نبض العراق

لعبة المحيبس الشعبيّة تعود إلى الواجهة خلال رمضان بعد سنوات من الفتور

p
بقلم
بإختصار
تعتبر لعبة المحيبس من الألعاب الشعبيّة، التي تمارس منذ تأسيس العاصمة العراقيّة بغداد وحتّى الآن، رغم انحسارها الآن وممارستها فقط في الأزقّة البغداديّة القديمة، بعد توجّه الشباب نحو مواقع التّواصل الاجتماعيّ والمقاهي الحديثة.

يمارس العراقيّون لعبة المحيبس منذ العصر العبّاسي حتّى الآن، عبر تجمّعات تقام في المناطق الشعبيّة، وتضمّ مختلف الطوائف والقوميّات، وترافقها جلسات من الغناء البغداديّ المعروف بـ"المربّعات"، إلاّ أَنّ السنوات الأَخيرة شهدت انحساراً لها واقتصرت ممارستها على مناطق بغداد القديمة، نتيجة انشغال الشباب بمواقع التّواصل الاجتماعيّ والمقاهي الحديثَة.

تتألّف اللعبة من فريقين، يضمّ كلّ واحد أكثر من 50 لاعباً، إضافة إلى عدد من الحكّام، ويقوم الحكم الرئيسيّ بسحب القرعة بين الفريقين ليحدّد الفريق الذي سيبدأ بالمباراة أوّلاً. وبعدها، يتطوّع شخصان فيحملان غطاء طويلاً لإخفاء قائد الفريق لدى تجواله على جميع لاعبي الفريق ويضع الخاتم في يدّ أحدهم، ويغلقون أيدياهم. وبعد ذلك، يقول كلمة "بات"، ويبدأ قائد الفريق الثاني بالبحث عن الخاتم.

وفي هذا السياق، قال وليد السامرائي، الذي يعيش بالقرب من مرقد رجل الدين السنيّ المعروف عبد القادر الكيلاني في وسط بغداد، ويمارس لعبة المحيبس منذ طفولته، وأصبح الآن قائداً لفريق حيّ فضوة عرب، الذي يتكوّن من أكثر من مائة لاعب، لـ"المونيتور": "كانت لعبة المحيبس تمارس خلال شهر رمضان المبارك، وتحديداً بعد الإفطار في دواوين الملوك. ثمّ انتقلت إلى الأزقّة البغداديّة ودواوين العشائر ومناطق البلاد الأخرى".

أضاف: "إنّ المحيبس هي لعبة شعبيّة تحتلّ المرتبة الثانية بعد كرة القدم، وما زال جمهور واسع يتابعها ويحضر إلى مبارياتها التي تجري بين المناطق ومحافظات البلاد. كما أنّها ما زالت تمارس في المنازل حتّى الآن".

وتابع: "ثمّة قوانين عدّة تنظّم لعبة المحيبس وتخصّ الفرق واللاّعبين والحكّام، وهي تشبه كرة القدم، فهناك الإنذاران الشفهيّ والنهائيّ والطرد".

لقد انحسرت لعبة المحيبس خلال الحرب الطائفيّة بين السنّة والشيعة التي شهدها العراق بين عاميّ 2005-2007، نتيجة سيطرة المجاميع المتشدّدة على المناطق السنيّة والشيعيّة التي قامت بتحريمها وعدّتها من ممارسات اللهو التي تشغل الناس عن العبادة.

وقال السامرائي: "خلال الحرب الطائفيّة، قلّما مارسنا اللعبة. ولقد حاولنا إنهاء التوتّر الذي حصل بين المناطق السنيّة والشيعيّة عبر ممارسة المحيبس من خلال تنظيم بطولة تضمّ كلّ أطياف الشعب العراقيّ، ونجحنا في ذلك".

وأكّد أنّ "مباراة المحيبس تمتّد إلى أكثر من 12 ساعة في أغلب الأحيان، لأنها تعتمد التسقيط الفرديّ، إذ تشترط في المباراة الواحدة وجود فائز"، وقال: "إنّ منظّمي بطولات المحيبس يضعون خاتماً معيّناً لا يمكن تقليده من أجل الحفاظ على المنافسة الشريفة بين الفرق".

ولفت إلى أنّ "قائد الفريق لا يمكنه أن يضع الخاتم بيدّ أيّ لاعب، لا سيّما أنّ هناك لاعبين محدّدين يمتلكون مؤهّلات معيّنة مثل السيطرة على تصرّفاتهم وملامح وجوهم وغيرها"، وقال: "إنّ مباراة المحيبس محدّدة بـ13 أو 16 نقطة، وطموحنا خلق منتخب وطنيّ يستطيع أن يمارس اللعبة مع دول الخليج والمغرب والمشرق العربيّ".

يعتبر فريق مدينة الكاظميّة - شماليّ بغداد من أشهر الفرق التي تمارس لعبة المحيبس، فهو يحتلّ المرتبة الأولى منذ تأسيسه حتّى الآن، ويقوده جاسم الأسود، اللاّعب الذي لديه شعبيّة كبيرة، والذي قال في مقابلة مع "المونيتور": "إنّ لعبة المحيبس لها مدلولات كبيرة جدّاً، وتساهم في تعزيز الأواصر والإلفة داخل المجتمع، عبر لقاءات تعقد بين محافظات العراق".

وأشار إلى أنّ "اللعبة تعتمد أساساً على فراسة قائد الفريق واللاّعب وشجاعتهما"، لافتاً إلى أنّ "قوانين لعبة المحيبس حازمة وصارمة، فالمخالف يطرد من البطولة ولا يتمّ إشراكه في الدورة المقبلة"، وقال: "يجب أن يتجاوز عمر اللاّعب الـ18 عاماً، ويتمتّع بالأخلاق الحميدة. وعلى الجمهور ألاّ يلفظ كلمات بذيئة ويردّد شعارات تثير النعرات الطائفيّة وغيرها".

من جهته، قال الباحث الاجتماعيّ عبد الكريم اللامي في مقابلة مع "المونيتور": "إنّ لعبة المحيبس واجهت تحدّيات كبيرة، منها بروز الجماعات الإسلاميّة المتشدّدة وسيطرتها على المناطق الشيعيّة والسنيّة. ولقد هدّدت وخطفت وقتلت الذين يمارسونها لأنّها من الألعاب المحرّمة برؤيتها، فراح ضحيّتها العشرات من الأشخاص".

ولفت إلى أنّ "التراجع الحاليّ في ممارسة لعبة المحيبس يعود إلى انشغال الشباب في مواقع التواصل الاجتماعيّ وابتعادهم عن الممارسات التراثيّة الشعبيّة"، مشيراً إلى أنّ "ممارسة لعبة المحيبس ما زالت مستمرّة، لكن لا بشكل مشابه لما قبل عام 2003، نتيجة خوف الناس من تنظيم التجمّعات في الشوارع والمنازل، إضافة إلى عدم تمسّك الشاب العراقيّ بالتقاليد والممارسات الأصيلة"، وقال: "إنّ لعبة المحيبس قد تندثر خلال السنوات الـ10 المقبلة، وتصبح مشابهة للألعاب الرمضانيّة الأخرى التي اختفت نهائيّاً". 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : فنون و ترفيه

سلام زيدان صحفي عراقي مختص في مجال الاقتصاد عمل في العديد من وسائل الاعلام المحلية والدولية منها الجزيرة والعربي الجديد.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept