نبض فلسطين

نساء غزّة معلّقات في أروقة المحاكم الشرعيّة

p
بقلم
بإختصار
تعيش النساء اللواتي يردن الانفصال عن أزواجهنّ في غزّة معاناة قد تستمرّ لسنوات، حيث تضيع أعمارهنّ في انتظار تلك اللحظة التي قد تتأخّر لعشر سنوات، بسبب غياب القانون الذي ينصفهنّ، واحتكام المحاكم الشرعيّة إلى قوانين مرّ على تشريعها أكثر من نصف قرن.

رام الله – منذ أكثر من عام ونصف، تسعى ريما (45 عاماً) من شمال مدينة غزّة، إلى الحصول على ورقة تفرقة عن زوجها من المحكمة الشرعيّة، حيث تركها في القطاع وسافر إلى ليبيا للعمل منذ 6 سنوات، ليتخلّى عنها بعد ذلك، من دون أن يطلّقها تاركاً لها 4 أولاد وفتاة.

وتبدأ قصّة ريما كما روتها لـ"المونيتور" في عام 2012 حين قرّر زوجها تركها بعد عامين من سفره، إذ بعث لها بعد أشهر عدّة مع بعض الفلسطينيّين العاملين في ليبيا العائدين إلى غزّة أنّه تخلّى عنهم، ولن ينفق عليهم، وأنّه تزوّج من امرأة ليبيّة.

الواقع الاجتماعيّ والمعيشيّ الذي وجدت فيه ريما نفسها، لا تحسد عليه، خصوصاً أنّه لا يوجد لديها ما تعيل به عائلتها، سوى مساعدات قليلة من بعض الأقارب، ممّا دفعها إلى تقديم طلب للحصول على مساعدة وزارة التنمية الاجتماعيّة (200 دولار شهريّاً)، التي اشترطت عليها الحصول على ورقة طلاق أو تفرقة، ولأنها لم تملك ورقة التفرقة حتى الان فإنها لم تحصل على أي مساعدة.

وقالت ريما: "توجّهت إلى المحكمة منذ أكثر من عام ونصف للحصول على ورقة تفرقة عن زوجي الغائب، ولا تزال قضيّتي هناك، وتوجّهت إلى مركز صحّة المرأة التابع إلى جمعيّة الثقافة والفكر الحرّ التي كلّفت أحد محاميها متابعة القضيّة، وقد وعدوني بالحصول على ورقة التفرقة قريباً، وما زلت أنتظر حتّى اللحظة".

وتتشابه قصّة ريما مع قصّة تمارا (37 عاماً) من مدينة غزّة، وتختلف في حجم المعاناة، حيث بدأت قصّة تمارا منذ عام 2007 على خلفيّة الانقسام وسيطرة حماس على القطاع، كونها من عائلة تنتمي إلى حركة فتح وزوجها من حركة حماس، قائلة لـ"المونيتور": "مع اندلاع المشاكل (اشتباكات الانقسام) في القطاع، كان طليقي يضربني أمام الناس وعائلته، وفي ذلك الوقت كان إخوتي قد سافروا إلى مصر، وكنت احتمل الحياة القاسية لأجل ولدّي (ولد وبنت)".

وأضافت: "تركت منزل زوجي وعشت في منزل أمّي بعدما علمت بما يحدث معي، وكان زوجي يرفض تطليقي، إلى أن اهتديت قبل عامين إلى مركز صحّة المرأة الذي قام برفع قضيّة في المحكمة عن طريق محاميه، حيث قرّرت المحكمة قبل أشهر تطليقي غيابيّاً بعد عامين".

وتواجه النساء (المعلّقات) في قطاع غزّة مشكلة حقيقيّة في عدم تمكّنهنّ من الحصول على التفرقة بسهولة من المحاكم الشرعيّة، بسبب الإجراءات والنصوص القانونيّة المعمول بها، والمأخوذة من قانون قديم يعود إلى عام 1954، إلى جانب قضاة يتأخّرون في إصدار الأحكام، أملاً في أن يتراجع الزوجان عن الطلاق.

ويختلف الطلاق عن التفريق، فالأوّل يقع باختيار الزوج وإرادته، أمّا الثاني فيقع بحكم القاضي الذي لا يصدر حكمه إلّا إذا وجدت أسباب شرعيّة لذلك، ويتمّ بناء على طلب الزوجة من خلال دعوى تقيمها أمام المحكمة، وفي كلتا الحالتين (الطلاق او التفرقة) اذا كان وضع المرأة الاقتصادي صعبا ولا تملك دخلا فإنها تستطيع الحصول على مساعدة من الشؤون الاجتماعية.

ويستطيع الرجل تطليق زوجته شفهيا لكنه يحتاج الى تثبيت ذلك الطلاق في المحكمة، وفي كل الأحوال وبعد تثبيت الطلاق في المحكمة تستطيع المرأة ان تتقدم للمحكمة بطلب النفقة من زوجها، اذا لم تكن قد تنازلت عنها امام القاضي، لكن الكثير من النساء يقدمن على التنازل عن النفقة مقابل الحصول على الطلاق من أزواجهن.

ومن أجل دعم النساء، أطلق مركز صحّة المرأة التابع إلى جمعيّة الثقافة والفكر الحرّ في 8 أيّار/مايو حملة ضغط ومناصرة لمناهضة إجراءات المحاكم الشرعيّة، بهدف تقليص المدد القانونيّة في دعاوى التفريق، تحت شعار "العمر مش بعزقة" ضمن مشروع الاستجابة إلى الزيادة فى العنف المبني على النوع الاجتماعيّ بين الفتيات الذي تنفّذه الجمعيّة بالشراكة مع صندوق الأمم المتّحدة للسكّان، والحدّ منها، بهدف حث المحاكم على تناول هذه القضايا بشكل اسرع، بدلا من الانتظار لاعوام اقلها عامين وقد تصل احيانا الى 10 اعوام.

وقالت منسّقة الحملة المحامية منال مقاط لـ"المونيتور": "مشكلة النساء المعلّقات من أكثر المواضيع الشائكة وذات الحساسية في المحاكم الشرعيّة، خصوصاً أنّ هناك نساء يتركن معلّقات لمدّة تتراوح بين العامين والـ5 أعوام، وهذا تلاعب في أعمارهنّ والضغط عليهنّ للتنازل عن حقوقهنّ".

وأكّدت مقاط أنّ القانون المطبّق في غزّة، يفرض على المرأة أن تنتظر مدّة قانونيّة وهي عامّ في معظم القضايا، لأجل الإصلاح، ليتسنّى لها الذهاب إلى المحكمة لرفع قضيّة تفريق، وبعد ذلك تنتظر 3 سنوات حتّى تحصل عليه، بسبب إجراءات التقاضي الطويلة.

يشار إلى أنّ القانون المطبّق في قطاع غزّة حتّى اليوم هو قانون حقوق العائلة رقم 303 لعام 1954 الصادر عن الحاكم الإداريّ المصريّ، والمستند إلى قانون الأحوال الشخصيّة العثمانيّ لسنة 1919.

ولم يكن الحال في الضفّة الغربيّة أفضل من القطاع في السابق، حيث كانت مئات القضايا لنساء حاولن الحصول على التفرقة، لكنّ هذه القضايا كانت عالقة في المحاكم الشرعيّة، حتّى قل هذا الوضع مع قرّار مجلس القضاء الأعلى الفلسطينيّ العمل بقانون الخلع القضائيّ في مطلع أيلول/سبمتبر 2012، لكنّ هذا القانون لم يطبّق حتّى اللحظة في غزّة.

ونفّذت الحملة منذ إطلاقها فعاليّات توعويّة عدّة للتعريف بها وتشجيع النساء على التفاعل معها، أبرزها إقامة سلسلة بشريّة من النساء المعلّقات حول اسم الفعاليّة (العمر مش بعزقة) التي كانت محفورة بالرمل على بحر غزّة ، وعقد لقاءات مع وسائل الإعلام المحلّيّة واستخدام وسائل التواصل الاجتماعيّ، والتواصل مع نقابة المحامين الشرعيّين لإيصال صوت الحملة ومساندتها لدى صنّاع القرار.

من جانبها، قالت مديرة مركز الأبحاث والاستشارات القانونيّة للمرأة ومقره في غزّة زينب الغنيمي لـ"المونيتور" إنّ قدرة النساء في الوصول إلى العدالة أمام المحاكم في أيّ قضيّة، كالطلاق أو النفقة تصطدم بمشاكل كبيرة، نظراً إلى رفض الزوج تطليق زوجته، حتّى تتنازل عن حقوقها الشرعيّة والقانونيّة.

وأكّدت الغنيمي أنّ "الإشكاليّة تكمن في القانون المطبّق نفسه، لأنّه لا يعطي المرأة الحقّ في التفريق إلّا لأسباب ضيقة جدا، كأن يكون الزوج مصاباً بالعنة (عدم قدرته على العمليّة الجنسيّة)، أو عدم قدرته على الإنفاق او اختفاء الزوج أو حبسه"، حيث تستطيع المرأة رفع قضية لطلب الطلاق من زوجها المحكوم عليه بالسجن لثلاث سنوات واكثر حسب المادة 96 من القانون.

وأوضحت الغنيمي أنّ الإشكاليّات التي تواجه النساء في قطاع غزة في القضاء تكمن في الإجراءات القانونيّة وموادّ القانون المطبّق والسلطة التقديريّة للقضاة الذين يتعاملون في الكثير من القضايا بذكوريّة عالية، مشيرة إلى أنّ إحدى الثغرات التي يجب تغييرها في القانون المطبق في غزة هي منح المرأة الحقّ في التطليق أو خلع زوجها وعدم اقتصار هذا الحقّ على الرجل.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : حقوق المرأة

أحمد ملحم صحفيٌ ومصورٌ فلسطيني مقيم في رام الله، ويعمل لحساب صحيفة الوطن وعدد من وسائل الاعلام العربية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept