حال إطالة المدّة الزمنيّة لتسليم السلطة.

وأشار إلى أنّ الرئيس السيسي نجح في إقناع الاتّحاد الأفريقيّ بمنح مهلة شهرين إضافيّين إلى المجلس العسكريّ لتسليم السلطة بعدما كانت أسبوعين. كان السيسي دعا في 25 أبريل/نيسان، لقمة تشاورية للقادة الأفارقة في القاهرة انتهت بالموافقة المبدئية على مقترح مصري بمنح المجلس العسكري مهلة 3 أشهر، إلى حسم الاتحاد الأفريقي المسألة بمهلة شهرين.

ولكن في 6 يونيو حزيران، قام الاتحاد بتعليق عضوية السودان.

وعلّقت الكاتبة السودانيّة النور، بأنّه على الرغم من أنّ القوى المدنيّة لا تزال قادرة على تحريك الشارع، إلّا أنّ جنرالات المجلس لن يتركوا السلطة بسهولة، موضحة أنّ لديهم مخاوف كبيرة من تسليم السلطة إلى حكومة مدنيّة ستضرّ بمصالحهم سواء حرب اليمن أم الامتيازات الاقتصاديّة التي يمتلكونها.

فيما لم يستبعد نافعة أن تكون مماطلة المجلس العسكريّ مقصودة، إذ قال: "أظنّ أنّ تلك هي نصيحة النظام المصريّ إلى المجلس العسكريّ بأنّ المماطلة كفيلة بإثارة الخلافات بين قوى الثورة".

وأردف: "يبدو أنّ العمل يجري على إجهاض الثورة الشعبيّة في السودان لتمكين حكم عسكريّ خالٍ من الإخوان المسلمين".

محمد مجدي، صحفي مصري عمل كمحرر للشئون القضائية بجريدة الشروق، ومحرر للشئون السياسية لموقع مصراوي.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept