نبض اسرائيل

القصّة وراء الضربة الإسرائيليّة السريّة على مفاعل سوريا النووي

p
بقلم
بإختصار
إسرائيل تعترف للمرّة الأولى كيف قامت منذ قرابة عقد من الزمن بتدمير مفاعل نووي بنته سوريا بمساعدة كوريا الشّماليّة.

في أواخر العام 2006، قام مدير الاستخبارات الوطنيّة الأميركيّة جون نيغروبونتي بزيارة إلى إسرائيل. وبحسب مصدر أمني تحدّث شرط عدم الكشف عن هويّته، قدّم ضبّاط شعبة الاستخبارات معلومة أتت بمثابة قنبلة موقوتة أثناء الاجتماع مع رؤساء الاستخبارات الإسرائيليّة بمقرّ الموساد في تل أبيب. فعلى هامش المحادثة التي تطرّقوا فيها إلى تحليلات أمنيّة مختلفة لجيران إسرائيل، قال الكولونيل ايلي بن مئير، رئيس وحدة التطوير التكنولوجي في الاستخبارات العسكريّة، إنّ السّوريّين يعملون بحسب تقديراته على "مشروع أسلحة غير تقليدي".

استاء أمنون سوفرين، رئيس شعبة المعلومات في الموساد، ممّا جرى، فهو لم يعط الإذن لضبّاط الاستخبارات العسكريّة بإثارة المسألة، لأنّ الموساد كان قد خلص إلى نتيجة مفادها أنّ سوريا لا تقوم بأيّ نشاط نووي. لكن بغض النظر عن ذلك، افتتح بن مئير عرضه أمام نيغروبونتي بثلاث شرائح مصوّرة حول النشاط النووي في سوريا. أتت تأكيداته متفجّرة ومثيرة للجدل في آن واحد، فالموساد، وحتى الأميركيّون برئاسة نيغروبونتي، صرفوا تقييم الاستخبارات العسكريّة باعتباره غير واقعي.

أضاف بن مئير رسومًا لغيوم سوداء إلى عرضه ووصف الوضع بـ"الغيمة النوويّة". لكن نيغروبونتي خالفه الرّأي قائلاً، "أنا خبير بكلّ ما يتعلّق بكوريا الشماليّة، ويستحيل قيام الكوريّين الشماليّين ببناء مفاعل نووي تحت رادارنا في سوريا. هذا غير ممكن".

في تلك المرحلة، كانوا ينظرون إلى بن مئير على أنّه أحمق مصاب بالهلوسة، فهم عجزوا عن إيجاد دليل قوي وقاطع يثبت إصراره الغريب على أنّ الرّئيس السوري بشار الأسد يقوم سرًا ببناء مفاعل نووي يعمل بالبلوتونيوم في قلب البادية السوريّة. لكن بن مئير كان متأكّدًا من أنّه على حقّ، إلا أنّه عجز عن تقديم إثباتات. وهو علم أيضًا أنّ كوريا الشّماليّة تقف وراء المشروع السّرّي، وهذا كان يهدّد بتغيير وجه الشرق الأوسط في غضون عام.

كشف الجيش الإسرائيلي في 21 آذار/مارس الجاري عن القصّة المتعلّقة بتحديد موقع المفاعل وتدميره، بعد أكثر من عقد تقريبًا على الحادثة. ولم يتّضح بعد ما إذا كان سيُنظَر إلى هذا الفصل كإخفاق أمني خطير من جانب إسرائيل والولايات المتّحدة، اللتين يُفترض أنّهما تتعقّبان الصادرات النوويّة من كوريا الشماليّة، أم قصّة نجاح إسرائيلي مبهر في عمليّة جرى تنفيذها بدقّة وأدّت إلى القضاء على التهديد السوري النووي.

من جهة، أقلّ ما يمكن قوله عن قدرة الأسد على بناء مفاعل نووي متطوّر يعمل بالبلوتونيوم - مع ابتعاده خطوة واحدة عن ربطه بنهر الفرات ليحوّله إلى مفاعل "ساخن" تحت أعين إسرائيل - هو أنّها مدهشة بحقّ. قال للمونيتور مصدر أمني إسرائيلي رفيع رفض الكشف عن هويّته، "لا تفوتنا أبدًا شاردة ولا واردة في البادية السورية. لكنّنا اكتشفنا هذا المفاعل في اللحظة الأخيرة". لكن من جهة أخرى، انفضح أمر هذا المفاعل في نهاية المطاف، ولو في اللّحظة الأخيرة.

اشتمّت شعبة الاستخبارات التابعة لجيش الدفاع الإسرائيلي "رائحة شيء ما". كان قد جرى في العام 2005 تحديد موقع كتلة خرسانيّة ضخمة في قلب البادية السّوريّة بالقرب من دير الزور، وقاموا بتصويرها والتحقّق منها. نفّذت فرق الموساد مهمّات لجمع المعلومات، لكنّها لم تجد شيئًا. لم تهدّئ النتيجة روع الاستخبارات العسكريّة، فطلَبَت من الموساد القيام "بمحاولة أخرى". لم يرق هذا الطلب لرئيس جهاز الموساد مئير داغان، فالوكالة كانت منهمكة بمهمات أخرى، ولم يكن هناك ما يكفي من الموارد البشريّة ذات الخبرة. لكن في النهاية، وافق داغان على المحاولة مرّة أخرى مع أنّه لم يرَ من داعٍ لذلك.

نشرت مجلّة النيويوركر في عددها لشهر أيلول/سبتمبر 2012 تقريرًا استقصائيًا زعمت فيه أنّ وكلاء الموساد اخترقوا الحاسوب الشخصي لرئيس هيئة الطّاقة الذريّة السوريّة، إبراهيم عثمان، أثناء تواجده في فيينا. وزعم التقرير أنّهم سرقوا صورًا ملوّنة لنواة المفاعل السوري العامل بالبلوتونيوم، وهي دلّت على أنّ كوريا الشماليّة ساهمت بشكل واسع في بنائه.

قبعت الموادّ التي جرى ضبطها لأيّام عدّة في مختبرات الموساد، لأنّها لم تكن ذات أولويّة ملحّة، فلم يكن أحد في الوكالة يعتقد أنّهم قد يعثرون على شيء. أرسلت الاستخبارات العسكريّة شخصًا لإحضار الموادّ، وبعد فكّ الشيفرات، ذُهِل الجميع في مقرّ الجيش بتل أبيب الذي يشكّل المركز العصبي لجيش الدفاع الإسرائيلي. تضمّنت المواد صورًا مفصّلة، ورسومات وتفاصيل دقيقة عن نواة مفاعل عامل بالبلوتونيوم.

تغيّر لون رئيس الأركان في الجيش الإسرائيلي غابي أشكنازي عندما تلقّى التقرير من رئيس الاستخبارات العسكريّة الجنرال عاموس يدلين، فالرجلان كانا يعرفان بالضبط ما يعنيه ذلك: كان الأسد على بعد أشهر فقط من الحصول على قنبلة بلوتونيوم.

في ما يتعلّق بكون هذا الفصل قصّة إخفاق أم نجاح، يرى الجنرال المتقاعد عاموس جلعاد، المدير السابق لمكتب الشؤون السّياسيّة العسكريّة في وزارة الدّفاع الإسرائيليّة، أنّه مزيج من الاثنين. قال "سيّد الاستخبارات" الإسرائيليّة للمونيتور، "صحيح أنّه كان بإمكاننا اكتشاف هذا المفاعل في وقت أبكر، لكن خلاصة الأمر هي أنّنا عثرنا عليه ودمّرناه بنجاح، وتمكّنت إسرائيل من تجنيب المنطقة حربًا إقليميّة. إذًا النتيجة النهائيّة إيجابيّة تمامًا، والجميع على حقّ".

بمجرّد أن تلقّت إسرائيل الصور المجرّمة للمفاعل السوري الكوري، أطلقت واحدة من أكثر المهام العسكريّة تعقيدًا ونجاحًا في تاريخ الأمن الإسرائيلي، وكانت هذه العمليّة أكثر تعقيدًا بكثير من عمليّة أوبرا العسكريّة التي شنّتها إسرائيل في العام 1981 على المفاعل العراقي. كان الهدف هو محو المفاعل السّوري عن وجه الأرض بدون الانجرار إلى حرب دمويّة مع الأسد الذي كان آنذاك في أوجّ قوّته، وذلك قبل اندلاع الحرب الأهليّة بعدّة سنوات.

تبيّن أنّ أحدًا في سوريا لا يكاد يعلم بعمليّة بناء مفاعل نووي يعمل بالبلوتونيوم في قلب الصحراء، فوحدهم أقرب مساعدي الرّئيس وأكثرهم جدارة بالثقة كانوا مطّلعين على المسألة، وعلى رأسهم الجنرال محمد سليمان الذي كان مسؤولاً عن العلاقات مع كوريا الشّماليّة. قُتِل سليمان في عمليّة اغتيال استهدفته في منزله الصيفي يوم 1 آب/أغسطس 2008، بعد أقلّ من عام على تدمير المفاعل. ولم تتبنَّ إسرائيل قطّ مسؤوليّة الاغتيال.

بما أنّ أحدًا في سوريا لم يكد يعلم بالمشروع السري، تأمّلت إسرائيل بأنّها قد تنجح في تدمير المفاعل بدون إشعال حرب. لن يتعرّض الأسد لإهانة علنيّة، لأنّ أحدًا لن يعلم ما جرى بالتّحديد، وعندما تتوضّح المسألة، سيكون الوضع قد هدأ. طلب إذًا رئيس الوزراء ايهود اولمرت فورًا حثّ الخطوات استعدادًا للقضاء على التهديد النووي السّوري.

شكّل أشكنازي فرقًا تعمل تحت غطاء فائق السّريّة. كانت إسرائيل لا تزال آنذاك في مرحلة التعافي من حرب تموز (حرب لبنان الثانية في العام 2006)، فترساناتها مستنزفة، وثقة جيش الدفاع الإسرائيلي متدنيّة. حدّد أشكنازي ثلاثة أهداف: تدمير المفاعل، وفعل المستحيل لتفادي نشوب الحرب والفوز بشكل حاسم في حال اندلاعها.

كانت المهمّة الأولى سهلة نسبيًا، فالعمليّة الاستخباراتيّة زوّدتهم بكميّة كبيرة من المعلومات، وكانت إسرائيل تعرف الموقع الدقيق لنواة المفاعل النووي الكامن تحت غطاء خرساني، وكذلك عدد القنابل المحدّد اللازم لاختراقه وتدمير المفاعل. وقال أشكنازي في مقابلة أجراها مؤخّرًا مع المونيتور إنّه "كان من الضّروري إزالة المفاعل بالكامل حتّى لا يحصلوا على فرصة لإعادة بنائه".

لكنّ السؤال الكبير كان كيف يمكن منع الحرب؟ علم كلّ من اولمرت وقيادة جيش الدفاع الإسرائيلي أنّ الأسد سيبقى قادرًا على إطلاق الصواريخ بعد الهجوم على المفاعل، وهو مشروع كان يعتمد عليه لفرض نفوذ سوريا في الشرق الأوسط في العقد التالي. وللحدّ من هذا الاحتمال، قرّرت إسرائيل تأمين "مجال للإنكار" من شأنه أن يسمح للأسد بالتصرّف وكأنّ شيئًا لم يحدث. وواقع أنّ أحدًا في سوريا لم يكن يعلم بوجود المفاعل سمح بتطبيق هذه الاستراتيجيّة. تمثّل الشّرط الأساسي بالتزام إسرائيل الصمت اللاسلكي أثناء العمليّة وبعدها. وقرّر المسؤولون الإسرائيليّون عدم الردّ على الأسئلة حول النشاط الجوّي الغامض فوق البادية السّوريّة، وتجاهل الحدث بالكامل.

نظرًا إلى العلاقة الخاصّة المتّسمة بالثقة التي تجمع بين أولمرت والرّئيس الأميركي جورج دبليو بوش، حاول اولمرت إقناع الأميركيّين بتنفيذ المهمّة بأنفسهم، لكنّه فشل في مسعاه. فباستثناء نائب الرئيس ديك تشيني، اعترض جميع المسؤولين الأميركيّين الذين جرى إطلاعهم على الفكرة. اقترح بوش تقديم المعلومات عن المفاعل لمجلس الأمن الدولي، ما أثار ذعر أولمرت. فهو عرف أنّ فضح أمر المفاعل والاعتماد على الجهود الدّبلوماسيّة حلٌّ لن يؤتي ثماره. لن يقبل الأسد أبدًا التخلّي عن الوسيلة التي من شأنها أن تجعل من بلاده قوّة نوويّة إقليميّة بين ليلة وضحاها. في الوقت عينه، طمأن بوش أولمرت إلى أنّه لن يقف في طريقه، وإلى أنّ الولايات المتّحدة ستقدّم الدّعم لإسرائيل في حال قرّرت تنفيذ العمليّة بنفسها.

يوم 4 أيلول/سبتمبر 2007 في واشنطن، أراد صحفي من قناة فوكس نيوز الاستفسار من ممثّل الموساد في السفارة الإسرائيليّة عن وجود مفاعل نووي سوري. ارتعبت حينها إسرائيل؛ فقد بدأت المسألة برمتها تتسرّب، وليست إلا مسألة وقت قبل خروجها إلى العلن. اتّخِذ قرار الهجوم تلك اللّيلة، وجرى تنفيذ المهمّة قبل بزوغ فجر يوم 5 أيلول/سبتمبر.

كانت الخطّة العسكريّة المعتمدة بديلاً "هادئًا" اقترحه اليعازر شكيدي، قائد سلاح الجوّ الإسرائيلي. تجدر الإشارة إلى أنّ اعتماد خطّة بديلة أخرى كان ليضمن التدمير الكلي للمفاعل لكنّه كان ليحدّ من إمكانيّة الحفاظ على الهدوء والتزام الصّمت اللاسلكي. وما كان ليتحقّق شرط اولمرت وأشكنازي الثاني، المتمثّل بتفادي نشوب حرب. لهذه الأسباب، اختاروا البديل الهادئ الذي استُعمِلت في إطاره ثماني طائرات لإلقاء سبعة عشر طنًا من المتفجّرات بشكل قنابل موجّهة بدقّة على الموقع المحدّد لنواة المفاعل.

بعد إكمال المهمّة بنجاح، اتّصل اولمرت بالرئيس بوش الذي كان في زيارة إلى استراليا. وبحسب مصدر أمني اشترط عدم الكشف عن هويّته، دارت المحادثة التالية بينهما: "أين أنت؟" سأل اولمرت. "سيدني"، أجاب بوش. "كيف حال سيدني؟ أهي جميلة؟" سأل اولمرت. لم يستطع بوش أن يصبر أكثر فسأله، "إذًا، دولة الرئيس، ما الذي أردت أن تخبرني به؟"

علم الرّئيس أنّ إسرائيل نفذّت هجومها، لكن لم يكن بإمكانهما مناقشة المسألة عبر الهاتف. فقال اولمرت، "أتذكر عندما تحدّثنا عن ذلك الشيء في الشّمال؟" "أنا أذكر" ردّ بوش. "أردتك فقط أن تعلم أنّه لم يعد موجودًا"، قال اولمرت. "ما احتمالات قيام الطرف الآخر بالرّدّ؟" سأل بوش. "تقديراتنا أنّ الاحتمالات ضئيلة"، أجاب اولمرت. فاختتم بوش بقوله، "أريدك أن تعلم أنّ أميركا تساندك في حال ولّد ذلك أيّ ردّ فعل". سرّ اولمرت لسماع ذلك وقال، "شكرًا سيّدي الرئيس".

بحلول صباح اليوم التالي، قدّمت الاستخبارات دلائل على أنّ المفاعل أزيل بالفعل ودُمِّر بالكامل، وما من إمكانيّة لإعادة بنائه. وبعدها ببضعة ساعات، أتت المعلومات بشأن احتمال الثّأر، وقال رئيس الاستخبارات العسكريّة يدلين، "تقديري المتحفّظ هو أنّ الأسد سيتلقّى الحادثة بدون أن يثأر". فتنفّس اولمرت الصعداء.

بعد مرور بضعة أيّام، توجّه زعيم المعارضة في الكنيست بنيامين نتنياهو إلى استديو الأخبار في القناة الأولى وكسر الصّمت الإعلامي. قال نتنياهو إنّه علم بشأن المهمّة وكان يجري إطلاعه على آخر المستجدّات، وإنّه أيّد رئيس الوزراء. شعر اولمرت بالرّعب في خلال ظهور نتنياهو التلفزيوني، لكن يبدو أنّ السّوريّين لم يشاهدوه. واستمرّ صمتهم وكذلك تحفّظهم. والآن بعد عقد من الزمن، تعترف إسرائيل بالحادثة التي نسبها العالم بأسره إليها، مع أنّه يبدو أنّ القصّة الكاملة لن تروى يومًا.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept