نبض فلسطين

فيفان صنصور... من البحث عن أكلتها الشعبيّة إلى مكتبة لحفظ البذور الفلسطينيّة

p
بقلم
بإختصار
بجهود ذاتيّة تحوّلت إلى مبادرة زراعيّة، قامت الفلسطينيّة فيفان صنصور بإنشاء أوّل مكتبة بذور بلديّة في فلسطين هدفها إعادة هذه البذور ومنتجاتها إلى الأرض، ومنها إلى المطبخ الفلسطينيّ.

رام الله - من بحثها عن الجزر الأحمر الفلسطينيّ، الذي يعدّ المكوّن الرئيسيّ لطبخة فلسطينيّة شعبيّة اعتادت على أكلها في طفولتها في الثمانينات، تبلورت لدى الفلسطينيّة فيفيان صنصور فكرة إنشاء مكتبة لحفظ البذور البلديّة النادرة وحمايتها من الانقراض، في ظلّ اجتياح البذور المهجّنة الأسواق الفلسطينيّة واعتمادها في الزراعة من قبل المزارعين.

صنصور بدأت رحلة البحث عن البذور منذ عام 2013، بعد عودتها من الولايات المتحدة الأمريكية و العمل في مجال الكتابة والتصوير للمشاريع الزراعية، وكانت بالنسبة إليها رحلة البحث عن جزء من هويّتها الفلسطينيّة ورائحة طعام جدّتها وأمّها وما يرافقها من شعور بالأمان والوطن.

وقالت صنصور لـ"المونيتور": "كنت أبحث في سوق الخضار ببيت جالا عن جزر أحمر. لقد بحثت لأيّام فقالوا لي إنّه لم يعد يزرع، كما في السابق. وبعد عناء، وصلت عند أحد بائعي الخضار الذي يبيعها حسب الطلب، أي أن على من يرغب بشرائها اخباره من قبل حتى يتمكن من توفيرها له، وبعد تفاوض طويل، حصلت على جزرتين، فالكميّة التي لديه كانت مباعة".

فكّرت صنصور في استغلال الجزرتين، بعد عدم تمكّنها من التمتّع بوجبتها المفضّلة "محشي الجزر الأحمر"، وهي أكلة مقدسيّة منتشرة في جنوب الضفّة. وقامت بزراعتهما واستخرجت منهما البذور، وقالت: "أرهبتني فكرة أنّ هناك نباتات يمكن أن تنقرض، فهذا يعني انقراض جزء من هويّتي الفلسطينيّة، وهو ما دفعني إلى العمل على حماية ما أستطيع منها".

وهو ما كان بإنشاء مكتبة البذور البلدية الفلسطينية ببيت ساحور جنوب الضفة. الهدف من هذه المكتبة، كما قالت، هو إعادة البذور المهدّدة بالانقراض إلى الحقول، ولم يكن هذا ممكناً من دون شراكة مع المزارعين الذين آمنوا بفكرة صنصور ودعموها، وهي نقطة التحدّي بالنّسبة إليها، إقناع المزارع الذي اعتاد على البذور التي تنتجها الشركات الزراعيّة وتمنح المزارع مردوداً أسرع، على استخدام البذور البلديّة بديلاً عنها، وخصوصاً في البداية.

ولدت وترعرعت صنصور في بلدة بيت جالا الفلسطينيّة الواقعة بجنوب الضفّة الغربيّة ذات الطابع الريفيّ قبل أن ذهبت إلى في أميركا لتدرس علم الإنسان وعلوماً سياسيّة ومسرحاً.

وعملها على مدار 10 سنوات سابقة في مجال الكتابة عن الحياة الزراعيّة سواء أكان في فلسطين أم خلال وجودها خارج البلاد. وبدأت، بعد ذلك، مباشرة بالتواصل مع مزارعين عبر إعلانات تنشرها على "فيسبوك"، وكان التفاعل الذي أوصلها إلى الأرض للتواصل المباشر مع المزارعين وزيارتهم في أراضيهم والحصول منهم على أنواع من البذور النادرة وتكثيرها.

لم تكن الأرض مفروشة بالورود أمام صنصور، فعندما قرّرت خوض هذه التجربة لم يتفهّم المحيط، وكانت كمن تخاطر بعمل ودخل ممتاز ومستقرّ حيث كانت تعمل في حينه كاتبة ومصورة للمشاريع الزراعية لصالح شركة كنعان، إلاّ أنّها كانت مصرّة على المضي بفكرتها بإنشاء مكتبة البذور حتّى النهاية، وهو ما تطلّب منها في المرحلة الأولى أموالاً لم يكن من السهل توافرها، حيث حصلت في البداية على منحة من مؤسسة عبد المحسن القطان، إلى جانب صرفها من أموالها الخاصة على المشروع.

خضر شوقي خضر، هو مزارع من بلدة نصف جبيل - شمال نابلس، كان من أوائل المزارعين الذين تواصلوا مع صنصور واستفادوا من فكرتها، وكانت تربطه بها معرفة قديمة. ومع بدء عملها على جمع البذور، تبادل معها البذور التي لديه، وبدأ التعاون بينهما وما زال مستمرّاً حتّى الآن، حيث يستفيد من بذور المكتبة هو ومزارعون في منطقته بشكل مجاني.

ومنذ بداية عمل خضر شوقي خضر في الزراعة خلال عام 2008، اعتمد على الزراعة العضويّة، لكنّ الآن وبمساعدة صنصور، باتت مزروعاته عضويّة ومن البذور البلديّة الأصيلة البذور البلدية هي البذور التي كنت تزرع في فلسطين و لم يطرأ عليها عملية تهجين أو أي تعديل وراثي. ورغم محدوديّة زراعته، استطاع أن يجد تسويقاً له من خلال بيعها إلى عائلات في مدينة نابلس المجاورة. والآن، يسعى إلى التعاقد مع أحد مستشفيات المدينة لتقديم مزروعاته لإعدادها خصوصاً لمرضى السرطان.

وأشار خضر في حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ هناك أنواعاً كثيرة من البذور لم يكن يعرفها. وأصبح الآن يقوم بزراعتها، وخصوصاً تلك التي تزرع في منطقة جنوب الضفّة، وتحديداً الأنواع النادرة كـ"الخيار الأبيض" و"البندورة البلديّة" التي حصل على أشتالها من المكتبة. وفيما بعد، قام بتكثير البذور وتوزيعها على محيطه.

إنّ حماية البذور الفلسطينيّة لا تقتصر أهميّتها على الزراعة الفلسطينيّة، بل إنّها مهمّة لكلّ العالم، في ظلّ التغيّر المناخيّ المستمرّ لميزاتها الخاصّة، إذ تتميّز بأنّها تحتمل الزراعة البعليّة، التي لا تعتمد على الري التي تلائم مناخنا، ولا تؤذي الطبيعة التي تزرع فيها وتتحمّل الظروف القاسية، من الجفاف وقلّة المياه.

لم يتوقّف جهد صنصور عند العمل على البذور الفلسطينيّة، بل عقدت شراكات خارجيّة مع جمعيّات وأفراد لديهما ذات الاهتمام في المحافظة على الحياة الريفيّة وإعادة إحياء البذور البلديّة في هذه المجتمعات، وكان آخرها التعاون مع إحدى المبادرات التي تقوم بها إحدى الجمعيّات الأميركيّة Experimental Farm Network، والتي تستعيد بذور قامت وزارة الزراعة الأميركيّة بجمعها من الشرق الأوسط والاحتفاظ بها في مخازنها وإرجاعها إلى موطنها الأصليّ.

لقد حصلت صنصور من هذه الجمعيّة على عيّنة عينيّة من قمح كان يزرع في منطقة قطاع غزّة، وستقوم بتجربته في الضفة الغربية خلال الموسم المقبل.

صنصور تسعى الآن إلى فتح فروع لمكتبتها في كلّ المناطق، بعد نقل المكتبة من بيت ساحور في أذار المقبل، إلى مقرّ ثابت لها في أراضي بلدة بتير ذات التراث الزراعيّ والحضاريّ.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept