نبض مصر

لماذا لم يمنع التوسّع في إنتاج المحروقات محليّاً زيادة أسعار الوقود؟

p
بقلم
بإختصار
يتساءل مراقبون ومواطنون مصريّون عن أسباب ارتفاع أسعار المحروقات بشكل لافت في مصر، رغم توسّع مصر في الإنتاج المحليّ، ومنهم من رأى أنّ التوسّع في الإنتاج المحليّ سيكون له تأثير إيجابيّ في الحفاظ على استقرار أسعار الوقود على المدى البعيد، بينما رأى البعض أنّ زيادة الأسعار ستستمرّ، وفقاً لتعليمات صندوق النقد الدوليّ. أمّا الفريق الأخير فرأى أنّ تحريك الأسعار ورفع الدعم هما خطوة أساسيّة لدعم توسّع مصر في الإنتاج المحليّ.

القاهرة - وقّعت وزارة البترول المصريّة في 30 حزيران/يونيو تعاقداً مع المنطقة الاقتصاديّة لهيئة قناة السويس بالعين السخنة على تأسيس أكبر مجمّع لصناعة البتروكيماويّات في الشرق الأوسط بقيمة استثمارات تبلغ 11 مليار دولار، ويأتي ذلك استكمالاً لسياسة مصر في التوسّع بالصناعات التكريريّة للبترول، والتي عاودت مزاولتها بالتعاقد مع الحكومة العراقيّة في تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016 على شراء كميّات من نفط البصرة الخام لتكريره في مصر، وجدّدت مصر ذلك التعاقد لمدّة سنة إضافيّة في كانون الثاني/يناير من عام 2018 على استيراد مليون برميل من الخام نفسه لتكريره في مصر.

وقالت صحف عدّة في 1 تمّوز/يوليو من عام 2018: إنّ مصر تستعدّ لاستقبال رابع شحنات ذلك النفط في نهاية الأسبوع التالي لنشر الخبر، وليس العراق المصدر الوحيد للنفط الخامّ الذي تسعى مصر إلى التوسّع في تكريره واستخدامه في صناعة البتروكيماويّات، بل تعاقدت وزارة البترول المصريّة في كانون الأوّل/ديسمبر من عام 2017 مع شركة "أرامكو" السعوديّة على توريد 500 ألف برميل من النفط الخامّ السعوديّ إلى مصافي تكرير البترول المصريّة خلال 6 أشهر، وجدّدت وزارة البترول ذلك التعاقد في 19 حزيران/يونيو من عام 2018 لمدّة 6 أشهر أخرى تمدّ فيها "أرامكو" مصافي التكرير المصريّة بـ500 ألف برميل أخرى من النفط الخامّ السعوديّ.

وقال وزير البترول المصريّ طارق الملاّ في كلمة بـ30 حزيران/يونيو بمناسبة الاحتفال بالتعاقد على تأسيس مجمّع البتروكيماويّات: إنّ المجمّع الجديد يهدف إلى سدّ حاجات السوق المحليّة من الموادّ البتروكيماويّة، حيث أنّ صناعة البتروكيماويّات تضمّ البنزين، والذي يكلّف استيراده مع عدد من أنواع الوقود الأخرى مثل السولار والمازوت ميزانيّة الدولة حوالى 800 مليون دولار شهريّاً، أيّ 9 مليارات و600 مليون دولار سنويّاً.

ورغم تكرير مصر كميّات من النفط الخامّ العراقيّ منذ عام 2016 والنفط الخامّ السعوديّ منذ عام 2017، لم تنجح تلك الاتفاقيّات في الحدّ من الزيادة السنويّة على أسعار الوقود في 16 حزيران/يونيو من عام 2018، وكانت الزيادة الأكبر حيث بلغت 50 في المئة على بعض أنواع البنزين، مقارنة بأسعارها في عام 2017 والقسم الأوّل من عام 2018.

وتعليقاً على الأمر، قال مصدر مطّلع في وزارة البترول المصريّة، فضّل عدم نشر اسمه، لـ"المونيتور": "إنّ الزيادة الضخمة في أسعار الوقود هذا العام لا تعني فشل منظومة التوسّع في تكرير البترول وصناعة البتروكيماويّات وتأثيرها الإيجابيّ البعيد المدى على تغطية حاجات السوق المحليّة، الأمر الذي يحافظ على استقرار أسعار الوقود، لأنّ الزيادة الضخمة ارتبطت بالزيادة العالميّة الضخمة في أسعار الوقود".

وفسّر المصدر ما قصده بالأرقام، إذ قال: "مع إقرار سعر الوقود في موازنة العام الماليّ 2017/2018، بلغ متوسّط سعر النفط العالميّ 47.64 دولاراً للبرميل، بينما بلغ متوسّط سعر النفط العالميّ مع إقرار سعر بيع الوقود في موازنة 2018/2019 حوالى 73.44 دولاراً للبرميل، أيّ أنّ الزيادة بلغت حوالى 55 في المئة، بينما استطاع التوسّع في تكرير البترول الخامّ خفض الاستيراد بنسبة 8 في المئة فقط، حيث كانت مصر تستهلك 6.5 مليون طنّ من الوقود شهريّاً، تستورد منها 2.5 مليون طنّ، وأصبحت 2 مليون طنّ في 2017/2018 بفضل تكرير النفط الخام".

وأوضح المصدر أنّ نسبة الـ8 في المئة لم تكن كافية للحدّ من الزيادة، بالتزامن مع زيادة عالميّة تجاوزت الـ50 في المئة، إلاّ أنّ العديد من الخبراء الاقتصاديّين رأى أنّ تبرير الحكومة لزيادة أسعار الوقود بزيادة أسعار النفط العالميّ هو تبرير غير منطقيّ، إذ قال المستشار الاقتصاديّ لمجموعات استثماريّة عدّة وائل النحّاس لـ"المونيتور": "إنّ زيادة أسعار الوقود ليست لها علاقة بارتفاع السعر العالميّ، لأنّ 70 في المئة من استهلاكنا ينتج محليّاً، وليست له علاقة بالارتفاع العالميّ لسعر الوقود".

أضاف: "كما أنّ أرامكو السعوديّة تصدّر لمصر 30 في المئة من حاجاتها المستوردة منذ عام 2016 حتّى عام 2021 بأسعار الوقود نفسها في عام 2016 وبتسهيلات في الدفع إلى الحكومة المصريّة بأقساط على 15 سنة، بموجب اتفاقيّة وقّعهاالملك سلمان أثناء زيارته لمصر في نيسان/إبريل من عام 2016، وهو ما يعني أنّ تأثير الزيادة العالميّة على أسعار الوقود كان لا بدّ أن يبقى محدوداً للغاية، ولا أجد تبريراً لزيادة أسعار الوقود الأخيرة غير إصغاء الحكومة إلى تعليمات صندوق النقد بخفض الدعم حتّى على المنتجات النفطيّة المصنّعة محليّاً، وبيع المنتج المصنّع محليّاً، وفقاً للأسعار العالميّة".

وعن فوائد توسّع مصر في تكرير البترول وصناعة البتروكيماويّات، قال وائل النحّاس: "بالطبع، أيّ صناعة مفيدة للدولة، وبالأخصّ الصناعات البتروليّة التي تقود التنمية بقوّة في أيّ دولة. كما أنّ زيادة الإنتاج المحليّ تضمن لمصر على المدى البعيد الاستقلاليّة في القرارين السياسيّ والاقتصاديّ، الأمر الذي يعني أنّ الدول المصنّعة للنفط والموادّ البتروليّة لن تستطيع ممارسة أيّ ضغوط على مصر، كالتي مارستها السعوديّة عليها عندما أوقفت أرامكو تصدير النفط إلى مصر منذ تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016 حتّى نيسان/إبريل من عام 2017، معاقبة لمصر على تصويتها بالموافقة على مشروع قرار في مجلس الأمن يتعلّق بسوريا، وكانت السعوديّة قد رفضته".

من جهته، قال المستشار الاقتصاديّ لكيانات استثماريّة عدّة خالد الشافعي لـ"المونيتور": "هناك خلط بين أهميّة التوسّع في الإنتاج المحليّ من صناعات التكرير والبتروكيماويّات وخفض استيراد تلك الموادّ، وبين تأثير ذلك على أسعار الوقود. بالطبع، يمكن أن تتوسّع مصر في تلك الصناعات، في الوقت الذي ترفع فيه الدعم عن تلك المنتجات، الأمر الذي يؤدّي إلى ارتفاع أسعارها، فتحريك سعر الوقود ورفع الدعم عنه ليسا مرتبطين بإنتاج الوقود محليّاً، وإنّما يشكّلان قراراً مهمّاً لخفض عجز الموازنة".

وأوضح أنّ التوسّع في الإنتاج المحليّ يساهم أيضاً في خفض عجز الموازنة، الأمر الذي يمكّن الدولة من تحسين الإنفاق على الخدمات وافتتاح مشاريع كبرى توفّر فرص عمل مثل مجمّع بتروكيماويّات العين السخنة والمتوقع أن يوفر 48 ألف فرصة عمل، مشيراً إلى أنّ الدولة لن تستطيع دعم توسّع مصافي البترول المسؤولة عن تكرير الخامّ أو مجمّع البتروكيماويّات، في الوقت الذي تدعم فيه الوقود وغيره من المنتجات، ولا بدّ أن يباع الوقود بسعره العالميّ لكي تتمكّن تلك المصافي ومجمّعات التكرير من تحقيق الأرباح ذاتيّاً من دون ضغط على موارد الدولة، التي يجب أن تتّجه إلى تحسين الخدمات وافتتاح مشاريع أخرى في وقت قياسيّ وباستثمارات ضخمة لخلق فرص العمل.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

ديفيد عوض صحفي مصري بدأ حياته العملية كمتدرب في الأهرام الاقتصادي ثم انتقل ليكون معدا في راديو مباشر الاقتصادي، مهتم بقضايا الاقتصاد والإعلام والفنون.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept