نبض تركية

"غصن الزيتون" تكسب أردوغان أصدقاء في الداخل لكنّها قد تضعه في مواجهة مع الولايات المتّحدة

p
بقلم
بإختصار
على الرغم من نجاح عمليّة أنقرة العسكريّة في سوريا في حشد الأتراك حول الرئيس رجب طيب أردوغان، من المحتمل أن يدخل هذا الأخير في مواجهة عسكريّة مع الولايات المتّحدة.

حقّق الرئيس التركيّ رجب طيب أردوغان أحد أهدافه الرئيسيّة بتنفيذ عمليّة "غصن الزيتون" ضدّ وحدات حماية الشعب في عفرين. فقد نال دعم أكثريّة الأتراك، إن لم يكن جميعهم، الذين يميلون إلى الاتّحاد في أوقات مماثلة.

واستذكر الصحافيّ فهمي كورو، الذي كان في فترة من الفترات مقرّباً من أردوغان، في مقال مؤخّراً أنّ رئيس الوزراء بولنت أجاويد ذا الاتجّاه اليساريّ نظّم انتخابات مبكرة بعد إرساله الجيش إلى قبرص سنة 1974، وحقّق فيها فوزاً ساحقاً. لكنّه أشار أيضاً إلى أنّ ونستون تشرشل خسر في الانتخابات الأولى بعد الحرب العالميّة الثانية على الرغم من دوره في هزيمة ألمانيا في عهد هتلر.

أيّاً كانت حسابات أردوغان، قد لا تسير الأمور بالسلاسة التي يتوقّعها في سوريا، ولا سيّما مع بروز احتمال حصول مواجهة عسكريّة بين تركيا والولايات المتّحدة.

فالدعم الأميركيّ لوحدات حماية الشعب وحزب الاتّحاد الديمقراطيّ التابعة له، اللذين تقول أنقرة إنّهما منظّمتان إرهابيّتان مرتبطتان بحزب العمّال الكردستانيّ المحظور، يستمرّ في تأجيج التوتّرات بين أنقرة وواشنطن.

في هذه الأثناء، رفع أردوغان الرهان أكثر. فهو يقول الآن إنّ تركيا لن تحرّر عفرين فحسب، بل أيضاً مدينة منبج الواقعة غرب نهر الفرات، وجميع الأراضي التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب على طول الحدود التركيّة مع سوريا شرقي الفرات.

وتتخطّى مساحة هذه الأراضي مساحة بعض الدول العربيّة مجتمعة، وهي تخضع حالياً لسيطرة وحدات حماية الشعب مع دعم أميركيّ بريّ وجويّ. وبالتالي، فإنّ احتمال حصول مواجهة عسكريّة بين تركيا والولايات المتّحدة ليس أمراً يستطيع أيّ من الطرفين تجاهله.

وقال أردوغان لأعضاء حزبه في أنقرة في 26 كانون الثاني/يناير: "سوف تستمرّ معاركنا حتّى القضاء على جميع الإرهابيّين، وصولاً إلى حدودنا مع العراق".

لكنّ واشنطن تقول إنّها لا تعتزم الانسحاب من منبج كما فعلت موسكو في عفرين، من أجل تسهيل الهجوم التركيّ. وقال قائد القيادة المركزيّة الأميركيّة، الجنرال جوزف فوتل، لقناة "سي أن أن" إنّ سحب القوّات الأميركيّة من منبج "ليس أمراً ننظر فيه".

وأشار وزير الخارجيّة ريكس تيلرسون في جامعة "ستانفورد" الأسبوع الماضي إلى أنّ الولايات المتّحدة ستبقى في سوريا وتتعاون مع حلفائها المحليّين من أجل محاربة تنظيم الدولة الإسلاميّة واحتواء النفوذ الإيرانيّ في سوريا.

ومن المستبعد أن يتراجع أردوغان عن موقفه لأنّه قد يفقد مصداقيّته السياسيّة في الداخل. لكنّ مهمّته في سوريا لن تكون سهلة. ويرى العميد المتقاعد نعيم بابوروغلو أنّه حتّى لو سمحت واشنطن لتركيا بالدخول إلى منبج كجزء من تدبير دبلوماسيّ، يبقى من المستبعد أن تعطي القوّات التركيّة الضوء الأخضر للتقدّم شرقاً.

وقال بابوروغلو لصحيفة "حرييت" في مقابلة مطوّلة إنّه ليس لدى أنقرة خيار سوى مواجهة المخاطر والتحرّك شرقي الفرات من أجل تفادي ما أسماه "خطراً وجوديّاً" على تركيا.

وأضاف، معبّراً عن آراء الكثير من المسؤولين الأتراك: "طالما أنّ الولايات المتّحدة باقية في سوريا، سيزداد الخطر على تركيا من حزب العمّال الكردستانيّ – حزب الاتّحاد الديمقراطيّ، اللذين سيتجذّران هناك". لكنّه حذّر من أنّه سيتعيّن على تركيا تحقيق سلام مع دمشق والتعاون بشكل وثيق مع روسيا وإيران إذا أرادت النجاح.

وعلى ضوء هذه التصاريح، بات المستحيل ممكناً. فإنّ مقتل جنديّ تركيّ واحد أو جنديّ من البحريّة الأميركيّة في مواجهة قد يشعل أزمة غير مسبوقة بين البلدين ويعلن نهاية العلاقة الاستراتيجيّة القديمة بين أنقرة وواشنطن، ما من شأنه أن يفرح قلب موسكو وحزب الاتّحاد الديمقراطيّ.

لكنّ أردوغان يستعجل الأمور ربّما. فالجيش التركيّ وحلفاؤه من الجيش السوريّ الحرّ ما زالوا بعيدين كلّ البعد عن إنجاز المهمّة في عفرين، مع أنّ الجيش التركيّ سينتصر في النهاية على الأرجح. ويبقى عامل الوقت مهمّاً بما أنّ أيّ عمليّة تستمرّ لأشهر عدّة سترافقها مخاطر غير متوقّعة.

في هذه الأثناء، إنّ ارتفاع عدد الإصابات في صفوف الجيش التركيّ وارتفاع عدد المدنيّين الذين يلقون حتفهم في تركيا بسبب قصف وحدات حماية الشعب وارتفاع الأضرار التبعيّة في صفوف المدنيّين في عفرين قد تقلب المعادلة وينتج عنها تداعيات داخليّة ودوليّة سلبيّة. ويشكّل التعامل مع ذلك كلّه تحدّياً كبيراً بالنسبة إلى أردوغان.

وفي الوقت نفسه، يبدو أنّ التوتّرات بين أنقرة وواشنطن ستستمرّ. فقد عكست الأزمة الناجمة عن التصاريح التي أدلى بها الجانبان بعد مكالمة أردوغان الهاتفيّة مع الرئيس دونالد ترامب الأسبوع الماضي تراجعاً في العلاقات بين البلدين. وبغضّ النظر عن النقاش الفعليّ الذي دار بين أردوغان وترامب، تدعم واشنطن نصّ البيت الأبيض عن المكالمة، وإن كانت أنقرة تقول إنّه لا يعكس الحقيقة.

 وفي النصّ، هناك دعوة لتركيا إلى "التوقّف عن تصعيد عمليّاتها العسكريّة والحدّ منها"، وأيضاً إلى "تفادي أيّ أفعال قد تؤدّي إلى نزاع بين القوّات التركيّة والأميركيّة"، وإشارة إلى أنّ واشنطن بدأت تأخذ احتمال حصول هكذا مواجهة بعين الاعتبار.

وتستمرّ المحادثات في هذا الوقت بين أنقرة وواشنطن من أجل محاولة التخفيف من حدّة التوتّر. وكتب مستشار أردوغان المقرّب والمتحدّث باسمه، ابراهيم كالين، في بيان في 29 كانون الثاني/يناير بعد مكالمة هاتفيّة مع مستشار الأمن القوميّ الأميركيّ إتش آر ماكماستر أنّ واشنطن طمأنت تركيا من أنّها لن تقدّم "أيّ أسلحة إضافيّة إلى حزب الاتّحاد الديمقراطيّ/وحدات حماية الشعب".

لكنّ واشنطن لم تدلِ بأيّ تصريح بشأن هذه المكالمة، ونظراً إلى تضارب الأقوال حول المكالمة بين أردوغان وترامب، شكّك الكثيرون في تركيا في تصريح كالين.

وقالت الصحافيّة هاندي فيرات من صحيفة "حرييت"، والتي لديها مصادر جيّدة من داخل الرئاسة والحكومة، في تحليلها للمكالمة بين كالين وماكماستر إنّ تركيا أوضحت مطالبها من الولايات المتّحدة. وأشارت إلى أنّ هذه المطالب هي وقف جميع إمدادات الأسلحة إلى وحدات حماية الشعب واسترجاع الأسلحة التي تمّ تسليمها حتّى الآن والتوقّف عن تدريب وحدات حماية الشعب ووقف الدعم اللوجستيّ للمجموعة وقطع العلاقات معها نهائياً. ويتوقّع القليلون أن تتمّ الاستجابة لمطالب أنقرة.

وإنّ الأدميرال المتقاعد جيمس ستافريديس، القائد السابق لحلف شمال الأطلسي في أوروبا، هو من الأصوات الأميركيّة القليلة التي تحضّ واشنطن على عدم تفضيل الأكراد على تركيا.

وكتب ستافريديس في مقال لـ "بلومبرغ": "تكمن مصلحة الولايات المتّحدة الاستراتيجيّة بشكل عامّ في إبقاء تركيا على الخطّ نفسه مع حلف شمال الأطلسي والدول العابرة للأطلسي. وستكون رؤية تركيا تبتعد عن ذلك المدار وتصطفّ إلى جانب روسيا وإيران في المشرق غلطة جيوسياسيّة ذات أبعاد شبه ملحميّة". وتجدر الإشارة إلى أنّ ردود الفعل المتحفّظة نسبياً التي صدرت عن حلفاء تركيا في حلف شمال الأطلسي في ما يتعلّق بعمليّة "غصن الزيتون" قد تتغيّر في الأيام والأسابيع المقبلة، خصوصاً في حال ارتفاع عدد الإصابات المدنيّة.

وإنّ الضغوط المتزايدة على الأتراك الليبراليّين والناشطين السياسيّين الأكراد المعارضين لعمليّة أنقرة والذين يواجهون ردّاً غاضباً من أردوغان ومؤيّديه في الإعلام قد تدفع أوروبا أيضاً إلى اتّخاذ موقف أكثر صرامة ضدّ تركيا. ويحتدم الجدل في ألمانيا حول ما إذا كان ينبغي فرض حظر على الأسلحة على تركيا بسبب استعمالها دبّابات ألمانيّة من نوع "ليوبارد" في عمليّتها في سوريا.

يبدو إذاُ أنّه يتعيّن على أردوغان اجتياز عوائق وحواجز كثيرة قبل تحقيق أهدافه من إرسال الجيش التركيّ إلى سوريا. من جهة أخرى، إذا قرّرت واشنطن الاستجابة لقسم كبير من مطالب أنقرة، فسيشكّل ذلك انتصاراً كبيراً لأردوغان ويمنحه قوّة سياسيّة يصعب الوقوف في وجهها. لكنّ هذا الاحتمال يبقى بعيد المنال.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept