نبض لبنان

لبنان يطلق خطّاً ساخناً للحدّ من الانتحار من أجل نشر الوعي بشأن الصحّة العقليّة

p
بقلم
بإختصار
على ضوء الوصم الاجتماعيّ والرعاية الصحيّة المحدودة، أطلقت منظّمة لبنانيّة غير حكوميّة خطّاً ساخناً للحدّ من الانتحار بهدف مساعدة الأشخاص الذين يعانون من أمراض عقليّة ونفسيّة على تخطّي مشاكلهم.

أطلقت منظّمة Embrace اللبنانيّة غير الحكوميّة، التي تنشر الوعي بشأن الصحّة العقليّة والنفسيّة، الخطّ الساخن الوطنيّ الأوّل في لبنان للوقاية من الانتحار. ولا يزال هذا الخطّ الساخن في مرحلة الاختبار حاليّاً، وسيتمّ إطلاقه رسميّاً في نهاية تشرين الأول/أكتوبر، وسيتمكّن من استقبال 150 اتّصالاً في الشهر.

يسجّل لبنان معدّلات انتحار أدنى من البلدان الأخرى. ووفقاً لدراسة لمنظّمة الصحّة العالميّة تمّ تحديثها مؤخراً في حزيران/يونيو، بلغت نسبة الانتحار في لبنان سنة 2015 3.1 من بين مئة ألف شخص مقارنة بـ 14,3 من بين مئة ألف شخص في الولايات المتّحدة في السنة نفسها. لكنّ معدّلات الانتحار المنخفضة لا تعني أنّه ينبغي الاستخفاف بهذا الموضوع، ومن الضروريّ الوقاية من مشاكل الصحّة العقليّة كالاكتئاب ومعالجتها قبل أن تنتشر وتتحوّل إلى آفة.

لذلك، قرّرت Embrace، التي أُطلقت سنة 2013 كفرع من قسم الطبّ النفسيّ في المركز الطبيّ في الجامعة الأميركيّة في بيروت والتي أصبحت منظّمة غير حكوميّة مستقلّة منذ هذه السنة، نشر الوعي بشأن الأمراض العقليّة والنفسيّة في لبنان. وقالت الأخصائيّة في علم النفس ميا عطوي، وهي من مؤسّسي Embrace، لـ "المونيتور": "يعاني لبنانيّ واحد من أصل أربعة من مرض عقليّ ونفسيّ في حياته، لكنّه لا يلجأ بالضرورة إلى المساعدة بسبب الوصم الاجتماعيّ والكلفة [المرتفعة] للرعاية المتوافرة".

وأضافت: "حتّى الآن، قمنا بتوفير معلومات وأيضاً تمويل للمرضى. ومشروعنا الأحدث هو خطّ ساخن يهدف إلى معالجة أزمة الانتحار الفرديّ من خلال الاستماع الفعّال وتقييم مخاطر الانتحار". ولا يزال المشروع في مرحلة الاختبار، وسيتمّ إطلاقه رسميّاً في نهاية الشهر. ويديره حاليّاً نحو 30 متطوّعاً تلقّوا تدريباً على يد محترفين دوليّين لديهم خبرة في الخطوط الساخنة المخصّصة للوقاية ومدرّبين محليّين، وهو شغّال يوميّاً من الساعة الثانية عشرة ظهراً حتّى الساعة الثانية ليلاً. ويتلقّى الخطّ ما بين اتّصالين وثلاثة اتّصالات تقريباً في اليوم.

وقالت عطوي: "نأمل أن تصبح الخدمة متوافرة على مدار الساعة وطيلة أيّام الأسبوع. ويقضي الهدف بتحفيز المتّصل على الكلام عن الأسباب التي تدفعه إلى التفكير في الانتحار، والتعبير عن مشاعره من دون الحكم عليه. وبعد تخفيض مستوى الأزمة، يمكننا الانتقال إلى حلّ المشكلة، أو على الأقلّ بعث الأمل لدى المتّصل للتفكير في حلّها. بعد ذلك، يمكننا أن ننصح المتّصل بخدمات صحّة عقليّة ونفسيّة وفقاً لاحتياجاته. أحياناً، يمكن أن يتّصل طرف ثالث، وعلينا أيضاً تقييم المخاطر لديه، خصوصاً إذا كان مقيماً مع الشخص المعنيّ. وعادةً، تكون المشكلة مرضاً عقليّاً ونفسيّاً، إذ إنّ الشخص يعاني من الاكتئاب، وقد تؤدّي المشاكل الاجتماعيّة أو الماديّة إلى تفاقم هذا المرض".

وبغية الإعلان عن افتتاح الخطّ الساخن، ستطلق Embrace لوحة إعلانات وحملة تلفزيونيّة وحملة على مواقع التواصل الاجتماعيّ. وفي انتظار ذلك، قرّر الفريق التركيز على تشجيع الناس على التكلّم عن الصحّة العقليّة والنفسيّة والانتحار من خلال حملة تدعى "الحكي بطوّل العمر". فمن خلال موقع إلكترونيّ، يستطيع الناس تسجيل رسائل دعم صوتيّة أو مشاركة تجاربهم الشخصيّة.

ويتعاون معهد "إدراك" للتنمية والأبحاث والمناصرة والعناية التطبيقيّة مع قسم الطبّ النفسيّ في جامعة البلمند ومستشفى القدّيس جاورجيوس لتوفير رعاية صحيّة عقليّة وتعليم وخدمات اجتماعيّة وتدريب مجاناً. ويعمل هذا المعهد على الأرض منذ العام 1982 من أجل إجراء الأبحاث ونشر الوعي لدى الناس بشأن الصحّة العقليّة والنفسيّة في لبنان.

وقال الطبيب النفسيّ ورئيس معهد "إدراك"، إيلي ج. كرم، لـ "المونيتور": "نريد أن يفكّر الناس في العلاج وأن يحصلوا عليه؛ نريد أن يلجأ الناس إلى المساعدة. ولذلك، يُعتبر الخطّ الساخن فكرة جيّدة جداً. نريد أن يفهم الناس أنّ الأمراض العقليّة والنفسيّة ليست وصمة وأنّهم يستطيعون الحصول على المساعدة منذ الإشارة الأولى. إنّ الانتحار هو النهاية القصوى للاكتئاب، وبالتالي لا ينبغي أن يواجه الناس هذه المشكلة لوحدهم. ما يمكننا فعله حالياً هو تعليم مراكز الرعاية الصحيّة الأوليّة كيفيّة التعرّف إلى الاكتئاب ومعالجته. بالإضافة إلى ذلك، ينبغي أن يقدّم كلّ مستشفى علاجاً مجانيّاً لأنّ شركات التأمين لا تغطّيه".

وأشار الطبيب النفسيّ والبروفسور في المركز الطبيّ في الجامعة الأميركيّة في بيروت، جوزيف الخوري، إلى أنّ نشر الوعي لدى المرضى والطاقم الطبيّ أساسيّ للوقاية من الانتحار. وذكر لـ "المونيتور" بعض الأمور التي يمكن القيام بها لمعالجة هذا الوضع، من بينها "نشر الوعي بشأن أهميّة التعرّف إلى الاكتئاب والمشاكل النفسيّة الأخرى، وإعلام الناس بأنّ هذه الحالات قابلة للعلاج وأنّه لدينا في لبنان أطبّاء وأخصائيّو صحّة عقليّة جيّدون نسبيّاً، وتقديم المساعدة من خلال خطوط ساخنة للوقاية من الانتحار أو مراكز التماس المشورة أو من خلال تثقيف عناصر الشرطة وأطبّاء الطوارئ وأطبّاء الأسرة في ما يتعلّق بتقديم الدعم والاستشارة".

ويقضي هدف جوزيف الخوري الأساسيّ، بصفته طبيباً، بالكلام عن الأفكار الانتحاريّة بشكل علنيّ وصريح لأنّ "ذلك يشكّل منفذاً للمريض الذي يشعر بأنّه منعزل مع أفكاره ومرتعب من تشاركها مع المقرّبين منه خوفاً من العار أو من شعورهم بالذعر".

وبغية المساعدة على مواجهة الأمراض العقليّة والنفسيّة في لبنان، تقوم منظّمة "المفكّرة القانونيّة" غير الحكوميّة المتخصّصة في الأبحاث القانونيّة بتعريف القضاء اللبنانيّ بمشاكل الصحّة العقليّة والنفسيّة. ونشرت أخصائيّة الطبّ النفسيّ والعضو في "المفكّرة القانونيّة"، هلا كرباج، مقالاً في مجلّة Contemporary Levant في تشرين الأوّل/أكتوبر بعنوان "إعادة النظر في التشريعات المتعلّقة بالصحّة العقليّة في لبنان: تحديثات وتداعيات".

وتطرّقا كرباج أيضاً إلى الموضوع في مقال نُشر في "المفكّرة القانونيّة" سنة 2014. وكتبت: "إنّ القانون اللبنانيّ الوحيد الذي يتطرّق تحديداً إلى معالجة الأشخاص المصابين بأمراض عقليّة هو قانون الرفاه وحماية الأشخاص المصابين بأمراض نفسيّة وعقليّة وعلاجهم (المرسوم التشريعيّ رقم 72-9/9/1983). وقد سلّطت دراسة سابقة أجريت في العام 2009 الضوء على عدم امتثاله للمعايير الدوليّة".

وأضافت أنّ "إدراك" اقترحت سنة 2008 مشروع قانون لرعاية الأشخاص المصابين بأمراض عقليّة وعلاجهم وحمايتهم وقدّمته إلى مجلس النوّاب اللبنانيّ سنة 2012. وسنة 2014، راجعت "المفكّرة القانونيّة" مشروع القانون هذا واقترحت تعديلات عليه. فقد أرادات تسليط الضوء على الامثتال للمعايير الدوليّة، خصوصاً اتّفاقية الأمم المتّحدة لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وتوفير أدوات عمليّة للتطبيق ضمن القانون، وإطلاق نقاش عامّ حول هذا الموضوع. واعتمد هذه النسخة الجديدة من مشروع القانون البرنامج الوطنيّ للصحّة النفسيّة التابع لوزارة الصحّة العامّة، الذي أدمج اقتراحات المفكّرة القانونيّة في هذا السياق. لكنّ النقاشات والتحديثات المتعلّقة بتقدّم مشروع القانون غائبة عن الساحة العامّة إلى حدّ كبير منذ اعتماد الوزراة له.

وسلّطت كرباج الضوء بشكل خاصّ في مقالها على غياب النقاش العامّ الذي تعتبره إيجابيّاً جداً بالنسبة إلى المجتمع، بالإضافة إلى إشراك المرضى وأفراد المجتمع المدنيّ كفاعلين رئيسيّين في العمليّة، وفهم التحدّيات الاجتماعيّة التي يواجهونها. وتشمل هذه التحدّيات الفقر وعدم المساواة بين الجنسين والنزاعات. وأشارت كرباج إلى أنّها ترغب في رؤية صانعي السياسات والجهات المعنيّة ينظرون إلى النواحي الاجتماعيّة والاقتصاديّة للأمراض العقليّة والنفسيّة، لا إلى النواحي الطبيّة فحسب. في هذا الإطار، من شأن تدّخل قائم على المجتمع أن يدعم العدالة الاجتماعيّة والسياسيّة من خلال الربط بالموارد الاجتماعيّة والقانونيّة والحمائيّة، والإقرار بالتالي ببعض الأسباب الرئيسيّة للضائقة الاجتماعيّة، والعمل في الوقت نفسه مع المجتمع لإعادة إحياء الأنماط الرئيسيّة لمصادر القوّة والموارد الاجتماعيّة الجماعيّة، على حدّ قول كرباج.

وبات اليوم بإمكان الأشخاص الذين يعانون من أمراض عقليّة ونفسيّة وأفكار انتحاريّة الاعتماد على الأطبّاء المعنيّين والمنظّمات غير الحكوميّة مثل "إدراك" وEmbrace. ويساهم الخطّ الساخن الجديد في نشر الوعي بشأن الأمراض العقليّة والنفسيّة وإطلاق نقاش عامّ حول هذا الموضوع. 

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly

فلورانس ماسينا هي صحفيّة مقيمة في بيروت تكتب حول المسائل الاقتصاديّة، والثقافيّة والاجتماعيّة. درست العلوم السياسيّة والصّحافة في تولوز في جنوب فرنسا، وهي تسافر متنقّلة في المنطقة منذ العام 2010. تركّز ماسينا بشكل أساسي على التراث وقضايا المرأة، فضلاً عن تقديم أفكار إيجابية للبنان.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept