نبض تركية

هل أنقرة بانتظار الضوء الأخضر من روسيا في عملية عفرين؟

p
بقلم
بإختصار
على الرغم من أنّ تركيا نوّهت مراراً إلى عملية وشيكة ضدّ عفرين في شمال سوريا، يبدو أنّها لا تزال بانتظار الضوء الأخضر من روسيا.

في تصريحات متشدّدة صدرت يومياً هذا الأسبوع، كرّر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان عزم تركيا على إطلاق عملية حدودية ضدّ منطقة عفرين في سوريا التي تسيطر عليها وحدات حماية الشعب الكردية.

كان تصريحه في 13 كانون الثاني/يناير خصوصاً في غاية الصراحة: "لا تشكّوا على الإطلاق. قد نصل فجأة في إحدى الليالي، وإذا لم يستسلم الإرهابيون في عفرين، سنهبّط المنطقة فوق رؤوسهم وسيرون ما يمكننا فعله قبل انقضاء الأسبوع".

كانت هذه المرّة الأولى التي تعطي فيها تركيا موعداً للعملية المخطّط لها، وقد شارف الأسبوع على الانتهاء. تستمرّ في الوقت نفسه تحضيرات تركيا المكثفة في شمال وغرب عفرين على قدم وساق، ويتمّ تناقلها بشكل واسع. 

كما تعجّ وسائل الإعلام التركية بعناوين كبيرة مثل "القوات المسلّحة التركية جاهزة". وصلت أوّلاً الوحدات المدرّعة والآلية وتبعتها وحدات الكوماندو إلى الحدود.

نسمع دائماً عن الأعمال الهندسية التي تجري على الحدود، بما في ذلك الجدران الصلبة والمخابئ والمواقع المعزّزة والحاويات. تعلم تركيا أنّ وحدات حماية الشعب في عفرين كانت تحفر الأنفاق بشكل جنوني وتبني منشآت إسمنتية تحت الأرض للدفاع عن نفسها من النيران المدفعية التركية على مدى العامين الماضيين. في مقابل أساليب الدفاع التي اعتمدتها وحدات حماية الشعب، يُقال إنّ أنقرة خطّطت لعملية من أربع مراحل:

  • أوّلاً، تستهدف الطائرات الحربية التركية الأهداف الإستراتيجية في عفرين لأسبوع أو أسبوعين وتجعلها ضعيفة أمام العمليات البرية.
  • ثمّ، تدخل القوات المسلّحة التركية إلى عفرين من الشمال والغرب ويتقدّم حليفها الجيش السوري الحرّ من الشرق لتجتمع في وسط عفرين.
  • في موازاة الهجوم الثلاثي الجهات، يتمّ بناء منشآت عسكرية ذات دفاعات معزّزة لتأمين مناطق الدعم الخلفية.
  • تتوسّع العملية جنوباً وتصل إلى حواجز المراقبة التي أقامتها تركيا في شمال إدلب والتيقّظ لردود فعل روسيا والولايات المتحدة.

ذكر بيان أصدره مجلس الأمن القومي في تركيا بعد اجتماعه في 17 كانون الثاني/يناير أنّ أنقرة عازمة على إطلاق عملية عفرين.

كانت أنقرة قلقة من تهميشها وإبعادها عن الصورة في شرق وغرب نهر الفرات ومن تجاهلها في التطوّرات في شمال سوريا. الجيش التركي مستعدّ للتحرّك على الحدود ولكن منذ صباح 18 كانون الثاني/يناير، علماً أنّه لم يتبقَّ سوى يومان من مهلة 20 كانون الثاني/يناير التي أعلنها إردوغان، لم تكُن أيّ عملية تلوح في الأفق بعد.

ما الذي تنتظره أنقرة إذاً؟

في الواقع، الإجابة بسيطة على الرغم من أنّها غير مُعلنة: أنقرة بانتظار الضوء الأخضر من موسكو.

ما الذي تنتظره أنقرة إذاً؟ في الواقع، الإجابة بسيطة على الرغم من أنّها غير مُعلنة: أنقرة بانتظار الضوء الأخضر من موسكو.

لدى الانتهاء من كتابة هذا المقال، وصلتنا تقارير عن أنّ رئيس الأركان التركي خلوصي آكار ورئيس جهاز الاستخبارات الوطنية التركية هاكان فيدان ذهبا إلى موسكو في زيارة غير متوقّعة للقاء رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف. من دون شكّ، عفرين هي أولى البنود على جدول أعمال الثلاثة.

تتلقى وسائل الإعلام الإخبارية التركية تشجيعاً ممنهجاً لقرع طبول الحرب بغية تجييش المشاعر الجماهيرية المعادية للولايات المتحدة عبر القول إنّ العملية في شمال سوريا ستهدف إلى تخريب التحالف بين الولايات المتحدة ووحدات حماية الشعب الكردية وإنّ العملية في عفرين ستتوسّع نحو منبج. في 14 كانون الثاني/يناير، ازداد الحماس الإعلامي لاستهداف الولايات المتحدة عندما صرّح مسؤول عن العلاقات العامة في قوة المهام المشتركة أنّ الولايات المتحدة تساعد على تشكيل جيش يصل إلى 30 ألف محارب، أغلبهم من وحدات حماية الشعب الكردية، لحماية المناطق الحدودية. وضّح المتحدث بإسم قوّة المهام المشتركة ريان ديلون لاحقاً التصريح، قائلاً إنّ عفرين خارج نطاق مسؤولية هذه القوّة التي تستمرّ في التركيز على دحر الدولة الإسلامية في مناطق سورية أخرى.

مباشرة بعد هذا البيان، صرّح المتحدّث بإسم البنتاغون أدريان رانكين غالاواي أن "لا وجود لبرنامج تدريب وتقديم المشورة والمساعدة في عفرين". أحبطت هذه التوضيحات رغبة حكومة أنقرة ووسائل الإعلام الداعمة للحكومة بالإيحاء بأنّ "عملية عفرين موجّهة ضدّ الولايات المتحدة".

بالنظر إلى الوضع على الأرض، يتطلّب سير عملية عفرين بسلاسة موافقة روسيا. إذا التمست أنقرة موافقة موسكو، قد تحصل عليها لأنّ روسيا بحاجة ماسّة إلى انتصار عسكري تتجرّعه الساحة المحلية السياسية. في هذه الحالة، قد تمنح روسيا الضوء الأخضر لتركيا لإطلاق عملية مختصرة مع أهداف محدودة وقد تصرّ روسيا على أن تسلّم تركيا إدارة عفرين للأسد بعد إبقاء الجيوش التركية في المنطقة لفترة وجيزة.

هذا كلّه مقبول، ولكن هل تجرؤ أنقرة أن تبدأ عملية من دون الموافقة الروسية؟ قد يكون ذلك ممكناً، ولكن سيكلّفها ذلك كثيراً. لكنّ الخطر الأكبر هو أن تتحوّل الاشتباكات إلى صراع عسكري طويل ومدمّر في منطقة يبلغ عدد سكّانها 200 ألف.

في نهاية المطاف، فإن الحقيقة المريرة التي تواجهها تركيا هي التالية: نعم، يمكن أن تبدأ أنقرة عملية من دون روسيا، ولكنّ روسيا قادرة على تجميع المخاطر العسكرية والاقتصادية والسياسية على أنقرة من خلال إطالة أمد العملية قدر ما تشاء. والكلفة السياسية على إردوغان عالية في الانتخابات الرئاسية لعام 2019. لهذا السبب، لا أظنّ أنّ أنقرة قد تشنّ عملية من دون رضا روسيا.

إذا حصلت تركيا على موافقة روسية، يجب رصد ثلاثة مؤشرات ميدانية عن كثب لتحديد التاريخ المحتمل لانطلاق العملية.

المؤشر الأول هو قيام روسيا بفتح المجال الجوي لعفرين أمام تركيا. كانت الحقيقة الأولى المريرة التي تعلّمناها خلال عملية درع الفرات هي أنه من أجل مواكبة وتيرة عملية ضدّ عدوّ شديد التوغّل مع دفاعات متقدّمة مضادة للدروع، تحتاج إلى دعم جوي متواصل على مدار الساعة. من أجل الحصول على الدعم اللوجستي العاجل والإبقاء على معنويات القوات عالية، لا غنى عن طائرات الهليكوبتر. هذا المؤشر يجب الوثوق به أكثر من تجميع تركيا للدبابات والمدفعية والعربات المدرعة على طول الحدود. وجود طائرات تركية فوق عفرين دليل على أنّ روسيا موافقة على العملية.

المؤشر الثاني هو انسحاب حوالي 300 جندي روسي منتشر في عفرين لمهمّة تفادي التضارب. حتى الآن، لم ترد تقارير إعلامية عن مغادرة الجنود الروس. ومن غير المحتمل ان تشنّ تركيا عملية ضدّ عفرين طالما أنّ الجنود الروس هناك.

أمّا المؤشر الأخير، فهو وجود المدفعية. من أجل ضمان تغطية كاملة من المدفعية لعفرين، نظراً لطبيعة تضاريسها الجبلية نسبياً، ستحتاج تركيا إلى تركيز مدفعية هاوتزر، عيار 155 ملم، جنوب عفرين. ولم أرَ حتى الآن أي تقارير عن هذا الانتشار.

في ظلّ غياب هذه المؤشرات الثلاث، لا أتوقع عملية وشيكة، على الرغم من تعبير أنقرة الصاخب عن عزيمتها على شنّها وجميع التجهيزات التي رافقتها ضجة غير اعتيادية. أمّا موسكو، فملتزمة بالصمت ولم تعطِ الضوء الأخضر لا شكّ.

السؤال التالي هو: لمَ قد تمتنع موسكو عن الموافقة على إطلاق تركيا لهذه العملية، علماً أنها حليفتها الإستراتيجية في سوريا؟

أعتقد أنّ العامل الأساسي الذي رسم معالم ديناميكيات مرحلة ما بعد الدولة الإسلامية هو الصراع على السيطرة بين الولايات المتحدة التي تهيمن على منطقة شرق نهر الفرات، وروسيا التي تسيطر على غربها. ثمة ثلاثة أهداف ملحوظة وراء صراع السيطرة:

  1. تفادي اندلاع حرب أهلية جديدة (يجب ضبط سوريا).
  2. كبح إيران التي تبدو عازمة على تعزيز نفوذها في جنوب وجنوب شرق حلب.
  3. تهميش ودحر العمليات السلفية والجهادية في شمال سوريا.

لتحقيق هذه الأهداف ولتتمكّن الولايات المتحدة من التوسّع في غرب الفرات ولتستطيع روسيا التوجه شرقاً، يريد الطرفان استعمال وحدات حماية الشعب الكردية كمتعهدة محلية ثانوية لها. يذكّرنا هذا التنافس بين القوتين بالمناكفات والحزازيات بين الطائرات الأمريكية والروسية فوق الفرات مؤخراً.

وفقاً لمفاوضات السلام في الأستانة في كازاخستان، كانت تركيا ستقيم 14 مركزاً للمراقبة العسكرية لمراقبة جهود تخفيف التصعيد حول إدلب، ولكن لم يتمّ إنشاء سوى أربع مراكز. تقول المصادر الروسية التي تصرّ على عدم ذكر اسمها إنّ جهود أنقرة بطيئة جداً. صرّح وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف في 11 كانون الثاني/يناير: "ما زلنا بانتظار قيام تركيا باقامة مراكز المراقبة في أقرب وقت ممكن".

في عام 2017، كانت موسكو قد عرضت على أنقرة فرصة لمسح المنطقة عبر دفع العناصر الراديكالية في إدلب إلى الخروج من المدينة من دون أذية ومن دون سلاح. لكن تأخّر الردّ التركي ولم يكُن أداؤها الميداني عند حسن التوقعات الروسية. لذلك، قد تكون خيبة روسيا من الأداء التركي قد دفعتها إلى إعطاء الضوء الأخضر للجيش السوري للهجوم في شمال إدلب.

بمعنى آخر، تعتقد روسيا أنّ تركيا تماطل في الالتزام بوعودها بإعادة رسم معالم المعارضة السنية في غرب الفرات لتصبح لاعباً متراصّ الأقوال ولفصل الجماعات السنية المسلّحة عن الجماعات المتطرّفة المرتبطة بهيئة تحرير الشام. قد تزعزع عملية عفرين الترتيبات الهشة التي حاولت روسيا جاهدة وضعها في غرب الفرات. بالطبع، ستكون الولايات المتحدة الجهة الأسعد في هذا الوضع لأنها تفضّل العمل وحدها مع وحدات حماية الشعب الكردية شرق الفرات وترك أزمة تركيا ووحدات حماية الشعب الكردية المتفاعلة في أيدي روسيا.

يسهل تقدير ارتياح واشنطن لبقائها خارج مسألة عفرين في حين تتخبّط موسكو بجهود متواصلة لإدارة الأزمة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept