ترحيب فلسطينيّ بتشغيل عمّال غزّة في إسرائيل

في إطار الحديث عن تهدئة أمنيّة بين غزّة وإسرائيل، انتشرت الأخبار حول طلب فلسطينيّ بإدخال 5 آلاف عامل من غزّة كمرحلة أولى للعمل داخل إسرائيل، خصوصاً في المستوطنات الجنوبيّة المحاذية للقطاع، رغم بقاء معارضة المخابرات الإسرائيليّة لهذا الاقتراح لأسباب أمنيّة... مقالي يناقش حقيقة العرض، وهل يعني العودة بالتاريخ إلى الوراء، وبدل أن يعمل العمّال في أراضيهم يذهبون إلى إسرائيل من جديد؟ وما هي المجالات التي سيعملون فيها: البناء، الزراعة، والخياطة؟ وكيف سيساهمون في إنعاش الاقتصاد المتدهور في غزّة؟

al-monitor .

نوف 14, 2018

تتواصل الجهود السياسيّة المصريّة والقطريّة والأمميّة لإنجاز تفاهمات سياسيّة وأمنيّة بين "حماس" وإسرائيل، بما فيها تقديم الخطوات المقترحة لتحقيق هذه التهدئة، كتحويل الأموال القطريّة إلى موظّفي قطاع غزّة وتخفيف حصاره وتحسين ظروف المعيشة، وزيادة ساعات وصول التيّار الكهربائيّ.

وكشفت القناة الإخباريّة الإسرائيليّة "كان" في 4 تشرين الثاني/نوفمبر أنّ المجلس الوزاريّ الإسرائيلي المصغّر للشؤون الأمنيّة والسياسيّة المعروف اختصارا بكلمة "الكابينت" عقد في اليوم ذاته جلسة مطوّلة لمناقشة الوضع ومساعي التهدئة في غزّة، وتضمّنت السماح بإدخال آلاف العمّال الفلسطينيّين من غزّة للعمل في إسرائيل.

وفيما حظي هذا المقترح بموافقة وزيريّ الأمن الداخليّ غلعاد إردان والتعليم نفتالي بينيت، اللذين قالا إنّهما لا يؤيّدان خنق الفلسطينييّن في غزّة. ولذلك، يجب السماح للعمّال بالعمل داخل إسرائيل لمنع أيّ تدهور في غزّة بقيادة "حماس"، لكنّ جهاز الأمن العام "الشاباك" عارض المقترح لأسباب أمنيّة.

لم يصدر الشاباك بيانا حديثا يشرح أسباب معارضته لدخول العمال الفلسطينيين لإسرائيل، لكنه في يوليو أعلن أن العمال يشكلون خطرا شديدا على الأمن الإسرائيلي، لأن حماس قد تسعى لتجنيد عناصر لها بينهم لتنفيذ عمليات داخل إسرائيل.

أمّا صحيفة "هآرتس" فنشرت في 4 تشرين الثاني/نوفمبر مسودّة اتفاق التهدئة في غزّة بين "حماس" وإسرائيل، وتشمل بنوداً عدّة، من بينها: سماح إسرائيل لدفعة أولى من 5 آلاف عامل دون سنّ الـ40 بالدخول إليها للعمل فيها.

حتى اللحظة، لم يذهب العمال الفلسطينيون من غزة لإسرائيل، ولم تضع إسرائيل تواريخ محددة لبدء دخولهم، بانتظار اكتمال جهود التهدئة مع حماس الجارية على قدم وساق بوساطات مصر وقطر والأمم المتحدة.

الوضع الاقتصاديّ في غزّة وصل إلى أسوأ مراحله، والظروف المعيشيّة بلغت مستويات غير مسبوقة من الصعوبة، الأمر الذي يجعل من دخول عمّال فلسطينيّين إلى إسرائيل فكرة مرحّباً بها، بعيداً عن أيّ تحفّظات.

وقال مدير التخطيط والسياسات في وزارة الاقتصاد بغزّة أسامة نوفل لـ"المونيتور": "إنّ إسرائيل من خلال إدخال آلاف العمّال الفلسطينيّين إليها تريد بثّ دعاية للعالم أنّها تخفّف من ضائقة غزّة، لكنّ التأثيرات الفعليّة لهذه الخطوة منخفضة جدّاً، كون العمال الفلسطينيون سيتركزون بمجال الزراعة داخل إسرائيل من دون غيره، لأنّ حلّ مشكلة البطالة يتمّ بفتح معابر قطاع غزّة وإنشاء مشاريع كبيرة في داخله، وهو ما ناقشناه في الأسابيع الأخيرة مع وفود دوليّة وصلت إلى غزّة".

وطالب رؤساء البلدات الإسرائيلية المحاذية لقطاع غزة في مارس وزارة الدفاع الإسرائيلية بمنح تصاريح للعمال الفلسطينيين من غزة للعمل في الزراعة داخل إسرائيل، لوجود حاجة حقيقية لديها لتعزيز عدد عمال الزراعة.

أظهر تقرير الجهاز المركزيّ للإحصاء الفلسطينيّ في نيسان/إبريل أنّ نسبة البطالة نهاية عام 2017، بلغت 43.9 في المئة بغزّة مقابل 17.9 في المئة بالضفّة. وأنّ عدد العاطلين عن العمل بلغ 364 ألفاً، 146 ألفاً في الضفّة و218 ألفاً في غزّة، الأمر الذي يشير إلى تفاوت كبير بينهما، وبلغ عدد الفلسطينيّين العاملين 666 ألفاً، بواقع 221 ألفاً في غزّة، و333 ألفاً في الضفة، و92 ألفاً يعملون في إسرائيل، و20 ألفاً في المستوطنات.

وأشار عميد كليّة التجارة بالجامعة الإسلاميّة في غزّة محمّد مقداد خلال حديث لـ"المونيتور" إلى أنّ دخول "آلاف العمّال من غزّة إلى إسرائيل يساهم نسبيّاً في تخفيف حدّة الفقر والبطالة، لكنّ مواجهة البطالة فعليّاً في غزّة تتطلّب أن تفرد لها الموازنة الفلسطينيّة الحكوميّة بنداً خاصّاً، ووقف عقوبات السلطة الفلسطينيّة ضدّها، ورفع الحصار عنها، وتمكينها من حريّة الاستيراد والتصدير وإدخال العملة النقديّة إليها، فضلاً عن المباشرة بإعمارها".

وكان السفير القطريّ في الأراضي الفلسطينيّة محمّد العمادي أعلن في تمّوز/يوليو مبادرة لتحسين الأوضاع الإنسانيّة لدى سكّان غزّة، تضمّنت موافقة إسرائيل على دخول 5 آلاف عامل من غزّة للعمل في إسرائيل، مقابل وقف الطائرات الورقيّة الحارقة وتخفيف التوتّر عند السياج الحدوديّ مع غزّة.

مبادرة العمادي في يوليو حول عمال غزة مرتبطة بحديث إسرائيل يوم 4 نوفمبر، ومنذ يوليو تجري مختلف الأطراف مباحثات حول تفاصيل هؤلاء العمال: أعدادهم، أعمارهم، مجالات عملهم، أجورهم.

وفي مارس بحث وزيرا العمل الفلسطيني مأمون أبو شهلا، ونظيره الإسرائيلي حاييم كاتس، خلال لقائهما بالقدس، مسألة السماح لعمال من غزة بالعمل داخل إسرائيل.

وطالب رئيس حزب العمل الإسرائيليّ المعارض آفي غباي في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017 بالسماح للفلسطينيّين من غزّة بالعمل في إسرائيل، لتحقيق هدفين: خفض معدّل البطالة في القطاع وسدّ النقص الإسرائيليّ في مجاليّ البناء والزراعة.

من جهته، قال إبراهيم صالح عامل بناء من غزّة، لكنه عاطل عن العمل الآن، لـ"المونيتور": "إنّ عمّال غزّة عانوا كثيراً منذ فرض حصار غزّة، فلم تنتبه إلينا الحكومات الفلسطينيّة. واليوم، نرى مقترح إعادة تشغيلنا داخل إسرائيل بارقة أمل، كنّا نحصل يوميّاً على مائة دولار داخل إسرائيل قبل فرض الحصار الإسرائيلي على غزة في 2006. واليوم، ننتظر هذه المائة دولار كلّ عدّة أشهر من المساعدات الإنسانيّة".

