تنظيم الدولة الإسلامية في إيران

إنّ إجراءات المحاكمة ضد العناصر المتّهمين بالانتماء إلى تنظيم الدولة الإسلامية والمتعاطفين معه الذين سهّلوا الهجمات في طهران العام الماضي، تقدّم لمحة نادرة عن طريقة عمل التنظيم الإرهابي في إيران.

al-monitor .

ماي 23, 2018

أعلنت وكالة الميزان للأنباء المتخصّصة بالأخبار القضائيّة في إيران، في 14 أيار/مايو، عن صدور أحكام بالإعدام بحق ثمانية متّهمين بالتواطؤ مع مسلّحي تنظيم الدولة الإسلاميّة الذين نفّذوا هجمات دموية في طهران الصيف الماضي، ما أسفر عن مقتل 18 شخصاً وإصابة ما لا يقل عن 40 آخرين بجروح. وأشارت التقارير إلى أن 18 مدّعىً عليه متّهمين بجنحٍ أقل فداحة سيمثلون أمام المحكمة في الأشهر المقبلة. وتجدر الإشارة إلى أنّ منفّذي هجمات السابع من حزيران/يونيو 2017 هم خمسة أكراد إيرانيين استهدفوا مقر مجلس الشورى في وسط طهران وضريح آية الله روح الله الخميني، مؤسّس الجمهورية الإسلامية، في ضواحي العاصمة.

وقد اتُّهِم الأشخاص الذين حُكِم عليهم بالإعدام بارتكاب مجموعة من الجرائم، منها تأمين الدعم اللوجستي للمعتدين في شكل أسلحة ووثائق مزوّرة ومتفجّرات. وقد وُجِد الثمانية مذنبين بحمل السلاح ضد الجمهورية الإسلامية وبالفساد في الأرض، وهذه التهم عقوبتها الإعدام بموجب القانون الجنائي الإيراني. ويمكن، وفق ما أُفيد، استئناف الأحكام أمام المحكمة العليا الإيرانية.

تقدّم محاضر سبع جلسات استماع عُقِدت في الفرع 15 من محكمة الثورة في طهران، لمحة نادرة عن الطريقة التي يستخدم بها تنظيم الدولة الإسلامية اطّلاعه ومعارفه على المستوى المحلي لزيادة فاعليته وتأثيره إلى أقصى حد. والأهم من ذلك، تسلّط محاضر المحاكمة الضوء بوضوح على الشوائب التي حالت دون تمكُّن أجهزة الأمن الإيرانية من وقف الهجمات. وتشمل هذه الهفوات عدم التنبّه جيداً للتحذيرات الواضحة التي وجّهها داعش، والفشل في التصدّي لوجود عدد كبير من عناصر التنظيم والمتعاطفين معه في المناطق الكردية غرب البلاد.

وفقاً للشهادات التي أدلى بها المحكومون الثمانية، انطلق أربعة عناصر من داعش – ثلاثة أكراد إيرانيين وعربي واحد – من شمال العراق في أواخر العام 2016 لدخول إيران بطريقة غير شرعية. كانت الشخصية الأساسية بين المدّعى عليهم أحد هؤلاء الرجال الأربعة الذين تلقّوا تدريباً على استعمال الأسلحة الصغيرة والمتفجّرات في الحويجة، التي كانت في السابق معقلاً لداعش جنوب غرب كركوك، وعبروا إلى محافظة كارمانشاه غرب إيران عن طريق محافظة ديالى العراقية في 22 آذار/مارس 2017، بمساعدة من المدّعى عليهم.

في هذا السياق، نشر تنظيم الدولة الإسلامية- ولاية ديالى، في 26 آذار/مارس، مقطع فيديو مدّته 36 دقيقة بعنوان "بلاد فارس بين الأمس واليوم"، هدّد فيه المؤسسة السياسية والدينية الإيرانية ودعا السنّة في إيران إلى الانتفاضة. يتحدّر الرجال الذين ظهروا في مقطع الفيديو من خلفيات إثنية إيرانية متعددة، لكن تجمع بينهم سمة واحدة مشتركة: فجميعهم من السنّة. ويظهر في الشريط خمسة جنود من تنظيم الدولة الإسلاميّة يرتدون بزّات عسكرية ويطلقون النار على خمسة ملصقات معلّقة على أعمدة داخل أحد المباني. والملصقات عبارة عن صور لكلّ من آية الله الخميني، وقاسم سليماني، قائد فيلق القدس النخبوي في الحرس الثوري الإسلامي، والمرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، والرئيس حسن روحاني، ومسؤول إيراني آخر. استخدم الرجال الذين يظهرون في مقطع الفيديو رشّاشات "أيه كيه-47" ومسدّسات مجهّزة بكواتم للصوت، في حين بدا أنهم يرتدون سترات أو أحزمة ناسفة شبيهة بتلك التي ارتداها المتشدّدون الذين استهدفوا مقرّ مجلس الشورى وضريح الخميني بعد ثلاثة أشهر. لكن ليس واضحاً ما إذا كان الأكراد الإيرانيون الثلاثة الذين يظهرون في مقطع الفيديو، قد شاركوا في تصويره قبل عبورهم إلى إيران.

ووفقاً للإفادات أمام المحكمة، مكث مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية الأربعة في المنطقة الحدوديّة بين إيران والعراق لمدّة أسبوع، في خيمة راعٍ قرب مدينة سربل ذهاب. ثم تنقّلوا، طوال شهرَين ونصف الشهر، في محافظة كارمانشاه حيث اشتروا أسلحة غير قانونيّة، وكواتم للصوت، وأكياس أسمدة، ورشاشات "أيه كيه-47"، وقذائف هاون قديمة لاستخدام البارود الموجود بداخلها بغية تصنيع أحزمة وسترات ناسفة. وفي هذا الإطار، ساعدهم عناصر محليون من داعش ومتعاطفون معه على تجنّب الملاحقة من السلطات الإيرانية. يبدو أنّ تنظيم الدولة الإسلامية قدّم ما يزيد عن 300,000 دولار أميركي لتسهيل هذه الأنشطة وسواها من العمليّات داخل إيران، وفق ما يرد في محاضر المحاكمة.

في حين أن بعض المتعاطفين المحليين مع تنظيم الدولة الإسلامية كانوا في الأصل تحت مجهر أجهزة الاستخبارات الإيرانية، يبدو أن السلطات لم تتنبّه لمؤشّراتٍ كانت واضحة للعيان.

في الواقع، يمارس تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، التي باتت تُعرَف بجبهة فتح الشام، نشاطاً واسعاً في المناطق الكردية السنّية غرب إيران، وفي محافظة كارمانشاه على وجه الخصوص، التي يتحدّر منها جميع المهاجمين الذين نفّذوا اعتداء 7 حزيران/يونيو 2017 والمتواطئون معهم، والتي تحوّلت إلى معقل للمتعاطفين مع الجهاديين. قال أحد المدّعى عليهم، الذي أشير إليه فقط بالحرف الأول من اسمه، "ك"، في محاضر الجلسات، إن علاقة صداقة جمعته، اعتباراً من العام 2013، بأحد المعتدين الذين كانوا يروّجون لعقيدة تنظيم الدولة الإسلامية في بلدة باوه في محافظة كارمانشاه. قال المدّعى عليه للقاضي عبد القاسم سلواتي، رئيس الفرع 15 من محكمة الثورة في طهران: "أصبحتُ شديد التعلّق إلى درجة أنني فكّرت في نفسي بأنني قد أذهب [وألتحق بهم]". وعندما سأله سلواتي عمّا إذا كان قد علِم بهجمات طهران قبل وقوعها، أجاب أنّ سرياس صادقي، رئيس المجموعة التابعة لتنظيم الدولة الإسلامية التي نفّذت الهجمات، "أخبر الجميع في العلن" عن العمليّة.

يقول المدّعي العام والقاضي بوضوح إنّ أحد المدّعى عليهم، والذي يُشار إليه بالحرفَين الأوّلين من اسمه "أ. أ."، كان ينشط، منذ العام 2015، في تجنيد الشباب لإرسالهم إلى العراق من أجل القتال إلى جانب داعش. وكان مدّعى عليه آخر، يُشار إليه بالحرف الأول من اسمه "م"، مجنِّداً معروفاً في تنظيم الدولة الإسلامية في محافظة كارمانشاه، ويقول المدّعي العام إنه بثّ في حفل زفافه أناشيد داعش بدلاً من الموسيقى. سأل سلواتي المدّعى عليه: "في إحدى المدن غرب البلاد، أدّيت دوراً نافذاً في استقطاب الأشخاص للانضمام إلى داعش، ويعرف أبناء تلك المدينة أنك التحقت بتنظيم داعش ... ألم تبثّ الأناشيد التكفيريّة [الجهاديّة] في حفل زفافك؟" فكان جوابه: "أنشدنا أناشيد دينيّة". ثم سأله سلواتي لماذا لم يُقدِم على إبلاغ السلطات عندما غادر اثنان من أصدقائه وانضمّا إلى تنظيم الدولة الإسلامية في وقت سابق، فردّ المدّعى عليه: "سمعت أنهما ذهبا إلى العراق والتحقا بداعش ... كان الجميع [في البلدة] على علم بذلك".

أخيراً، زوّد أحد المدّعى عليهم المجموعة بعشرات الأسلحة، وهو كان، قبل وصول أعضاء تنظيم الدولة الإسلامية الأربعة، يكسب رزقه من جمع القذائف وقذائف الهاون القديمة في المنطقة الحدوديّة، وهذه القذائف هي من مخلّفات الحرب الإيرانية-العراقية بين عامي 1980 و1988. وقد استخدم مقاتلو داعش البارود الموجود داخل هذه القذائف لتصنيع أحزمة وسترات ناسفة استعملوها في الهجمات في طهران بعد ثلاثة أشهر.

والجدير بالذكر أنّ الشخصيّة الأساسية بين المدّعى عليهم الثمانية الذين حُكِم عليهم بالإعدام كان قد مضى أكثر من عامَين على انضمامه إلى تنظيم الدولة الإسلامية لدى عودته إلى إيران مع ثلاثة عناصر آخرين من التنظيم، عن طريق محافظة ديالى في شهر آذار/مارس 2017. وتعتقد السلطات الإيرانية أنه لم يشارك في هجمات طهران لأنه كان يخطّط لتنفيذ مزيد من الضربات. أما العناصر الثلاثة الآخرون فقد قضوا في هجمات طهران، إلى جانب مجنّدَين آخرَين من داخل إيران.

كانت الهجمات في طهران من الاعتداءات الأكثر دمويّة التي شهدتها البلاد في الأعوام الأخيرة. لا يزال كثرٌ يتساءلون كيف تمكّن خمسة عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية من التسلّل إلى قلب العاصمة والتسبّب بكلّ هذه الأضرار. إن كان هناك ما تكشفه محاضر جلسات المحاكمة، فهو أنّ السلطات الإيرانيّة تجاهلت تهديداً حقيقيّاً ومتعاظماً داخل البلاد، فيما كان تنظيم الدولة الإسلامية يستغلّ المظالم السنّية لنشر عقيدته. ووفق ما يُظهره صعود تنظيم الدولة الإسلامية من جديد في العراق، يبدو أنّ عقيدة التنظيم وُجِدت لتبقى في المستقبل المنظور.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض إيران

al-monitor
هل سينهار اقتصاد إيران؟
بیژن خواجه پور | اقتصاد و تجارة | يون 25, 2018
al-monitor
لماذا لم يحن وقت خروج إيران من سوريا بعد؟
Makram Najmuddine | | يون 15, 2018
al-monitor
تعرّفوا إلى زعيم المتشدّدين الجديد المحتمل في إيران
روح الله فقیهی | الإسلام والسياسة | يون 1, 2018
al-monitor
كيف ستحافظ إيران على مصالحها في سورية
حميد رضا عزيزي | دونالد ترامب | ماي 16, 2018