تونس... هل تقف القوانين المصرفيّة عائقاً أمام تطوّر الاقتصاد؟

p
بقلم
بإختصار
منذ بداية العام الحاليّ، شهدت تونس تراجعاً على مستوى مخزون النقد الأجنبيّ في البنك المركزيّ. في المقابل، تشهد القطاعات الاقتصاديّة، التي تعتبر مصادر البلاد الرئيسيّة في النقد الأجنبيّ، نموّاً واضحاً. الأمر الذي خلق جدلاً حول أسباب هذا التراجع، والذي يبدو أنّه يعود إلى أسباب اقتصاديّة، من أهمّها عجز الميزان التجاريّ والديون الخارجيّة التي تعاني منها البلاد وأسباب قانونيّة تعود إلى المنظومة التشريعيّة المصرفيّة في البلاد، المليئة بالإجراءات الإداريّة والعوائق البيروقراطيّة.

باريس – في 16 أكتوبر/ تشرين الأول، خفضت وكالة موديز للتصنيف الائتماني نظرتها إلى الاقتصاد التونسي من مستقرة إلى سلبية رغم إبقائها على التصنيف السابق عند بي 2. وأشارت الوكالة إلى أن من بين أسباب هذا التقييم هي استمرار تراجع احتياطيات تونس من النقد الأجنبي.

ومنذ بداية العام الحاليّ، شهدت تونس تراجعاً على مستوى مخزون النقد الأجنبيّ في المصرف المركزيّ. فقد سجّل في 16 أيّار/مايو 2018 ، حوالي 4.2 مليار دولار، أي ما يعادل 73 يوم توريد، ثمّ تراجع المخزون إلى حدود 3.9 مليار دولار، ما يعادل 69 يوماً فقط من التوريد في 6 أيلول/سبتمبر، بعدما كان في مستوى 5 مليار دولار، ما يعادل الـ90 يوماً من التوريد في شهر كانون الأوّل/ديسمبر 2017.

ويقلص تراجع احتياطي النقد الأجنبي من قدرة تونس على تسديد ديونها الخارجية ويضعف من ثقة المستثمرين الأجانب في الاقتصاد المحلي.

في المقابل، تشهد القطاعات الاقتصاديّة، التي تعتبر مصادر البلاد الرئيسيّة في النقد الأجنبيّ، نموّاً واضحاً، حيث سجّل القطاع السياحيّ، أحد أهمّ مصادر النقد الأجنبيّ في تونس، عائدات زادت حوالى 40% في النصف الأوّل من العام الحاليّ، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. وقالت وزيرة السياحة التونسيّة سلمى اللومي خلال مقابلة مع وكالة رويترز، في 9 آب/أغسطس الماضي إنّ إيرادات قطاع السياحة قفزت بنسبة 42% في الأشهر السبعة الأولى من 2018 مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2017 لتصل إلى 554 مليون دولار. وأضافت: "بلغ عدد زوّار تونس في الفترة من أوّل كانون الثاني/يناير لغاية 31 تمّوز/يوليو 2018 نحو 4 ملايين و400 ألف سائح بزيادة 23% مقارنة بالفترة ذاتها من عام 2017".

كما شهد قطاع تصدير المواد الزراعيّة، والذي يعدّ من مصادر النقد الأجنبيّ الهامّة في البلاد، نموّاً واضحاً. فقد بلغت قيمة عائدات صادرات زيت الزيتون 466 مليون دولار، مسجّلة ارتفاعاً بنسبة 157,6% مقارنة بالفترة المقابلة من الموسم السابق، وفقاً لوزارة الفلاحة التونسيّة. كما ارتفعت عائدات صادرات البلاد من التمور بنسبة 32,6%، مقارنة بالعام الماضي، وبلغت قيمتها إلى حدود شهر تمّوز/يوليو الماضي 262 مليون دولار.

ويقول مسؤول في البنك المركزيّ التونسيّ، رفض الكشف عن اسمه، في حديث إلى "المونيتور": "إنّ عجز الميزان التجاريّ في تونس هو السبب الأوّل في تراجع مخزون النقد الأجنبيّ، إذ تورّد تونس أكثر ممّا تصدّر، والواردات يتمّ شراؤها من الأسواق الخارجيّة بالعملات الأجنبيّة وخصوصاً بالدولار. "

وفقا للمعهد الوطني للإحصاء، ارتفع العجز التجاري في البلاد إلى 9.946 مليار دينار (حوالي 3.6 مليار دولار) حتى شهر ـتموز/يوليو 2018، مقارنة بـ 8.628 مليار دينار (حوالي 3.1 مليار دولار) في التسعة أشهر الأولى من عام 2017. يتم تسجيل عجز في الميزان التجاري عندما تتخطى قيمة واردات الدولة صادراتها.

ويفسّر الباحث التونسيّ في جامعة باريس 12 رامي التلغ، في حديث إلى "المونيتور"، هذا التعارض بين نموّ مصادر النقد الأجنبيّ وتراجع المخزون، بالقول: "يعود ذلك إلى 3 أسباب، الأوّل مرتبط بتسديد القروض الخارجية من الدول ومن صندق النقد الدولي، حيث أنّ تسديد أقساط هذه القروض سيتمّ بالنقد الأجنبيّ، ومع كلّ استحقاق جديد لتسديد الديون من خزينة الدولة، ينخفض احتياطيّ النقد. والسبب الثاني هو أنّ مداخيل النقد الأجنبيّ، خصوصاً الدولار واليورو، من الموسم السياحيّ، يتمّ تحويلها إلى شركات السياحة عادة بعد نهاية الموسم، أي في بداية شهر تشرين الأوّل/أكتوبر، وهذا يفسّر جزئيّاً عدم ارتفاع مخزون العملة خلال الأشهر الماضية. أمّا السبب الثالث فهو السبب الأكثر إشكالاً، حيث توجد ظاهرة تهريب النقد الأجنبيّ والفساد، ويشمل وكالات السفر والوحدات الفندقيّة التي تقوم بفتح حسابات مصرفيّة في الخارج، وتنزيل مداخيل السياحة فيها، من دون أن تدخل هذه الأموال إلى تونس، لأن هذه الشركات تريد الإبقاء على أرصدتها بالعملات الأجنبية القوية كالدولار واليورو، وتخشى تحويلها للدينار التونسي الذي يعاني من تدهور في قيمته.

ويقرّ المحقّق في الهيئة الوطنيّة لمكافحة الفساد، وهي هيئة رسميّة مستقلّة، مازن كورشيد في مقابلة مع "المونيتور"، بوجود العشرات من الملفّات التي يتمّ التحقيق فيها لشركات ومؤسّسات ضالعة في تهريب النقد الأجنبيّ خارج البلاد، مشيراً إلى أنّ الهيئة قد تمكّنت أخيراً من الكشف عن شركتين تونسيّتين قامتا بتهريب ما قيمته 100 مليون دولار.

لكنّ كورشيد يقول: "إنّ من بين الأسباب التي تشجّع الشركات على تهريب النقد الأجنبيّ قانون الصرف والتجارة الخارجيّة. فهذا القانون التي يعود إلى عام 1976 يحتوي على إجراءات مشدّدة في علاقة بحركة النقد وتصدير العملة وتوريدها، ويمنع عديد العمليّات المصرفيّة الضروريّة للتجارة بين الدول كتحويل الأموال، إذ يضع عوائق بيروقراطيّة كطلب تصريح من البنك المركزيّ لتحويل الأموال، تحدّ من سرعة النشاطات التجاريّة وفعاليّتها، وللأسف لا وجود -حتّى الآن-لمحاولات جدّيّة على مستوى صنّاع القرار من أجل تحديث المنظومة التشريعيّة المصرفيّة أو حتّى تعديل قانون الصرف والتجارة الخارجيّة، من أجل الحدّ من ظاهرة تهريب النقد الأجنبيّ إلى خارج البلاد".

ومن جانبه، يقول مؤسّس شركة سبكتروم للإنتاج السمعي البصري المتخصصة في انتاج وتصدير المواد الإعلامية والتلفزيونيةالتي تتعامل مع عدة قنوات خارجية ومديرها ماهر عبد الرحمان، في حديث إلى "المونيتور": "إنّ قانون الصرف والتجارة الذي يسعى إلى حماية رصيد البلاد من العملات الأجنبيّة هو الذي يدفع إلى تهريب العملة بكمّيّات ضخمة بطرق ملتوية. فالتونسيّ المقيم في تونس ليس له الحقّ في حساب مصرفيّ بالعملة الأجنبيّة. وأعتقد أنّ الذين يتحايلون حاليّاً على قانون الصرف، لن يحتاجوا ليفعلوا ذلك إذا سمح لهم بفتح حسابات والقبض بالعملة الأجنبيّة، ورفع القيود على التحويلات. ومن لديه أموال باليورو أو الدولار جناها بطرق شرعيّة، سيخيّر أن يكون حسابه في تونس وتحت تصرّفه المباشر، على أن يكون في الخارج".

قصارى القول، لا ترتبط الأزمة الاقتصاديّة التي تعيشها تونس، وخصوصاً على مستوى اختلال التوازنات الماليّة، بعدم الاستقرار السياسيّ والأمنيّ في البلاد منذ عام 2011 فقط، بل أيضاً بالمنظومة التشريعيّة والقانونيّة التي تسيّر القطاعات الاقتصاديّة، والتي أصبحت تعاني من الشيخوخة وعدم مواكبة التطوّرات، ويبدو أنّ القانون المنظّم للتجارة الخارجيّة وحركة النقد الأجنبيّ أصبح يمثّل أحد أهمّ نقاط ضعف الاقتصاد التونسيّ، ويقف عائقاً أمام تحرير الاستثمار، بل ويدفع المستثمرين إلى طرق غير قانونيّة وغير شفّافة في التعامل مع الدولة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : foreign exchange, economic policy, foreign currency, tourism, tunisian government, tunisian economy
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept