"الملاك" و"العميل"... حرب على "جاسوس القرن" أشرف مروان بين "نتفليكس" ومصر

يخشى مسؤولون وخبراء مصريّون أنّ فيلم "الملاك" سينشر وجهة النظر الإسرائيليّة عن جاسوس القرن أشرف مروان، ومؤلّف مصريّ يكتب "العميل" للردّ.

al-monitor .

سبت 18, 2018

جلس أشرف مروان، وهو زوج ابنة الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر، أمام التلفاز في فندق بلندن يتابع الأخبار عن تصاعد التوتّرات على الجبهة حول قناة السويس بمصر، وأعاد التفكير في ضرورة الخروج بمكاسب ماليّة من الحرب، والأهمّ الوقوف في صفّ الجانب الأقوى، وهو إسرائيل. وفي الأيّام التالية، عمل على التقرّب من الاستخبارات الإسرائيليّة وسلّمها معلومات قيّمة دفعتها إلى تسميته بـ"الملاك".

يظهر هذا المشهد في "تريلر" فيلم "الملاك" لشركة الإنتاج العالميّة "نتفليكس"، المستوحى من كتاب "الملاك.. الجاسوس المصريّ، الذي أنقذ إسرائيل" للمؤلّف الإسرائيليّ يوري بار جوزيف.

من إخراج ارييل فرومين، يرصد الفيلم كيف بدأ مروان، الدور الذي لعبه الممثل الهولندي مروان كنزاري، اتصاله بالاستخبارات الإسرائيلية وكيف كان رجل معقد ، وحتى أنه أراد الانتقام تجاه حماه أو تجاه بلده.

يحكي الفيلم كيف بدأ مروان اتصاله بالاستخبارات الإسرائيلية قبيل وفاة عبد الناصر، وتعمق هذه الاتصالات مع مجيء خلفه، أنور السادات، إذ قدم مروان معلومات حساسة لإسرائيل عن الاستعدادات المصرية لشن هجوم شامل على سيناء المحتلة منذ 1969، من بينها موعد الهجوم في 6 أكتوبر، والذي ساعد إسرائيل على حشد قواتها.

غير أنّ للقصة وجهاً آخر. في عام 2007 ، بعد أسبوع من وفاة مروان الغامضة، وصف الرئيس حسني مبارك مروان بأنه "وطني مخلص لبلاده". وصرح مبارك للصحفيين بأن مروان قام "بأفعال وطنية لم يحن الوقت بعد للكشف عنها" ، وقال إنه "ليس جاسوس لأي منظمة". إن من يعتقد أن مروان كان وطنياً، يعتقد أن رجل الأعمال الشاب تقرّب مروان من إسرائيل كان باتفاق مع القيادة المصريّة من أجل إيهام الإسرائيليّين بأنّهم يمتلكون جاسوساً "قويّاً" على رأس السلطة في القاهرة إذ قدم مروان معلومات مضللة لإسرائيل، من بينها استعداد مصر لشن هجوم شامل في أبريل 1973..

هذه القصّة هي محتوى "سيناريو" يعكف عليه مؤلّف مصريّ لنقل وجهة النظر المصريّة بشأن حياة مروان "الغامضة". وخلال صيف هذا العام، يتحوّل مروان إلى محور نزاع بين "نتفليكس" والسيناريست المصريّ.

في 8 آب/أغسطس الماضي، وبعد تجميد دام عامين، أجازت هيئة الرقابة على المصنّفات الفنيّة في مصر للسيناريست هاني سامي كتابة وتصوير فيلم يحمل اسم "العميل"، يرصد كيف كان مروان "مخلصاً حتّى النخاع لمصر". وهذه الموافقة كانت مشروطة بالحصول على موافقة أسرته وأجهزة الدولة المعنيّة. لم ينته هاني سامي حتّى الآن من كتابة السيناريو، إذ ينتظر عرض فيلم "الملاك" لوضع اللمسات الأخيرة على فيلمه.

"انتظار موافقة أجهزة الدولة يعني أنّها ليست وراء الفيلم، وكذلك خلوّه من الوثائق أو الأدلّة التي توثّق فكرته. سيكون الفيلم قصّة من عقل الكاتب. ولذا، لا ينبغي أن ننتظر أهميّة كبيرة له"، هذا ما قاله أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة الأميركيّة بالقاهرة سعيد صادق في حديث لـ"المونيتور".

رغم أنّه من الصعب ذكر نشاط مروان، من دون أن تتبعه في الغالب كلمة "ربّما"، نظراً للغموض الذي يحيط بحياته وتضارب الروايات، إلاّ أنّ المؤكّد أنّه كان "جاسوس القرن العشرين".

مروان هو رجل أعمال مصريّ تزوّج في عام 1966 بمنى، الإبنة المفضّلة لعبد الناصر. وبعدها، انتقل إلى لندن للحصول على درجة الماجستير في الكيمياء.

وخلال هذه الإقامة، تواصل مروان مع الاستخبارات الإسرائيليّة. ومع وصول أنور السادات إلى الحكم، أصبح مروان مستشاره السياسيّ والأمنيّ في 13 مايو 1970. هذا المنصب الرفيع دفع بالاستخبارات الإسرائيليّة إلى الاعتماد على المعلومات التي يقدمها كمحرّك رئيسيّ خلال الحرب.

وفي نيسان/إبريل من عام 1973، أجرت إسرائيل تعبئة عامّة كلّفتها أكثر من 20 مليون دولار، بعد تلقّيها رسالة من "الملاك" باستعداد مصر لشنّ هجوم شامل. وفي 4 تشرين الأوّل/أكتوبر، حذّر مروان إسرائيل بأنّ هجوماً مصريّاً سيكون على سيناء مع غروب شمس 6 تشرين الأوّل/أكتوبر، لكنّ الهجوم بدأ قبل ذلك بـ4 ساعات.

ومع انتهاء الحرب، عيّن مروان كرئيس للهيئة العربيّة للتصنيع حتّى عام 1979، ليتحوّل بعدها إلى رجل أعمال ذي ثروة كبيرة جمعها من قطاعات عديدة. وفي 27 حزيران/يونيو من عام 2007، لقي حتفه بعد سقوطه من شرفة شقّته في لندن، وسط شكوك بأنّها عمليّة قتل مدبّرة لمنع نشر مذكّراته الشخصيّة.

إلاّ أنّ فيلم "الملاك" الذي تستعدّ "نتفليكس" لعرضه، أثار جدلاً واسعاً في مصر، لا سيّما أنّه يرصد وجهة النظر التي تسوّقها إسرائيل عنه.

وقال سعيد صادق: "للأسف، سيكون للفيلم تأثير كبير على الرأي العام العالميّ، وسيسوّق وجهة النظر الإسرائيليّة، لا سيّما أنّ نتفليكس شركة واسعة الانتشار".

من جهته، رأى عضو لجنة الدفاع والأمن القوميّ في البرلمان المصريّ اللواء حمدي بخيت أنّ "الملاك" هو وسيلة للضغط النفسيّ على المصريّين، وجزء من حرب المعلومات التي تشنّها إسرائيل، وقال لـ"المونيتور": إنّ مسألة أشرف مروان طرحت أكثر من مرّة، والقيادة المصريّة برّأته من الاتهامات الموجّهة ضدّه.

أضاف: "مروان نجح في عمله، وأقنع الجانب الإسرائيليّ بالعمل لصالحه بينما لم يقدم لهم سوى معلومات مضللة".

وردّاً على سؤال، عمّا إذا ستّتخذ السلطات المصريّة عقوبات ضدّ الشركة في مصر، قال حمدي بخيت: "لماذا نتّخذ إجراء ضدّ الشركة؟ لا ينبغي أن نعطي اهتماماً للفيلم حتّى لا يأخذ أكثر من حجمه".

أمّا رئيس وحدة الدراسات الإسرائيليّة في المركز القوميّ لدراسات الشرق الأوسط طارق فهمي فاعتبر أنّ "الملاك" هو محاولة دعائيّة للموساد الإسرائيليّ بأنّه أقوى الأجهزة في المنطقة. يتابع لـ "ألمونيتور": "إسرائيل تستغل ملف أشرف مروان للترويج إلى قوتها في الوقت الذي تشهد المنطقة توترات قوية وتنافس في النفوذ".

رصد "الملاك" وجهة النظر الإسرائيليّة لا يعني أنّه يثير إعجاب جميع الموالين للدولة العبريّة، إذ لا تزال إسرائيل تشهد انقساماً حادّاً حول خدمات مروان، وما إذا كان جاسوساً مخلصاً لإسرائيل أم لمصر أم كان عميلاً مزدوجاً. وبين هؤلاء أستاذ العلوم السياسيّة والمؤرّخ المقيم في لندن أهارون بريجمان، الذي عرف مروان شخصيّاً على مدار 5 سنوات حتّى رحيله، وأوّل من كشف أنّه الملاك في كتابه الشهير "تاريخ إسرائيل" الصادر في سبتمبر 2002.

تنتج شركة "سالون بيكتشرز" Salon Pictures ومقرها في لندن، فيلماً وثائقيّاً عن مروان مستوحى من كتاب بريجمان "الجاسوس الذي سقط على الأرض" The Spy Who Fell to Earth، حيث يكشف تضليل مروان لإسرائيل خلال فترة الحرب.

وقال أهارون بريجمان في حديث لـ"المونيتور": "الإسرائيليّون يعتقدون أنّ أشرف رجلهم. وأنا الذي عرفته شخصيّاً، أستطيع التأكيد أنّه كان أفضل جاسوس لمصر على الإطلاق".

وأشار إلى أنّ أشرف كان عضواً مهمّاً من بين 40 مصريّاً كانت مهمّتهم خداع إسرائيل، وقال: "في إحدى محادثاتي الهاتفيّة مع أشرف، اعترف لي بأنّه كان أحد هؤلاء الأشخاص".

ولكن لماذا لا تكشف مصر عن وثائق تدحض وجهة النظر الإسرائيليّة بشأنه؟ ردّ بريجمان قائلاً: "المرجّح أنّ مصر لا وثائق لديها، إذ أنّ التعامل ربّما كان بين شخص وشخص، أيّ بين السادات ومروان".

وبالنّسبة إلى طارق فهمي، فإنّ القوانين المتعلّقة بعمل المخابرات، ومنها القانون 100 لعام 1971، تمنع نشر أيّ معلومات سريّة، حتّى وإن كانت هناك وثائق.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

حكايات غزّة بعيون إيرلنديّة تصل إلى الأوسكار
أحمد ملحم | فنون و ترفيه | ديس 26, 2019
هل اخترقت "حماس" الأجهزة الأمنيّة التابعة للسلطة الفلسطينيّة؟
أحمد أبو عامر | | أبر 30, 2019
"نتفلكس" في السوق المصريّة: "صاحب مكان" في ثوب "وافد جديد"
احمد فؤاد | فنون و ترفيه | مار 27, 2019
سينمائيّاً... كيف أصبحت مصر بلا قارّة؟
احمد فؤاد | فنون و ترفيه | مار 21, 2019
للمرّة الأولى: كوادر من حماس أمام المحاكم الليبيّة
عدنان أبو عامر | الصراع في ليبيا | فبر 28, 2019

بودكاست

فيديو