نبض إيران

كيف يستطيع روحاني استعمال الاحتجاجات للنهوض بالإصلاح

p
بقلم
بإختصار
ما زلنا نفتقر إلى الإجابات عن بعض الأسئلة الرّئيسيّة حول الاحتجاجات في إيران، لكنّ ذلك لا يحول دون قدرة الرّئيس روحاني على الاستفادة من التظاهرات للنهوض بأجندته.

في اليوم الرابع من الاحتجاجات في إيران، ما زلنا نفتقر إلى الإجابات على أسئلة رئيسيّة، مع أنّ بعض الاتّجاهات المستجدّة تقدّم أدلّة هامة على ما قد يأتي لاحقًا.

بدأت الاحتجاجات في مدينة مشهد شمال شرق البلاد، وامتدّت الآن إلى معظم المدن الإيرانيّة. لكن بعض المراكز الحضريّة الكبرى كطهران وتبريز لم تشهد بعد تظاهرات كبيرة بحجم التي جرت في أعقاب الانتخابات الرّئاسيّة المتنازع على نتائجها في العام 2009. لذا من الناحية الجغرافيّة، يتمثّل الاتّجاه السّائد في احتجاجات لامركزيّة في المحافظات. بالإضافة إلى ذلك، يبدو العدد الفعلي للمحتجّين محدودًا، ولو كان لا يجوز الاستخفاف بتأثيرهم. على سبيل المثال، أفيد عن أعمال عنف في مدينة كاشان بوسط إيران شملت إحراق سيارة للشرطة؛ وقام أحدهم بتقدير عدد المحتجّين هناك في 30 كانون الأوّل/ديسمبر ببعض مئات فقط. إذًا مع أنّ مجموعات المحتجّين الصّغيرة قد لا تشكّل كتلة حرجة، قد تواجه السّلطات صعوبة في مواجهتها.

يتّضح أيضًا أنّ الوسيلة الأساسيّة لحشد المتظاهرين هي تطبيق الهاتف الذكي الرّائج تلغرام الذي يستعمله 40 مليون مستخدم في إيران. غطّى المونيتور عن كثب في السّابق مدى شعبيّة تلغرام، وكيف سعت السّلطات إلى الحدّ من انتشاره، وكيف ساهم في تغيير الإعلام الإيراني. في شهر نيسان/أبريل، طلب المجلس الأعلى للفضاء الافتراضي في إيران من المشرفين على القنوات الذين يتابعهم أكثر من 5,000 شخص التسجّل لدى وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي. وأتت هذه الخطوة بعد تشديد الإجراءات على المشرفين على القنوات الإصلاحيّة قبيل انتخابات شهر أيار/مايو 2017 الرّئاسيّة. وقد فاز الرّئيس حسن روحاني، المتحالف مع المعسكر الإصلاحي، بولاية ثانية في تلك الانتخابات.

يبدو أنّ قناة آمد نيوز على تلغرام أدّت دورًا محوريًا في موجة الاحتجاجات. تمتّعت القناة عشيّة الاحتجاجات بعدد متابعين كاد يصل إلى مليون، وقيل إنّ المشرف عليها هو الصّحفي المنفي روح الله زام، ابن رجل دين إصلاحي بارز يقال إنّه فرّ من البلاد بعد اتّهامه بالارتباط بأجهزة استخبارات أجنبيّة. وقد ازداد هذا العدد سريعًا قبل أن يستجاب لطلب وزير الاتّصالات وتقنيّة المعلومات محمد جهرمي يوم 30 كانون الأوّل/ديسمبر بأن يقوم مؤسّس تلغرام بافيل دوروف بإغلاق آمد نيوز على خلفيّة التحريض المزعوم على العنف. والجدير بالذكر أنّ الطّلب الإيراني نُشِر علنًا على تويتر الذي ما زال محجوبًا في البلاد. جرى أيضًا إغلاق القنوات المتطابقة التي برزت بعد إيقاف آمد نيوز، باستثناء موقع متطابق واحد كان لا يزال ناشطًا مع ما يقارب 900,000 متابع في وقت كتابة هذا المقال. فضلاً عن ذلك، يبدو أنّ السّلطات الإيرانيّة انتقلت إلى تقييد خدمات البيانات المتنقّلة في بعض المناطق، مع أنّ خدمة النطاق العريض ما زالت تعمل. بالإضافة إلى ذلك، يقال إنّه جرى حجب تلغرام وانستغرام "موقّتًا" في بعض المناطق، وهما لم يجر حظرهما في إيران حتّى الآن.

في حين تتّضح ماهيّة وسيلة الحشد المستعملة، ما زلنا نجهل من يقود الاحتجاجات، سواء أكان شخصًا أم مجموعة. وإنّ غياب قائد محدّد ترك السّلطات عاجزة عن توجيه أصابع الاتّهام، كما في العام 2009، ما عدا الاتّهامات المعتادة الموجّهة إلى أجهزة الاستخبارات الأجنبيّة والدّول المعادية. وإنّ سرعة الانتشار الجغرافي للاحتجاجات إلى جانب الغياب الواضح لقائد لها أدّى، بحسب بعض الروايات، إلى إرباك بعض المحتجّين حتّى، ناهيك عن معظم المراقبين السّياسيّين. وقد يقدّم ذلك فرصة لمجموعات متعدّدة كي تنسب الاحتجاجات لنفسها.

علاوة على ذلك، لا تبدو مطالب المحتجّين موحّدة. فتختلف الهتافات والشعارات، وتتراوح بين انتقاد "غلاء الأسعار" والمطالبات الصّريحة بإسقاط الجمهوريّة الإسلاميّة. ولفهم الوضع بشكل أفضل، يجب النّظر في سؤال مهمّ وهو من الذي يحتجّ تحديدًا.

تتغيّر الدّيمغرافيا في إيران: ففي العام 2013، بلغ متوسّط عمر النّاخب الإيراني 38 عامًا، أكبر بثلاث سنوات مقارنة بالعام 2009. وإنّ تقدّم سنّ السّكّان الإيرانيّين يغيّر بشكل واضح المطالبات الشّعبيّة، وأدّى حتّى الآن إلى مزيد من البراغماتيّة والتركيز على المسائل الاقتصاديّة، وهو تحوّل نجح الرّئيس روحاني في التنبّه له في الانتخابات الأولى التي فاز بها عام 2013 والثانية عام 2017. لكنّ الإدارة تبقى غارقة في التّحدّي المتمثّل بضرورة خلق ما يصل إلى مليون وظيفة سنويًا، وذلك فقط للحؤول دون ارتفاع معدّل البطالة. وهكذا، على الرّغم من النموّ الاقتصادي القوي المتوقّع لهذا العام ولباقي عهد روحاني، تتوقّع بعض المؤسّسات كصندوق النّقد الدّولي أن تقترب نسبة البطالة من 12% في بداية عقد 2020. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الرّقم أكثر ارتفاعًا بكثير بين الشّباب والنساء.

تشير شهادات شهود العيان، فضلاً عن أشرطة الفيديو، إلى أنّ المحتجّين هم من الشباب بأغلبيّتهم السّاحقة. قال عالم اجتماعي مقيم في طهران لم يذكر اسمه، للصّحفي الإيراني بورزو درغاهي، "الجيل الجديد هو الذي نزل إلى الشّوارع هذه المرّة. جيل تسعينيّات القرن الماضي! جيل لا يعرف أيّ حدود. جيل ليس لديه أيّ مرشّح في السّباق!" وأضاف العالم الاجتماعي بقوله إنّه "ما من مجال للاسترضاء في الاحتجاجات الحاليّة، وما من إشارة إلى [الرّئيس الإصلاحي السّابق محمد] خاتمي، ولا [مير حسين] موسوي. ... ما الذي يسعى إليه هؤلاء الأشخاص؟ ما من أوجه تشابه مع أحداث العام 2009". ونشير إلى أنّ موسوي، وهو إصلاحي احتجّ على هزيمته في الانتخابات الرّئاسيّة في العام 2009 لصالح أحمدي نجاد، ما زال قيد الإقامة الجبريّة.

بالفعل، إنّ غياب المطالب الإصلاحيّة المحدّدة كإطلاق سراح موسوي يشير إلى أنّ مطالب المحتجّين قد تغيّرت بشكل جذري و/أو أنّ المتظاهرين لا ينتمون ببساطة إلى الجيل الذي اختبر أحداث العام 2009 كراشدين وأصبحوا بالتالي أكثر براغماتيّة، كما لاحظنا من إقبال الناخبين الكبير في العامين 2013 و2017 بعد تفشّي المزاعم بتزوير الأصوات في أعقاب انتخابات العام 2009. وفي حين أنّ احتمال فقدان الجيل الجديد من الإيرانيّين إيمانهم بقدرة المؤسّسة السّياسيّة على أن تحمل مظالمهم على الأقلّ، هو نداء إيقاظ للمعسكر الإصلاحي، وربّما تحدّ جديد وفريد من نوعه للسّلطات، هو يعني أيضًا وجود انفصال كبير ومتنام ربّما عن النّخب السّياسيّة.

بعبارات أخرى، قد لا يكون للمحتجّين أيّ مرشّح في السّباق على قيادة الجمهوريّة الإسلاميّة ولا حلفاء مستعدّون للارتباط بقضيّتهم التي ما زالت غير واضحة المعالم. ومن المؤشّرات الهامّة على ذلك هي ردّة فعل الأصوات الشّعبيّة كالأكاديمي والمحلّل صادق زيبكلام المؤيّد للإصلاح الذي لجأ إلى تويتر ليكتب أنّ الحركة القائمة منذ قرن لأجل الدّيمقراطيّة في إيران تعثّرت في كثير من الأحيان بسبب الراديكاليّين، قائلاً إنّ نشهد منذ فترة طويلة على "خطوة إلى الأمام واثنتين إلى الخلف".

وفي بث على التلفزيون الرّسمي الإيراني في وقت متأخّر من يوم 30 كانون الأوّل/ديسمبر، قال روحاني في أوّل ردّ فعل علني له بعد اندلاع الاحتجاجات إنّه "بحسب الدّستور وحقوق المواطنين، يتمتّع الناس بالحرية المطلقة للتّعبير عن انتقاداتهم وحتّى احتجاجاتهم". وأضاف بقوله إنّ "شكل الانتقاد والاحتجاج يجب أن يكون بحيث تؤدّي النّتيجة إلى تحسين وضع البلد وحياة الشّعب".

يتمتّع الرّئيس إذًا بفرصة استثنائيّة لقيادة المسيرة وتحويل تحدٍّ عظيم إلى فرصة عظيمة.

أوّلاً، لا بدّ أن تفي إدارته بوعودها بتقديم منافذ للتّعبير عن المظالم. طرأ تحسّن على خطاب الجمهوريّة الإسلاميّة لجهة قبول الاختلاف في الرّأي، كما لاحظنا من خلال تركيز روحاني على ميثاق حقوق المواطنة الخاصّ به، واعتراف المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي العلني بوجود إيرانيّين غير مؤيّدين للجمهوريّة الإسلاميّة (وقيامه حتّى بحثّ هؤلاء الناخبين على المشاركة في الانتخابات). تكمن إحدى الخطوات الهامّة والملموسة في العمل مع مراكز السلطة الأخرى، بما في ذلك الأجهزة القضائيّة والأمنيّة، لتحقيق الوعود بترخيص الاحتجاجات السّلميّة، وقد حثّت حتّى الأصوات المحافظة كالمتحدّث باسم لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجيّة بمجلس الشورى على هذا الأمر. سيحقّق روحاني إنجازًا مذهلاً بزرعه البذور لإنتاج ما لحظ عضو مجلس الشورى البارز علي مطهري أنّ إيران تفتقر إليه، وهو "ثقافة الاحتجاج".

ثانيًا، يجب أن يعالج روحاني المظالم الاقتصاديّة الحقيقيّة - التي لها علاقة أيضًا بالتوقّعات المتزايدة النابعة من وعوده الخاصّة - من خلال معالجة المخاوف بشأن أثر المظاهر الليبرالية الجديدة لمشروع قانون الميزانيّة الذي اقترحه. يشمل هذا الأخير إعادة النظر في جدول خفض الإعانات وكذلك فتح الباب أمام أساليب جديدة لنقل الثروة.

أخيرًا لكن بالتّأكيد ليس آخرًا، بدلاً من السّماح بتحوّل الاحتجاجات إلى أداة في أيدي خصومه المحليّين وفرصة للمتطرّفين كي يعيدوا تأكيد أهميّتهم، يجب أن يعمل روحاني مع المرشد الأعلى لإقناعه بالحاجة إلى وضع حدّ لمراكز السلطة والمال غير الخاضعة للمساءلة. وقد فجّر الرّئيس قنبلة كبيرة عندما نشر تفاصيل مخصّصات الميزانيّة، ومن خلال ما كشفه مؤخّرًا عن التأثير غير المناسب للفاعلين المبهمين في الأسواق الماليّة. وقد كانت هذه القنبلة برأي البعض هي ما ساعد على حشد الاحتجاجات الراهنة. لكن على المدى البعيد، إذا قام روحاني بانتهاز الفرصة المتاحة أمامه، قد يتمتّع بأكبر فرصة له على الأرجح لمواجهة المصالح المكتسبة التي تعيق أجندة الإصلاح الخاصّة به.

وجد في : Iran protests
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X