السلطة الفلسطينيّة تعقد عطوة مع عشائر القدس

لجأت السلطة الفلسطينيّة إلى القضاء العشائريّ للحصول على هدنة لاحتواء خلاف مع عشيرة الجهالين التي قتل أحد أفرادها برصاص الأجهزة الأمنيّة الفلسطينيّة، ممّا عزّز قوّة القضاء العشائريّ وفاعليّته في حلّ الخلافات. ......................

al-monitor .
أحمد ملحم

أحمد ملحم

@ahmadme44502893

المواضيع

bedouins, tribal politics, justice system, tribalism, judicial system, tribal areas, fatah, palestinian authority

أغس 27, 2018

رام الله – الضفّة الغربيّة: توصّلت السلطة الفلسطينيّة، ممثّلة بوفد برئاسة عضو اللجنة المركزيّة لحركة فتح عبّاس زكي في 11 آب/أغسطس إلى عطوة عشائريّة مع عرب الجهالين الى حين انتهاء التحقيق بحيث لا يتجاوز مدة 6 أشهر، إثر مقتل الشاب ابراهيم عودة الجهالين في تجمّعهم البدويّ على أطراف بلدة العيزريّة، في شرق القدس في 9 آب/أغسطس.

وكانت الحادثة بدأت حين اقتحمت الضابطة الجمركية التابعة للسلطة الفلسطينية التجمّعات البدويّة التابعة إلى عشيرة الجهالين في بادية القدس في 9 آب/أغسطس بعد تفتيشها محطّات الوقود في العيزريّة وتحطيمها التي تقول السلطة إنّها غير قانونيّة لانها غير حاصلة على ترخيص رسمي وتبيع سولار مهرب ومغشوش، وملاحقة مهرّبي السولار، وشرعت في إطلاق النار، ممّا أدّى إلى مقتل الشابّ ابراهيم، الذي أثار موته سلسلة من الاشتباكات بين أبناء العشيرة وقوّات الأمن.

وقالت حركة فتح في منطقة عرب الجهالين والقدس في بيان لها في 10 آب/أغسطس أن الضابطة الجمركية قامت بتكسير محطّات محروقات في بلدة العيزريّة وتوجّهت إلى منطقة الجهالين.

واضافت الحركة ان "قامت عناصر الاجهزة بإقتحام البيوت وإنتهاك حرماتها والتلفظ بألفاظ بذيئة (...) حصلت مشدات كلامية بين القوة وأصحاب البيوت سرعان ما تطورت لاطلاق نار عنيف وقنابل الغاز من قبل الأجهزة الأمنية".

وأوضح البيان ان "المغدور الجهالين أصيب بطلق ناريّ في رأسه بعد أن خرج من منزله للاطّلاع على الأوضاع التي تشهدها المنطقة".

ويعد موقف حركة فتح واتهامها للاجهزة الامنية تصديقا لرواية عشيرة الجهالين ووقوفا الى جانبها كونها وقع عليها ظلما، اضافة الى ان الكثير من عناصر حركة فتح في منطقة عرب الجهالين والقدس هم من ابناء العشيرة.

وتسبّب مقتل الشابّ بتفجّر مواجهات مسلّحة بين الأجهزة الفلسطينيّة وعشيرة الجهالين، التي أغلقت بالحجارة والصخور والإطارات المشتعلة الشارع الرئيسيّ المعروف باسم "وادي النار"، الواصل بين جنوب الضفّة الغربيّة وشمالها.

وتعدّ هذه العطوة سابقة لدى السلطة الفلسطينيّة، التزمت بموجبها بتشكيل لجنة تحقيق في ظروف مقتل الشابّ، واعتباره شهيداً، له حقوق الشهداء الفلسطينيّين، إضافة إلى انسحاب الأمن الفلسطينيّ من محيط التجمّع البدويّ إلى داخل العيزريّة، وانسحاب شباب الجهالين إلى داخل التجمّع، بعد فتح الطريق المغلقة منذ الحادثة، وإنجاز هدنة أمنيّة إلى حين انتهاء التحقيقات.

وقال عضو اللجنة المركزيّة لحركة فتح عبّاس زكي لـ"المونيتور" إنّ وفد السلطة الذي توجّه إلى عرب الجهالين حصلت على "هدنة ريثما تسفر التحقيقات الجارية عن نتائج دقيقة، لتجاوز المشكلة"، على ان لا تتجاوز مدتها 6 أشهر.

وأكّد زكي أنّ "لجنة التحقيق في الحادثة بدأت عملها، لأنّ السلطة معنيّة بإنجاز التحقيق الذي تشرف عليه النيابة العامّة التابعة للسلطة الفلسطينية، إلى جانب محقّقين من مستوى عالٍ، للوصول إلى استخلاصات تمنع تكرار هذه الأحداث مستقبلاً"، مضيفاً: "توجّه السلطة إلى الجهالين بهدف الحفاظ على السلم الأهليّ، وإنجاز هدنة، وعدم توسّع التوتّر، خصوصاً أنّ الشابّ قتل بالخطأ"، مشيراً إلى أنّ "السلطة اعتبرت المغدور شهيداً، كونه قتل مظلوماً، لتكريمه وتكريم أهله وإخراجه من دائرة الاتّهامات والتجاذبات، بغضّ النظر عن نتائج التحقيق".

وأثار توجّه السلطة إلى الحلّ العشائريّ لاحتواء الأزمة تساؤلات حول قوّة القضاء العشائريّ في فلسطين أمام القضاء النظاميّ التابع إلى مؤسّسات السلطة، خصوصاً أنّ جذور القضاء العشائريّ مترسّخة في فلسطين، ويعمل به قبل مجيء السلطة بموجب اتّفاقيّات أوسلو في عام 1993.

ووجدت السلطة منذ تأسيسها صعوبة في إلغاء القضاء العشائريّ، لذلك سعت إلى مأسسته حيث صدر في تشرين الثاني/نوفمبر 1994 قرار من الرئيس الراحل ياسر عرفات بإنشاء إدارة شؤون العشائر، التابعة إلى مكتب الرئيس، وفي عام 2005، تمّ إلحاق دائرة شؤون العشائر والإصلاح بوزارة الداخليّة.

وقال زكي: "هناك تقاليد عشائريّة أصيلة ومعروفة تمثّل السلطة القضائيّة في فلسطين قبل تأسيس السلطة الفلسطينيّة والقضاء النظاميّ، ولذلك لجأت حركة فتح والسلطة الى القضاء العشائريّ لحسم النزاع على أسس واضحة" وقدمنا التعازي باسم الرئيس محمود عباس ورئيس الحكومة رامي الحمد الله لذوي القتيل، لافتاً إلى أنّ القضاء العشائريّ لا يزال يعمل به في فلسطين، لاحتواء النزاعات المجتمعية والمحافظة على النسيج الاجتماعيّ.

ويعدّ عرب الجهالين من أكبر العشائر البدويّة في فلسطين، وعددهم اكثر من 5 آلاف نسمة، موزّعين على بادية القدس، ويقيم 3 آلاف شخص في التجمّع القريب من العيزريّة الذي جرى اقتحامه، إضافة إلى انتشارهم على تجمّعات متفرقة، أبرزها تجمّع الخان الأحمر الذي تهدّد إسرائيل بهدمه وقررت ذلك في ايار/ مايو 2018، لكن بعد ذلك اصدرت المحكمة العليا الاسرائيلية قرارا مؤقتا بتجميد الهدم، بعد استئناف الفلسطينيين في القرار

من جهته، ثمّن الناطق باسم العشيرة أبو عماد الجهالين في حديث إلى "المونيتور" "تعاطي السلطة مع الموضوع بجدّيّة، واحتواء الأزمة من خلال عقد عطوة وهدنة لحين إنجاز التحقيق".

وأشاد الجهالين بالقانون العشائريّ وفاعليّته، قائلاً: "قبل تأسيس السلطة، كان المجتمع الفلسطينيّ يخضع إلى القانون العشائريّ، ومع تأسيس السلطة ومؤسّساتها، بقي الحلّ العشائريّ أسرع في اتّخاذ القرارات واحتواء الخلافات وإحقاق الحقوق من المحاكم والقضاء النظاميّ".

وأضاف الجهالين أنّ ما يميّز القضاء العشائريّ "سرعة إنجاز الملفّات، وإعطاء الحقّ لأصحابه من دون مماطلة"، لافتاً إلى أنّ الحلّ العشائريّ "أثبت جدواه في احتواء الأزمة مع السلطة، وهو صاحب سطوة وقوّة تنبعان من شيوخ العشائر الذين ألزموا شباب العشيرة بما توصّلوا إليه من هدنه مع السلطة".

من جانبه، قال مدير مركز القدس للمساعدة القانونيّة وحقوق الإنسان القانونيّ عصام العاروري لـ"المونيتور" إنّ ما حدث بين السلطة والجهالين ليست المرّة الأولى التي يتم اللجوء بها للصلح العشائري مع الحق العام، وان بقيت على مستويات ضيقة، حيث سبق أن وقعت اعتداءات خفيفة متفرقة وفردية في اماكن مختلفة واوقات سابقة على قضاة النيابة العامّة وممثّليها من قبل مواطنين، وتمّ حلّها عشائريّاً، مضيفاً: "حين تلجأ الدولة والسلطة الرسميّة إلى هذا الأسلوب، فهذا يعدّ مؤشّراً خطيراً، ويتعارض مع اتّجاه تحوّل السلطة إلى دولة."

وأوضح العاروري: "مقتل الشابّ من الجهالين غير مبرّر، لأنّه لا يصلح استخدام الذخيرة الحيّة بين المواطنين، ولذلك فقد وقعت الأجهزة الأمنيّة في خطأ، وتمّ إصلاحه بخطأ آخر باللجوء إلى الوسائل العشائريّة، لأنّ ذلك يضعف ثقة المواطنين بالقضاء الفلسطينيّ"، مضيفاً: "القضاء العشائريّ ما زال قويّاً، ولكن مع بناء مؤسّسات الدولة، يجب أن يتراجع لصالح القضاء النظاميّ وسلطة القانون، خصوصاً أنّ القضاء العشائريّ فيه ظلم كبير أحياناً، وحسابات تختلف عن حسابات القانون".

ويتعارض القانون العشائريّ مع القانون المدنيّ في العديد من البنود، إذ قال العاروري: "لا يوجد تطابق بينهما، خصوصاً أنّه لا يوجد ثبات في القانون العشائريّ الذي يراعي توازن القوى، فالقضاة العشائريّون يقولون إنّ الحقّ على قدر أصحابه، أي أنّك تحصل على الحقّ بمقدار قوّتك"، مضيفاً "لو لم يكن الضحيّة من عشيرة قويّة (الجهالين) لم تكن السلطة لتفكّر باللجوء إلى القضاء العشائريّ، فلو كان من عائلة صغيرة فقيرة، لما قامت السلطة بذلك".

وفي ظلّ ما يعانية القضاء النظاميّ من إشكالات عدّة، كالتأخّر في البتّ بالقضايا المنظورة أمامه، وتراكمها في المحاكم من دون قرار، يبدو أنّ التوجّه إلى القضاء العشائريّ في ظلّ قدرته على البتّ بالقضايا الكبرى في شكل سريع، سيعزّز قوّته وحضوره فلسطينيّاً.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

مقالات مميزة

إنهاء الانقسام ضرورة فلسطينيّة لمواجهة صفقة القرن
أحمد ملحم | المصالحة الفلسطينية | فبر 13, 2020
إيران تنشط بين الفلسطينيّين لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | القضية الفلسطينية | فبر 13, 2020
لماذا تعتزم الدولة إنشاء محافظة وسط سيناء؟
جورج ميخائيل | سيناء | فبر 10, 2020
"فتح" و"حماس" تسعيان إلى مصالحة طال أمدها لمواجهة صفقة القرن
عدنان أبو عامر | المصالحة الفلسطينية | فبر 7, 2020
بعد مصر والأردن... هل يتدفّق الغاز الإسرائيليّ إلى الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة؟
أحمد ملحم | النفط والغاز | ينا 31, 2020

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض فلسطين

al-monitor
نزع سلاح "حماس" على رأس أهداف صفقة القرن
عدنان أبو عامر | غزّة | فبر 14, 2020
al-monitor
عبّاس يطرح على مجلس الأمن مبادرة مضادّة لصفقة القرن
أحمد ملحم | دونالد ترامب | فبر 14, 2020
al-monitor
جدار مصريّ جديد على الحدود مع غزّة لمنع تسلّل المتشدّدين
رشا أبو جلال | سيناء | فبر 14, 2020
al-monitor
الفلسطينيّة ناديا حبش حوّلت العمارة إلى نضال وطنيّ
عزيزة نوفل | التراث الثقافي | فبر 13, 2020