الترحيب الفلسطينيّ بمقترحات تشغيل الآلاف من عمّال غزّة في إسرائيل يشير إلى صعوبة الفصل الاقتصاديّ بين الجانبين الفلسطينيّ والإسرائيليّ لأنّ تبعيّة الأوّل للثاني لا تقتصر على العمالة، بل تمتدّ إلى الواردات والبضائع والسلع التجاريّة. وفي الوقت ذاته، فإنّ ذهاب آلاف العمّال الفلسطينيّين من غزّة إلى إسرائيل لا يلغي اتّخاذ إجراءات تحدّ من معدّلات البطالة العالية، تتمثل بإدخال السلع والموادّ الخامّ وتخفيف التفتيش الأمنيّ الإسرائيليّ في المعابر وزيادة الطاقة الإنتاجيّة لمعبر كرم أبو سالم، وفتح معبر كارني شرق غزّة.

بدوره، قال الخبير الأمنيّ والمتحدّث السابق باسم وزارة الداخليّة في غزّة إسلام شهوان: "إنّ الأمن الإسرائيليّ يعارض دخول عمّال غزّة إلى إسرائيل، لتخوّفه من ارتباطهم بمنظّمات فلسطينيّة، وحتّى لو وافق، فإنّه سيخضع العمّال إلى إجراءات أمنيّة مشدّدة كي لا يكونوا مرتبطين مع المقاومة، ومن سيسمح بإدخالهم سيكونون ضمن شروط مقنّنة، خشية تنفيذهم عمليّات مسلّحة".

وفيما تتخوّف الأجهزة الأمنيّة الإسرائيليّة من عودة العمالة الفلسطينيّة إلى إسرائيل، خشية انخراط العمّال في هجمات مسلّحة، فإنّ المقاومة الفلسطينيّة، وعلى رأسها حماس، قد تتخوّف من تجنيد المخابرات الإسرائيليّة للعمّال، في ظلّ رغبتها بالحصول على مزيد من المعلومات الأمنيّة عن الفصائل.

وقد التزمت حماس وباقي الفصائل الصمت إزاء التقارير الإسرائيلية حول إدخال عمال فلسطينيين لإسرائيل.

وقال رئيس الإتحاد العام لنقابات عمّال فلسطين في غزّة سامي العمصي لـ"المونيتور": "إنّ عمل آلاف الفلسطينيّين داخل إسرائيل سيحقّق انفراجات اقتصاديّة ويقلّل البطالة، فالقطاع لا مشاريع تجاريّة واقتصاديّة فيه تستوعب مئات آلاف العاطلين عن العمل، والدول العربيّة غير مفتوحة أمامنا، وليس أمامنا سوى العمل داخل إسرائيل لضخّ هذه الأعداد الكبيرة".

وأخيراً، لا تعود فائدة تشغيل العمّال الفلسطينيّين في إسرائيل عليهم فقط، فالإسرائيليّون سيحصلون على امتيازات اقتصاديّة، لأنّ الأيدي العاملة الفلسطينيّة ذات جودة ونوعيّة من جهة، وأجورهم رخيصة قياساً بالعمّال الأجانب أو الإسرائيليين المحليين من جهة أخرى. كما ينفق العمّال الفلسطينيّون أجورهم في السوق الفلسطينيّة، التي تستهلك المنتجات الإسرائيليّة من جهة ثالثة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
إنهاء الانقسام ضرورة فلسطينيّة لمواجهة صفقة القرن
أحمد ملحم | المصالحة الفلسطينية | فبر 13, 2020
من يقود التصعيد الحاليّ في قطاع غزّة؟
انتصار ابوجهل | غزّة | فبر 11, 2020
رغم التصعيد المتدحرج بين غزّة وإسرائيل... لماذا لم ترسل مصر وفدها الأمنيّ إلى القطاع؟
رشا أبو جلال | القضية الفلسطينية | فبر 7, 2020
"فتح" و"حماس" تسعيان إلى مصالحة طال أمدها لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | المصالحة الفلسطينية | فبر 7, 2020

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020