نبض العراق

شباب يخوضون حرب تحرير نينوى من الكراهيات

p
بقلم
بإختصار
بعد تحرير محافظة نينوى من تنظيم "داعش"، يعمل شباب من مختلف الخلفيّات الدينيّة على خوض معركة تحرير أخرى أشدّ أهمّيّة في نظرهم، من أجل إعادة التعايش المشترك بين مختلف مكوّناتها، وبأنشطتهم التطوّعيّة يمثّلون جيلاً جديداً يسعى إلى التحرّر من الكراهيات القديمة.

الموصل، العراق – بعد عدد من الحفلات الموسيقيّة التي أقامها فنّانون عراقيّون في الموصل، استضافت المدينة التي كانت عاصمة تنظيم "داعش" لأكثر من سنتين، المهرجان الأوّل للأغنية الوطنيّة، في 1 و2 تشرين الثاني/نوفمبر، شارك فيه مطربون وفرق فنّيّة من مختلف محافظات العراق، منها فرق شعبيّة للفلكلور الشبكيّ، الإيزيدي، والكلدوسريانيّ-آشوريّ، إضافة إلى فرقة البصرة للفنون الشعبيّة. ولم يكن هذا التحوّل ممكناً لو لم تتمّ جهود الشباب الموصليّ المستمرّة والمكثّفة لترسيخ الثقافة المدنيّة في الموصل خلال فترة ما بعد تحريرها.

يتذكّر بندر العكيدي (22 عاماً) كيف تغيّرت أفكاره جذريّاً بعد تحرير مدينة الموصل من تنظيم "داعش"، فبدلاً من الهجرة، أخذ يعمل من أجل تحسين واقع مدينته، ويقول: "في رأس السنة الميلاديّة التي أعقبت تحرير المدينة، ارتديت ملابس بابا نويل في قلب الموصل القديمة، وتنقّلت بين المنازل المدمّرة لكي أوزّع الهدايا على الأطفال".

كانت الأيّام العصيبة التي مرّت تحت سيطرة تنظيم "داعش"، والممارسات الوحشيّة التي مارسها مقاتلوه ضدّ الأهالي قد دفعت العكيدي إلى اتّخاذ قرار الهجرة، لكن بعد تحرير الساحل الأيسر من المدينة، خرج إلى الشارع وتنفّس هواء الحرّيّة. كان مشهد المدينة المدمّرة يرسم شكل المهمّة الجديدة، إرجاع المدينة إلى وضعها السابق. يقول بندر: "بعد شهر من تحرير الساحل الأيسر، بادر متطوّعون شباب إلى تنظيف إحدى المستشفيات، ثمّ سرعان ما شاعت الفكرة في مواقع التواصل الاجتماعيّ، فانطلق جيش من المتطوّعين لإعادة الحياة إلى المدينة، ومع مرور الأيّام، التحق آلاف الشباب بهذه الفرق التطوّعيّة، وجرت منافسة بينها في تنظيف الشوارع أوّلاً، ومن ثمّ المدارس والمستشفيات، وبعدها الجامعات، وفي غضون أشهر قليلة، تغيّر مشهد المدينة كلّيّاً".

ألهم هذا الجوّ الحماسيّ العديد من الشباب وغيّر قناعاتهم، إذ لا يصدّق المدوّن والشاعر جميل الجميل الذي نشأ في عائلة مسيحيّة في الموصل أن تتغيّر المدينة بهذه السرعة، لا سيّما بعدما طرده سكّانها قبل 6 سنوات لأنّه كان مسيحيّاً. يقول الجميل بفرح غامر: "وقّعت كتابي الشعريّ "النازح رقم 7" في جامعة الموصل التي لم أدخلها لمدّة 6 أعوام، وشعرت بالحرّيّة أثناء التفاف مئات المسلمين من حولي يطلبون كتابي، كانت هذه بالنسبة إليّ لحظة تحرّر مطلقة من كلّ كراهيات الذاكرة".

لم يكن هذا التحوّل سهلاً أو سلساً، بل تطلّب شجاعة منقطعة النظير، فحياة الجميل في حدّ ذاتها تمثّل سلسلة من الأحداث الدافعة إلى كراهية الآخر، ويشرح الجميل لـ"المونيتور" سياق هذا التحوّل بقوله: "على الرغم من حبّي للّغة العربيّة وكتابتي الشعر العربيّ، فقد اضطررت إلى ترك دراسة اللغة العربيّة في جامعة الموصل في عام 2008 بسبب تهديد المتشدّدين الذين كانوا لا يرغبون في أن يتعلّم مسيحيّ لغة القرآن". ويضيف بأسى واضح: "وتعرّضت إلى حروق في وجهي وجسدي في 2 أيّار/مايو 2010 بعد انفجار في منطقة كوكجلي كان يستهدف حافلة تقلّ الطلبة المسيحيّين إلى جامعة الموصل". ثمّ أصبحت زيارة المدينة والتجوّل في طرقاتها والتسكّع فيها حلماً بعيداً بالنسبة إلى الجميل، وأمّا بعد احتلال "داعش" للمدينة، فقد اختطفت اثنتان من عمّاته وتمّ اغتصابهما وقتلهما. وبعدما تحقّق حلمه بالعودة إلى مدينة ذكرياته، يشعر الآن بأنّه إنسان آخر، حيث يقول: "كنت مليئاً بالحقد، لكنّني حوّلت المشاعر السلبيّة إلى طاقة إيجابيّة لبناء السلام بين مكوّنات المدينة". ويضيف: "أكرّس وقتي للعمل في مشروع لمدّ الجسور بين مكوّنات محافظة نينوى". وتدعمه في ذلك منظّمة UPP الإيطاليّة، والمشروع يجمع شباباً من المكوّنات كافّة حول سبل تحقيق السلام وتعزيز العيش المشترك عن طريق مبادرات تطوّعيّة شبابيّة".

 تقول إحدى الشابّات الإيزيديّات المشاركات في المشروع ليديا الشيخ (23 عاماً): "لقد شاركت في أنشطة المشروع لكي أتخلّص من التعصّب الداخليّ وردّة الفعل تجاه المسلمين، فبعد الإبادة التي تعرّضنا إليها، تبدّلت نظرتنا تجاه المسلمين، وأصبح من الصعب علينا تقبّلهم، لكنّ الأنشطة التطوّعيّة المشتركة كفيلة بإعادة بناء الثقة رويداً رويداً". وعلى الرغم من أنّ إعادة بناء الثقة الكاملة يعدّ أمراً معقّداً بسبب الخوف من تكرار ما حدث مرّة ثانية، إلّا أنّ مثل هذه الأنشطة يفتح فرصاً للشباب لتقبّل الآخر. تشرح الشيخ لـ"المونيتور" أثر هذه المشاركة بقولها: "بمجرّد أن أنهيت التدريب، أصابني حماس كبير بأنّ العيش المشترك ممكن، وأنّني أستطيع التأثير في غيري، صحيح أنّ الماضي مؤلم، لكنّ التفكير بالماضي سوف يجعلنا سجناء كراهيات لا بدّ من أن نتحرّر منها".

لكنّ بعض الشباب لا يزالون يحملون مخاوف عميقة، إذ ترى إيفلين يعقوب (19 عاماً) من برطلة أنّ "آثار الحرب على المدينة يمكن تصفيتها، فالمدينة المنكوبة والبنية التحتيّة والمنازل المدمّرة يمكن إعادة بنائها، لكنّ إعادة بناء الثقافة تمثّل التحدّي الأكبر في نظرها". وتقول لـ"المونيتور": "لقد عادت الحياة شيئاً فشيئاً، وعاد الناس إلى وظائفهم وأعمالهم، لكنّ الفكر الذي خلّفه "داعش" والأفكار الإرهابيّة التي زرعها في عقول بعض أهالي المدينة تحتاج إلى جهد أكبر وخبرات قد لا نمتلكها حاليّاً، أو نحن في حاجة إلى التدرّب عليها". وتضيف أنّ "المعاناة التي عاشها أهالي الموصل في ظلّ حكم تنظيم "داعش" لم تكن سهلة، لذا فكّر الشباب بأدوات بديلة لهزيمة "داعش"، فاستثمروا الساعات الطويلة في المنازل في التعلّم من أقرانهم عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ، ووظّفوا الوقت في قراءة الكتب وتعلّم اللغة الإنكليزيّة، لقد حوّلوا السجن إلى فرصة للتعلّم، ولذا، عندما تحرّرت المدينة من "داعش"، ظهر جيل جديد من المتطوّعين الشباب علّم نفسه بنفسه".

وأخيراً، على الرغم من أنّ الحرب دمّرت المدينة، إلّا أنّها غيّرت إدراك الشباب لأهمّيّة العمل معاً من أجل الانتصار في معركة تحرير العقول والقلوب، فالجيل الجديد بات يمثّل قوّة لمدّ الجسور بين مكوّنات المدينة لتحريرها من الكراهيات.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

أكاديمي وخبير في شؤون التنوع الديني في العراق وهو استاذ مساعد في كلية العلوم السياسية الجامعة المستنصرية في بغداد ومن مؤسسي المجلس العراقي لحوار الأديان وقد حاز على جائزة ستيفانوس للحريات الدينية لعام 2018 ومن ابرز مؤلفاته اقليات العراق ما بعد داعش 2017 الايزيديون في العراق 2016 الوحدة في التنوع 2015 المسيحيون في العراق 2014 والاقليات في العراق 2013.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept