نبض تركية

تنامي المخاوف من الليرة التركيّة وسط التوقّعات الاقتصاديّة المظلمة

p
بقلم
بإختصار
انتقدت حكومة أنقرة وكالة "موديز" لخفضها التصنيف الائتماني لتركيا في وقت يتخلّى فيه الأتراك عن الليرة التركيّة سعيًا وراء العملات الصعبة المضمونة.

 أنقرة، تركيا — في السّابع من شهر آذار/مارس الجاري، خفّضت وكالة التصنيف الائتماني الدوليّة "موديز" تصنيف تركيا السيادي من Ba1 إلىBa2 ، أي إلى مستوى أقلّ بدرجتين عن "المستوى الاستثماري". وكان من البديهي أن تثير هذه الخطوة ردود أفعال غاضبة من جانب الحكومة التركيّة وبالطّبع من جانب الرئيس رجب طيب أردوغان.

انتقد وزير الماليّة ناجي أغبال تقرير وكالة موديز متّهمًا الوكالة بإصدار قرارات مبنيّة على دوافع سياسيّة وتتناقض مع الواقع الاقتصادي لتركيا، حتى أنّه هدّد بالتحرّك قانونيًا ضدّ "موديز". من جهته، تهجّم وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي في خطاب علني له في العاشر من آذار/مارس على تقرير الوكالة قائلاً، "تبلغ القروض المتعثّرة في واحد من البلدان الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي أكثر من 60% من الناتج المحلي الإجمالي. لا تتعدّى هذه النسبة في تركيا 3%، ومع ذلك قامت وكالة موديز بتخفيض تصنيف تركيا الائتماني، بينما رفعت تصنيف البلد الأوروبي. ليس هذا الأمر سوى محاولة انتهازيّة لرفع تكاليف الائتمان في تركيا. هذه عقليّة استغلاليّة ...إنها عقليّة استغلاليّة مدمّرة."

وتبريرًا لتقريرها، أشارت وكالة موديز إلى الديون الخارجيّة المتزايدة بالتزامن مع ارتفاع العجز في الحساب الجاري، والميزانيّة والتجارة الخارجيّة فضلاً عن فشل أنقرة في كبح التضخّم. كما وأشار التقرير إلى تنامي مخاطر الصّدمة الخارجيّة بسبب ارتفاع المخاطر السياسيّة المحليّة وأسعار الفائدة العالميّة.

وتشمل الأسباب الأخرى التي أدّت إلى خفض التصنيف، عدم الشفافية في صندوق الثروة السياديّة التركيّة، والمخاطر الناجمة عن التزامات بمليارات الدولارات خارج الميزانية من المشاريع المدعومة من الحكومة في القطاع الخاص وضعف مرونة الشركات والمصارف الخاصّة بسبب ديونها المتزايدة بالعملات الأجنبيّة. وفي سياق مُتّصل، لفتت وكالة موديز إلى التوتّرات السياسيّة في أعقاب الاستفتاء الدستوري في 16 نيسان/أبريل 2017، و"تقويض" سلطة القضاء الذي تبلور في رفض الحكومة والمحاكم الابتدائيّة احترام أحكام المحكمة الدستوريّة.

وفي التاسع من شهر آذار/مارس الجاري، خفّضت “موديز” التصنيف الائتماني لـ17 مصرفًا تركيًا، بما في ذلك أكبر مقرضي القطاع العام في البلاد. وقد تفاقمت الأزمة نتيجة تحذيرات الوكالة من المخاطر على المصارف، بخاصّة في ما يتعلّق بالتزاماتها بالعملات الأجنبيّة.

تدرس أنقرة حاليًا فكرة تأسيس وكالة تصنيف ائتماني وطنيّة. وأكّد محمد علي أكبين، رئيس مجلس إدارة هيئة الرقابة والإشراف البنكي(BDDK) ، أنّ الوكالة الجديدة — المخطّط إنشاؤها في وقت ما من هذا العام — ستكون مستقلّة، وغير متحيّزة ومتوافقة مع المعايير الدوليّة، وقد تتضمّن شراكات مع الصين والهند.

قد تكون الحكومة غاضبة من تخفيض تصنيفها الائتماني السيادي من قبل وكالة موديز، إلا أنّ البيانات الاقتصاديّة الصّادرة عن المصرف المركزي وهيئة الرقابة والإشراف البنكي تدعو إلى التشكيك في مزاعم أنقرة بأنّ هذا التصنيف المخفّض يتعارض مع الحقائق الاقتصاديّة للبلاد. فتشير الإحصاءات إلى زيادة تحوّل الأتراك من الليرة التركيّة إلى العملات الأجنبيّة سعيًا للحفاظ على قيمة مدخراتهم وسط تصاعد المخاوف والقلق الاقتصادي، بما في ذلك التخوّف من التضخّم المرتفع وانخفاض قيمة العملة الوطنيّة. وتجدر الإشارة إلى ارتفاع عدد الحسابات الفرديّة وحسابات الشّركات بالعملات الأجنبيّة.

ووفقًا لإحصاءات هيئة الرقابة والإشراف البنكي اليوميّة، بلغ إجمالي الودائع لدى المصارف التركيّة في التاسع من آذار/مارس 1.8 تريليون ليرة تركية (466 مليار دولار)، وتشكّل الحسابات المفتوحة بالعملات الأجنبيّة أكثر من 46% من هذا المبلغ - أي ما يعادل 849,273,000,000 ليرة (215 مليار دولار)، فيما تشكّل الحسابات الفرديّة أكثر من نصف الودائع بالعملات الأجنبيّة. ويمثّل ذلك زيادة في حصّة الودائع بالعملات الأجنبيّة، التي كانت 44% في عام 2015، و43% في عام 2016 وصولاً إلى 45% في عام 2017.

أما بيانات المصرف المركزي الأسبوعيّة فتشير إلى بلوغ الأصول بالعملات الأجنبيّة في المصارف 208 مليارات دولار حتّى أسبوع 23 شباط/فبراير، أي بزيادة نسبتها 14.42% مقارنة بمبلغ 180 مليار دولار للفترة ذاتها من العام الماضي. ويتضمّن مبلغ الـ208 مليار دولار أصولاً بقيمة 154 مليار دولار تعود لأفراد مقيمين في تركيا. أما أصول الشركات والكيانات القانونيّة بالعملات الأجنبيّة فبلغت 67 مليار دولار، مسجّلة زيادة نسبتها 21.35% من 54 مليار دولار للفترة ذاتها من العام الماضي.

وتدلّ الزيادة عن العام الماضي التي بلغت 28 مليار دولار في الحسابات بالعملة الأجنبيّة على تراجع الثقة بالليرة التركيّة والهروب منها. كذلك تشير الأرقام الصادرة عن هيئة الرقابة والإشراف البنكي والمصرف المركزي إلى مخاوف جديّة لدى الشركات والمواطنين الأتراك بشأن وضع الاقتصاد.

فضلاً عن ذلك، حذّرت بيانات المصرف المركزي بشأن عجز الحساب الجاري لشهر كانون الثاني/يناير من أنّ الأمور قد تزداد سوءًا. بلغ العجز 7 مليارات دولار- بزيادة نسبتها 163% عن 2.7 مليار دولار في كانون الثاني/يناير 2017. أما العجز على أساس سنوي فارتفع بنحو 60% من 33.5 مليار إلى 51.5 مليار دولار. وقد أدّى العجز المتنامي في النقد الأجنبي إلى تأجيج الحماس للتحوّل نحو العملات الأجنبيّة. وبلغت الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة 149 مليون دولار في كانون الثاني/يناير مسجّلة هبوطًا بمقدار 288 مليون دولار مقارنة بـ437 مليون دولار في كانون الثاني/ يناير 2017.

يُحدّد البرنامج الاقتصادي المتوسّط الأجل الصادر عن الحكومة في شهر تشرين الأول/أكتوبر مبلغ 40 مليار دولار كهدف يجب تحقيقه في نهاية عام 2018 في عجز الحساب الجاري. وقد أظهر بالفعل الشهر الأول من العام انحرافًا عن هذا الهدف بمبلغ 11.5 مليار دولار. أما معدّل التضخّم، الذي لم يشهد انخفاضًا إلى أرقام أحاديّة لعدّة أشهر، فبلغ 10.26% في شهر شباط/فبراير، ما جعل هدف البرنامج بالوصول إلى نسبة 7% في نهاية العام عقيمًا.

ويتوقّع البرنامج أن يكون متوسّط سعر الدولار 3.73 ليرة هذا العام مع تقديرات بأنّه سيتجاوز 4 ليرات عام 2020. يبلغ سعر الصّرف الحالي مقابل الدولار حوالي 3.88 ليرة، وأظهرت دراسة التوقّعات التي أجراها المصرف المركزي في شهر شباط/فبراير أنّ الجهات الفاعلة الاقتصادية تتوقّع وصول المعدّل إلى 4.1 ليرة في نهاية عام 2018.

أما ديون القطاع الخاصّ بالعملات الأجنبيّة فسجّلت ارتفاعًا بمقدار 22 مليار دولار في العام الماضي لتصل إلى 238.9 مليار دولار منها 220.6 مليار دولار على المدى الطويل و18.3 مليار دولار من الديون القصيرة الأجل؛ ويبلغ أصل الدين المستحقّ هذا العام 70.2 مليار دولار. وتعود أكثر من نصف الديون الطويلة الأجل و 78.2% من الديون القصيرة الأجل إلى القطاع المصرفي والمالي.

باختصار، يتحوّل المواطنون من الليرة التركيّة نحو العملات الصعبة للحفاظ على قيمة مدخراتهم في ظلّ التضخّم وتدهور قيمة الليرة وكإجراء وقائي ضدّ المخاطر المتنامية والأزمات الاقتصاديّة المحتملة. وفي الوقت عينه، تقوم المصارف والشركات الخاصّة بادّخار العملات الأجنبيّة لسداد التزاماتها المستحقّة بالعملات الأجنبيّة وتجنّب الاضطرار إلى شراء هذه العملات بمعدّلات أعلى في وقت لاحق.

أدّى الاندفاع نحو العملات الأجنبيّة، الذي ظهر جليًا في إحصائيّات هيئة الرقابة والإشراف البنكي والمصرف المركزي، إلى ارتفاع أسعار الصرف وأسعار الفائدة. ويمكن أن تؤدّي أيّ عقبات أو اضطرابات تواجهها المصارف والشّركات الخاصّة في تسديد ديونها بالعملات الأجنبيّة إلى هزّات تؤثّر على الاقتصاد بأكمله. من جهة أخرى، يُعبّر النقّاد المقرّبون من الحكومة أيضًا عن مخاوفهم إزاء الاندفاع نحو العملة الصّعبة وديون القطاع الخاصّ بالعملة الأجنبيّة، محذّرين من أعراض تُذكّر بالأزمة الآسيويّة عام 1997.

من جهة أخرى، فضلاً عن حماية مدخراتهم من التضخّم، يُحقّق المواطنون الذين يتحوّلون من الليرة التركيّة نحو العملات الصّعبة أرباحًا إذ تعرض المصارف سعر فائدة يصل إلى 4% على الودائع بالعملات الأجنبيّة.

ويُذكّر الارتفاع الحالي في الودائع بالعملات الأجنبيّة، التي ارتفعت إلى 50%، بتراجع اللّيرة في خلال الأزمة الماليّة عام 2001 في تركيا، عندما بلغت حصّة الودائع بالعملات الأجنبيّة 57%. يشير هذا الاتّجاه إلى تعمق المخاوف وعدم الثقة في الصّورة المتفائلة التي ترسمها الحكومة. إذًا بدلاً من التّهجّم على وكالة "موديز" وإسكات انتقادات المعارضة للاقتصاد، من الأولى على الحكومة اتّخاذ خطوات لتهدئة المخاوف وتعزيز الثقة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept