وليّ العهد السعودي وبوتين يعزّزان التعاون في قطاع الطاقة في اجتماع موسكو

p
بقلم
بإختصار
يبدو أنّ الاجتماع الأخير بين الرئيس الروسي ووليّ العهد السعودي ساهم في جعل الدولتَين أقرب إلى إبرام صفقة ثنائية كبرى في قطاع الطاقة.

حقّق الاجتماع بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وكذلك المحادثات بين وزيرَي الطاقة في البلدَين، خالد الفالح وألكسندر نوفاك، في 14 حزيران/يونيو، نتائج مهمة. فمن جهة، بدا أنّ موسكو والرياض تضعان اللمسات النهائية على موقفهما المشترك من مستقبل اتفاق فيينا، الذي وافقت بموجبه الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدّرة للنفط (أوبك) على خفض إنتاجها النفطي. ومن جهة أخرى، أعلنت روسيا والسعودية عن استعدادهما لتشكيل ائتلاف من شأنه أن يحدّد مستقبل سوق النفط والغاز العالميّة. تترتّب عن هذا الإعلان تبعات مهمّة نظراً إلى أنه لا تزال هناك خلافات كثيرة بين البلدَين يتوجّب عليهما تخطّيها.

لم تترك المفاوضات الروسية-السعودية الأخيرة مجالاً للشك بأنّنا سنشهد حتماً زيادة في الإنتاج النفطي لدول مجموعة أوبك+ (OPEC plus) (مجموعة من الدول الأعضاء وغير الأعضاء في منظمة أوبك وافقت في العام 2016 على الحدّ من إنتاجها النفطي بغية تثبيت سوق النفط العالميّة). لقد وافقت موسكو والرياض على هذه النقطة، وتعتبران أنّ مراجعة حصص الإنتاج النفطي أمرٌ لا بدّ منه. إنما ليس واضحاً ما إذا كان نوفاك والفالح قد اتّفقا على الحجم الدقيق للزيادة الإنتاجية التي سيعرضانها على الأعضاء الآخرين في مجموعة أوبك+ في الاجتماع الذي سيُعقَد في أواخر شهر حزيران/يونيو الجاري. لكن يبدو أن السعوديين أعطوا موسكو الضوء الأخضر لاقتراح زيادة في الحجم أكبر من تلك التي كانت متوقَّعة في البداية. فقد قال نوفاك، بعد مشاوراته مع الفالح، إنه من الممكن أن تتّجه روسيا نحو زيادة الإنتاج النفطي بمقدار 1.5 مليون برميل في اليوم بدلاً من مليون برميل وفق الاقتراح الذي طُرِح في البداية. وتصبّ هذه الخطوة تماماً في مصلحة روسيا.

من جهة، قد تكون زيادة بمقدار 1.5 مليون برميل في اليوم كافية للتعويض عن التراجع في الإنتاج النفطي الفنزويلي والإيراني، وكذلك عن هشاشة الإنتاج النفطي في ليبيا ونيجيريا والعراق. تساور روسيا والسعودية مخاوف شديدة من أنّ تراجع الإنتاج النفطي في هذه البلدان، فضلاً عن الخلل غير المتوقَّع في الإنتاج النفطي في مناطق أخرى من العالم، قد يؤدّيان إلى ارتفاع كبير في الأسعار وإلى زعزعة استقرار السوق. في هذا الإطار، توقّع إيغور ساشين، رئيس شركة الطاقة الروسية "روزنفت"، في شهر حزيران/يونيو، ارتفاعاً جديداً في أسعار النفط من جرّاء العقوبات الأميركية على إيران. وخلافاً لما جرى في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، عندما ضغطت شركات الطاقة الروسية بتهوّر من أجل دفع أسعار النفط نحو الارتفاع، تُبدي موسكو الآن قلقاً وحرصاً أكبر بكثير على تثبيت أسعار النفط عند مستوى مرتفع بطريقة معقولة، بدلاً من أن تستمرّ هذه الأسعار في الارتفاع ما قد يشجّع منافسيها على زيادة إنتاجهم النفطي، ويعزّز تطوير مصادر الطاقة البديلة، ويؤدّي في نهاية المطاف إلى تقليص الطلب.

من جهة أخرى، تتماشى النيّة الروسية بزيادة الإنتاج النفطي لمجموعة أوبك+ إلى 1.5 مليون برميل في اليوم، مع الكلام الذي أدلى به بعض محلّلي السوق الروس في مقابلات مع المونيتور. فقد أشاروا إلى أنّ زيادة الإنتاج النفطي بمقدار مليون برميل في اليوم قد لا تكون كافية للإبقاء على أسعار النفط ضمن مروحة 65-75 دولاراً للبرميل التي ترغب فيها روسيا.

السؤال الأكبر الذي يُطرَح هنا هو لماذا أعطى السعوديّون الضوء الأخضر إلى موسكو، فهم لم يكونوا متحمّسين للدفع باتجاه خفض أسعار النفط، بل يفضّلون إبقاءها عند مستواها الحالي أو أعلى بقليل. غالب الظن أنّ السعوديّين لا يتوقّعون أن تتسبّب هذه الزيادة في إنتاج مجموعة أوبك+ بتوجّه أساسي يدفع الأسعار نحو منحى انحداري. ومن العوامل الأخرى التي أثّرت ربّما في القرار السعودي هي الهواجس التي تراود المملكة على خلفيّة زيادة إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة. فالزيادة التدريجية في الإنتاج النفطي لمجموعة أوبك+ وما ينجم عنها من انخفاض في أسعار النفط، سوف تؤدّي أقلّه إلى زيادة الطلب. نتيجةً لذلك، لن يؤدّي نمو إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة إلى تراجع كبير في حصّة مجموعة أوبك+ في السوق النفطية.

كذلك وافق نوفاك والفالح على ضرورة تطوير التعاون الهادِف إلى تأمين التنمية المستدامة في سوق وقطاع النفط العالميَّين. ويُتوقَّع أن يتحقّق ذلك بطرق عدّة. أوّلاً، سيحاول الجانبان الإبقاء على مجموعة أوبك+ كمنصّة للنقاش من أجل تنظيم السوق النفطية ما بعد العام 2018. بعبارة أخرى، سوف تحافظ روسيا والسعودية على اتّفاق فيينا مع حصص إنتاجية جديدة حتى نهاية العام 2018. وسوف تحاولان أيضاً إقناع المشاركين بالإبقاء على عضويّتهم في مجموعة أوبك+ ما بعد هذا التاريخ، على الرغم من أن اختلافاً سيطرأ على بنية المجموعة. على الأرجح أن أعضاء مجموعة أوبك+ سيناقشون، في خلال الاجتماع المقبل، الآليّات التي من شأنها أن تتيح لهم الاستجابة فوراً لمشكلات السوق النفطية، وفي حال الاقتضاء، التدخّل في هذه السوق بانتظام وعلى مراحل. إذاً قد تتحوّل مجموعة أوبك+ إلى هيكل شبيه بالمنتدى يعمل على أساس دائم، ويمتلك آليّات عمليّة لتنظيم السوق النفطية.

هذا وقد ألمح نوفاك والفالح إلى مبادرة مهمّة أخرى: فهما ينويان إشراك الدول غير الأعضاء في مجموعة أوبك+ في النقاش حول ضبط السوق النفطية. لقد سرت شائعات قويّة بأن روسيا والسعودية مهتمّتان بالإقدام على مثل هذه الخطوة، والآن تأكّدت هذه التكهّنات. السؤال المطروح هو الآتي: مَن هم الأفرقاء الذين تنوي الدولتان إشراكهم في النقاش؟ هل يمكن أن يشتملوا على منتجي النفط الصخري الأميركيين؟ فنوايا هؤلاء وطاقاتهم الإنتاجية ليست واضحة لا لموسكو ولا للرياض. تتمتّع الصناعة الأميركية بمرونة شديدة، ويمكنها التكيّف مع ظروف السوق المختلفة. نتيجةً لذلك، من المنطقي أن تبادر موسكو ومجموعة أوبك+ إلى إقامة حوار معهم.

أخيراً، لقد أعلنت روسيا والسعودية أنهما تعملان راهناً على إبرام اتفاق ثنائي يُلزمهما على التعاون لضمان الاستقرار في سوق المحروقات العالمية، وتأمين مستوى مناسب من الاستثمارات لتطوير صناعة النفط والغاز. اللافت هو أن موسكو والرياض لا تسعيان إلى تركيز اهتمامهما حصراً على النفط، بل ستعيران أيضاً اهتماماً كبيراً للتعاون في مجال الغاز.

خلاصة القول أنّ اجتماع بوتين مع بن سلمان قدّم برهاناً واضحاً على أن موسكو والرياض تنويان العمل معاً، وعلى أنّ الشائعات الأخيرة التي تحدّثت عن بوادر تصدّعٍ في العلاقات بينهما، سابقة لأوانها. لقد كان المسؤولان السياسيان راضيَين عن نتيجة المباحثات. حتى إن بن سلمان وعدَ، في خلال اجتماعه مع بوتين، بتنظيم القمّة الأولى لقادة مجموعة أوبك+ في الرياض بهدف تكريم بوتين. في الوقت عينه، ساهم اجتماع نوفاك والفالح في الدفع نحو توطيد العلاقات الروسية-السعودية في قطاع الطاقة. تؤشّر الصيغة المبهمة التي استخدمها الوزيران في التعبير عن دعم بلدَيهما للاستثمارات في قطاع النفط والغاز، إلى أن الخطوة المقبلة في العلاقات الروسية-السعودية قد تكون التعاون في مشاريع مشتركة في مجال الغاز في روسيا أو المملكة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

Nikolay Kozhanov is a visiting associate professor at the Gulf Studies Center of Qatar University. He is also an academy associate at the Russia and Eurasia Program, Chatham House, and an associate professor at the European University, St. Petersburg. On Twitter: @KozhanovNikolay

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept