نبض مصر

في مواجهة المطالب الفرنسيّة بتنقيح القرآن: هل غاب السيسي وحضر أردوغان؟

p
بقلم
بإختصار
وقّعت 300 شخصيّة فرنسيّة عامّة على وثيقة تطالب بحذف آيات من القرآن بزعم أنّها معادية للساميّة، وتدعو إلى قتل اليهود والمسيحيّين والملحدين. وتوالت التعليقات الرافضة للوثيقة، وكان آخرها تعليق الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان، ممّا دفع العديد من المراقبين ونشطاء مواقع التواصل الاجتماعيّ إلى التساؤل عن أسباب غياب ردود الزعماء العرب وتعليقاتهم، وخصوصاً النظام المصريّ، حيث أنّ العديد من المؤسّسات المصريّة على رأسها الأزهر واللجنة الدينيّة في مجلس النوّاب، اهتمّت بالتنديد بالوثيقة.

القاهرة – لا تزال ردود الأفعال الإسلاميّة الرافضة للوثيقة الفرنسيّة الداعية إلى حذف آيات من القرآن تتوالى، وكانت آخر ردود الأفعال ما قاله الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان، في كلمة له في 8 أيّار/مايو: "عليكم أن تعلموا أنّكم مهما تهجّمتم على مقدّساتنا، فسوف نتهجّم على مقدّساتكم، ولكنّنا سنطيح بكم، من أنتم كي تتهجّموا على مقدّساتنا؟ نحن نعلم مدى دناءتكم".

كتبت جريدة "لوباريزيان" الفرنسيّة في 21 نيسان/أبريل أنّ 250 شخصيّة فرنسيّة عامّة -من بينهم عدد من السياسيّين مثل الرئيس الفرنسيّ الأسبق نيكولاس ساركوزي، ورئيس وزراء فرنسا الأسبق مانويل فالس، وعدد من الفنّانين والمثقّفين– وقّعوا على وثيقة أصدرها رئيس تحرير مجلّة "تشارلي إبدو" الفرنسيّة الساخرة الأسبق فيليب فال تطالب المؤسّسات الإسلاميّة الكبرى في العالم بحذف عدد من آيات القرآن التي اعتبرها ضدّ الساميّة وتدعو إلى قتل اليهود والمسيحيّين والملحدين، ممّا يعطي مبرّراً للتنظيمات الإرهابيّة لارتكاب العديد من الأفعال الإجراميّة.

وتداول العديد من النشطاء المصريّين والعرب في وجه عامّ خطاب أردوغان على مواقع التواصل الاجتماعيّ وعلى مواقع الفيديو مثل "يوتيوب"، مشيدين بشجاعة ردّه على الفرنسيّين الموقّعين على الوثيقة ومستنكرين غياب ردّ الرؤساء والأمراء والملوك العرب وحكوماتهم.

وعلّق الأزهر على الوثيقة الفرنسيّة في 26 نيسان/أبريل، على لسان وكيله عبّاس شومان، حيث قال في كلمة على هامش افتتاح مهرجان الأزهر للإبداع والفنون: "المطالب بحذف آيات من القرآن الكريم هي والعدم سواء، وتدلّ على جهل مطبّق لديهم على أفضل تقدير، الإسلام ليس مسؤولاً عن عدم فهم الآخرين لمعاني الآيات، وأخذهم بظاهرها من دون الرجوع إلى تفسيرات العلماء لها، فما ظنّه هؤلاء آيات تنادى بقتلهم هي آيات سلام فى حقيقتها".

وأضاف قائلاً: "أدعو المطالبين بمثل هذه المطالب إلى أن يفهموا كتاب الله فهماً صحيحاً، أمّا إذا اعتمدوا على فهمهم المغلوط فليذهبوا بفهمهم ومطالباتهم إلى الجحيم". وعلّق شيخ الأزهر أحمد الطيّب على مطالب حذف آيات من القرآن أو تجميدها ساخراً، في كلمة جماهيريّة بعد أدائه الصلاة في 5 أيّار/مايو في أحد المساجد السنغافوريّة، قائلاً: "لا أعرف كيف يمكن أن نجمّد آيات من القرآن، هل نضعها في الثلّاجة مثلاً"؟!

كما اهتمّت لجنة الشؤون الدينيّة في مجلس النوّاب بالتعليق على الوثيقة الفرنسيّة، في بيان لرئيسها أسامة العبد في 25 نيسان/أبريل، حيث قال: "دعوات حذف آيات من القرآن باطلة لا يسمع لها ولا يستجاب، وستتّخذ اللجنة الإجراءات المناسبة ضدّ تلك الوثيقة، وستكون لنا وقفة مع تلك المهانة لكتاب الله عزّ وجلّ".

لم تتخذ اللجنة بعد أي إجراء في هذا الصدد، حيث أن البيان لم يقدم بعد إلى أي مؤسسة دينية رسمية مثل الأزهر.

وفي ظلّ الردود التركيّة الرسميّة والردود الأزهريّة والبرلمانيّة المصريّة على الوثيقة الفرنسيّة، تزداد الحاجة إلى الردّ على تساؤل "المونيتور" الجوهريّ وهو: "لماذا غاب الردّ المصريّ الرسميّ على لسان الرئيس عبد الفتّاح السيسي أو وزارة الخارجيّة"؟!

ويجيب الباحث السياسيّ في مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة أيمن عبد الوهاب عن تساؤل "المونيتور"، قائلاً: "الجهات الرسميّة في مصر ليست مولعة بالمزايدة واكتساب الشعبيّة من خلال الظهور في ثوب الدولة التي تحمي الإسلام من أعدائه، كما يفعل الرئيس التركيّ، وربّما رأت الدولة أنّ ردّي الأزهر ولجنة الشؤون الدينيّة كانا كافيين، خصوصاً أنّ دعوة حذف آيات من القرآن دعوة تافهة والأفضل للجميع تجاهلها حتّى تتلاشى".

إلّا أنّ تصريحات عبد الوهاب تجاهلت أنّ وزارة الخارجيّة المصريّة كانت قد أعلنت عن رفضها في 2005 و2010 نشر صور مسيئة للرسول محمّد في صحف دنماركيّة، واستدعت سفير الدنمارك في عام 2008، لإبلاغه احتجاجاً رسميّاً على إعادة نشر إحدى الصحف لتلك الرسوم، وتكرّر الأمر نفسه في عام 2010.

فيما قال أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة القاهرة مصطفى كامل السيّد لـ"المونيتور": "كان على الدولة ممثّلة في وزارة الخارجيّة أن تتّخذ موقفاً من الوثيقة الفرنسيّة لأنّها بالطبع ستؤثّر على وجهة نظر الرأي العامّ العالميّ تجاه المسلمين والدول الإسلاميّة أو ذات الأغلبيّة المسلمة -مثل مصر- سلباً، وستعزّز الوثيقة الصورة الذهنيّة الراسخة لدى البعض أنّ الدول الإسلاميّة دول مضطربة بسبب العنف وأنّها دول مصدّرة للإرهاب، ممّا ينعكس سلباً على المواطنين المسلمين في أوروبّا، ومن بينهم المصريّون".

وتابع، قائلاً: "كما يمكن أن ينعكس سلباً على قدرات الدول ذات الأغلبيّة المسلمة في جذب الاستثمار وفي التعاون العسكريّ مع أوروبّا، خصوصاً أنّ العديد من الدول حاليّاً تتّخذ مواقف في شكل رسميّ مستغلّة تلك الصورة الذهنيّة مثل قرار دونالد ترامب بمنع بعض رعايا الدول التي يراها مصدّرة للإرهاب من الدخول إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة".

وأخيراً، فسّر أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة بورسعيد بهاء الدين الغمري لـ"المونيتور" غياب التعليق الرسميّ من مؤسّسة الرئاسة أو وزارة الخارجيّة على الوثيقة الفرنسيّة بـ3 أسباب أوضحها، قائلاً: "أوّلاً الوثيقة صدرت عن مجموعة من الشخصيّات وليس عن جهة رسميّة، وبالتالي من الطبيعيّ ألّا تعلّق الدولة في شكل رسميّ على ما يصدره المواطنون الفرنسيّون، وإلّا سيكون تضخيماً للأمر، ثانياً الدولة لن تكون قادرة على الضغط على الحكومة الفرنسيّة لاتّخاذ إجراء لأنّ الوثيقة لا تتعارض مع القوانين الفرنسيّة".

وأضاف: "السبب الثالث هو أنّ الدولة حاليّاً تعلي من قيمة العمل المؤسّسيّ، ولكلّ مؤسّسة اختصاصها، والدولة في شكل رسميّ ممثّلة في الرئاسة أو الحكومة ليست معنيّة بالشؤون الدينيّة، ومؤسّسة الأزهر هي المعنيّة بذلك، كذلك تمثّل الرئاسة والحكومة الشعب في الشؤون الإداريّة والسياسيّة والدبلوماسيّة والعسكريّة، أمّا المسؤولون عن تمثيل الدولة على المستوى الشعبيّ لأنّهم على اتّصال دائم ومباشر مع المواطن، فهم أعضاء مجلس النوّاب، لذلك كان من الطبيعيّ أن تعلن لجنة الشؤون الدينيّة في المجلس موقفاً من الوثيقة الفرنسيّة يعبّر عن موقف المواطن المصريّ".

وعن مواقف الخارجيّة المصريّة السابقة تجاه الرسوم المسيئة، وعن موقف أردوغان من الوثيقة، قال الغمري: "أرى أنّ تلك المواقف إعلاميّة وهدفها فقط الحفاظ على الشهرة الشعبيّة، بدليل أنّ حكومة الدنمارك لم تتّخذ موقفاً تجاه أصحاب الرسوم المسيئة بناء على احتجاج الخارجيّة المصريّة، وبدليل أنّ الحكومة التركيّة لم تقدّم احتجاجاً رسميّاً على الوثيقة لدى الخارجيّة الفرنسيّة".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : cartoons, charlie hebdo, anti-semitism, quran, al-azhar, abdel fattah al-sisi, france, recep tayyip erdogan
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept