نبض سوريا

نازحون سوريّون... من الإيواء الموقّت إلى الاستقرار الدائم

p
بقلم
بإختصار
إنّ تراجع شعور النازحين داخل سوريا بأمل عودتهم إلى ديارهم الأصليّة دفعهم إلى البحث عن الاستقرار في مساكن دائمة، كبديل عن المخيّمات، من دون أن يفرّطوا بروابطهم وعلاقاتهم الاجتماعيّة القديمة.

إدلب، سوريا – ينزل محمّد عيسى القرميد من على كتفه، ثمّ يلصق بطبقة من الإسمنت القرميدة فوق الأخرى، واضعاً الأساس لغرفة إضافيّة، يوسّع بها منزله الصغير.

يعمل عيسى (38 عاماً) كعامل بناء، ويعيش مع زوجته وأطفاله الأربعة، منذ شهرين، في هذا المنزل الذي سيحوي بعد التوسعة غرفتين ومطبخاً وحمّاماً.

قرية رتيان الجديدة هي عنوان سكنه الجديد، فعلى بعد 3 كيلومترات شمال مدينة الدانا في ريف إدلب، أنشأ نازحون من بلدة رتيان الواقعة في شمال حلب قرية جديدة لهم، أطلقوا عليها اسم "رتيان الجديدة" نسبة إلى بلدتهم الأصليّة التي نزحوا منها، في شباط/فبراير 2016 مع سيطرة قوّات النظام والميليشيات الحليفة عليها.

تملأ بقع من الإسمنت ثياب عيسى المهترئة، وفيما يأخذ استراحة قصيرة، يقول لـ"المونيتور": "منذ نزوحنا من بلدة رتيان في ريف حلب قبل نحو 3 سنوات، بدأنا بالتنقّل في المخيّمات القريبة من الحدود التركيّة، لقد كانت أيّاماً عصيبة للغاية، عانينا فيها الكثير، فالخيم لا تقينا حرّ الصيف ولا برد الشتاء".

وأضاف متحدّثاً إلى "المونيتور"، وهو يسند ظهره على أكياس من الإسمنت: "كنّا نعيش في تجمّع مخيّمات دير حسّان القريبة من هنا، إلى أن قرّرنا نحن أهل البلدة على أن نتشارك في شراء قطعة من الأرض، تبلغ مساحتها ألفي متر مربّع، لننشئ نسخة مصغّرة عن بلدتنا الأصليّة".

تقدّر المفوّضية السامية للأمم المتّحدة لشؤون اللاجئين UNHCR عدد النازحين داخل سوريا بـ6.6 ملايين شخص، وقد غادر هؤلاء مدنهم وبلداتهم، من دون أن يبتعدوا خارج حدود البلاد.

ولطالما كان النزوح الداخليّ في سوريا يحمل طابعاً موقّتاً، النازحون أو المهجّرون غالباً ما يستأجرون أو يسكنون في خيم، أملاً بعودتهم القريبة إلى مدنهم وبلداتهم، لكن على ما يبدو، ومع تراجع الإحساس بعودة قريبة، تبدّل ذلك الحال إلى محاولة الاستقرار وإيجاد موطن بديل.

وفي هذا السياق، قال عيسى: "طالما أنّ بلدتنا تحت سيطرة النظام فلا نستطيع العودة، نحن نخشى عمليّات الانتقام أو الاعتقال، وفي أفضل الأحوال السوق إلى التجنيد الإجباريّ في جيش النظام".

تحوي قرية رتيان الجديدة، التي بدأ إعمارها في آذار/مارس، على مسجدٍ ومدرسة صغيرة، ويقطن فيها حوالي 500 شخص، جميعهم نازحون من بلدة رتيان في ريف حلب، بحسب رئيس المجلس المحلّيّ للقرية أحمد طحّان.

وأوضح طحان لـ "المونيتور" إن السعر الرخيص للأرض شجعهم على المشروع، حيث بلغت تكلفة شراءها 4 آلاف دولار، جمعها المجلس المحلي لقرية رتيان عن طريق تبرعات الأهالي، وجرى دفع المبلغ للمجلس المحلي في بلدة دير حسان، بوصفه الجهة العامة التي تملك الأرض.

ويرى أهالي القرية الجديدة أنّه وعلى الرغم من أنّ البيوت التي بنوها متواضعة من حيث المساحة الصغيرة، التي لا تتعدّى الـ50 متراً مربّعاً، والخدمات المتوافرة فيها، إلّا أنّها تبقى الخيار الأفضل لهم، بالمقارنة مع الخيم، ومعاناة المعيشة فيها، لا سيّما في فصل الشتاء.

وإذا كان السعي وراء تحسين المعيشة ومواجهة تقلّبات الطقس، هو ما دفع أهل هذه القرية إلى بناء منازلهم هذه، التي أفرغت تكاليفها جيوبهم من الأموال، فإنّها في مقابل ذلك، تؤكّد تراجع شعورهم بإمكان العودة إلى ديارهم الأصليّة، إذ تتحوّل الخيم الموقّتة إلى سكن دائم.

ويقول عمر قوج (40 عاماً) لـ"المونيتور": "إنّ تكلفة بناء منزل صغير بمساحة 50 متراً مربّعاً بالحدّ الأدنى من الخدمات والمواصفات الفنّيّة تقارب المليون ونصف ليرة سوريّة (أي ما يعادل 3 آلاف دولار أميركيّ)".

يبيع قوج المنتجات الغذائيّة في إحدى غرف منزله التي تطلّ على الشارع، وبينما يجلس على كرسي في انتظار زبائنه، قال لـ"المونيتور": "لقد أنفقت كلّ ما أملك، في سبيل بناء هذا المنزل (..) وعلى الرغم من ذلك، أتمنّى أن أعود إلى بلدتي الأمّ، فقد كبرت وتربّيت فيها، ولأكون صريحاً مع نفسي، فواقع الحال لا يوحي بذلك، على الأقلّ في السنوات القريبة".

تنمو قرية رتيان الجديدة وتكبر ببطء بسبب العوائق الماديّة، مع قدوم نازحين جدد، وبنائهم منازل قرب أصدقائهم وجيرانهم القدامى. وأينما تحرّك ناظريك في القرية هنا ذات البيوت الصغيرة المتلاصقة، تجد عبارة "رتيان الجديدة" مكتوبة على الجدران، في محاولة دائمة للتذكير بـ"رتيان القديمة" مسكنهم الأصليّ، وحقّ العودة إليها.

إنّ المحافظة على الرابط الاجتماعيّ وتعزيزه يمثّلان أولويّة بالنسبة إلى النازحين، لا سيّما أولئك القاطنين في الأرياف، فهذا الرابط يشعرهم بشيء من الأمان والاستقرار.

يضيف قوج لـ"المونيتور"، مفتخراً بالقيم الأخلاقيّة سكّان بلدته: "أهل بلدتنا معروفون بالطيبة، ونحن نساعد بعضنا على الدوام، في كلّ شيء، لقد تشاركنا مواد البناء والخبرة في الإعمار، كلٌ حسب استطاعته (..) أنا سعيد حقّاً لأنّنا تمكّنّا من إنشاء نموذج مصغّر عن بلدتنا، وأسرّ كلّما قدمت عائلة جديدة للبناء هنا".

وتثير قصّة رتيان الجديدة تساؤلات عن إمكان تكرارها في مناطق أخرى، من قبل سوريّين نزحوا من مدنهم وبلداتهم الأصليّة واستقرّوا في أماكن جديدة، وعما سيساعد ذلك في تعزيز سياسية التغيير الديموغرافي التي يتهم بها نظام بشار الأسد بالتعاون مع طهران، بإبعاد المعارضين الذين يشكل السنّة غالبيتهم الساحقة، عن المناطق الحساسة في البلاد، لاسيما حمص (في الوسط) والساحل، وحول العاصمة دمشق.

وقد تحوّلت محافظة إدلب التي ما زالت تحت سيطرة فصائل المعارضة، مع تقدّم قوّات النظام في وسط البلاد وجنوبها، إلى مأوى للنازحين والمهجّرين الذين سيطرت قوّات النظام على مناطقهم، ومع قدوم هؤلاء، فإنّ كلّ مجتمع وكلّ سكّان مدينة حاولوا البقاء إلى جانب بعضهم في أماكن نزوحهم الجديدة، محافظين على عاداتهم وأعرافهم الخاصّة، فنشاهد مخيّمات خاصّة للنازحين من حمص، وكذلك أحياء تجمّع المهجّرين من غوطة دمشق الشرقيّة في عفرين، وتجمّعات سكنيّة لنازحي دير الزور في مدينة الباب في ريف حلب.

نافلة القول، إنّ حالة من الإحساس بتراجع فرص عودة النازحين داخل سوريا إلى ديارهم دفعتهم إلى البحث عن الاستقرار الدائم، من دون أن يفرّطوا بروابطهم الاجتماعيّة القديمة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x
keyboard_arrow_up

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept