نبض سوريا

هل تُساعد الأنظمة الجديدة الفلسطينيين القادمين من سوريا في لبنان؟

p
بقلم
بإختصار
قد تضع أنظمة جديدة حدًّا للتحديّات القانونية التي يُواجهها اللاجئون الفلسطينيون القادمون من سوريا الذين يفعلون كل ما بوسعهم من أجل الحصول على الوثائق القانونية الأساسية.

 لندن — كانت عائلة مكونة من ثلاث أشخاص عالقة على الحدود اللبنانية السورية. تتكون هذه العائلة من أم إبراهيم (وهذا ليس اسمها الحقيقي) وزوجها الذي يُحتضر بسبب مرض السرطان وإبنهما الصغير، سعيد. غير أن سعيد هو مكتوم القيد منذ اليوم الذي ولد فيه في لبنان. ولم تتمكن هذه العائلة الفلسطينية القادمة أصلاً من مخيم اليرموك في سوريا من تسجيل ولادة إبنها حتى بعد عامين من ولادته في لبنان. فكان أملها الأخير الإنتقال به إلى دمشق.

في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي تحدّث "المونيتور" إلى شقيقة أم إبراهيم، سُهير، في منزلها الجديد في وادي البقاع اللبناني. فقالت سُهير: "رفض الأمن العام تجديد إقامة الزوج كما ورفض تسجيل ولادة طفله. في ذلك الوقت كان الصبي قد بلغ سنتين من العمر ووالده كان لا يزال من دون إقامة ولذلك كان من المستحيل تسجيل ولادته."

أوقع هذا الوضع العائلة في حلقة مفرغة من المخالفات التي طالت بصورة منتظمة اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا الهاربين إلى لبنان بعد اندلاع الحرب الأهلية السورية عام 2011.

وكغيرها من العائلات الفلسطينية، لم تجد عائلة سهير سبيلاً للخروج من هذه الأزمة سوى في سوريا. فغالباً ما كانت تتوجه هذه العائلة إلى هناك حيث كان والد الطفل سعيد يتلقّى علاج السرطان و[يحاول] تسجيل ولادة إبنه.

وأضافت سُهير: "توجّهت العائلة إلى الحدود بالسيارة. كان زوج أختي مريضًا جدًا في هذه المرحلة، وبدا حقًا وكأنه على شفير الموت. رفضت السلطات السماح له بالعبور ما لم يدفع مبلغ 800 دولار لأنه كان يتوجب عليه تجديد إقامته قبل أربع سنوات ".

توفي والد سعيد بعد أسبوعين فقط من تمكُّن العائلة من جمع الأموال الكافية لدخول سوريا في شهر آب/ أغسطس. كان سعيد لا يزال مكتوم القيد وهو الآن من دون وضع قانوني وقد فقد والده.

وإضطرت أم إبراهيم إلى رشوة قابلة قانونية في دمشق لتزوير أوراق تُفيد بأن إبنها [سعيد] ولد في سوريا قبل عامين وأنها لم تتمكن من الوصول إلى مكاتب الحكومة السورية منذ ذلك الحين لتسجيل ولادته. ومن أجل أن يبدو الأمر مقنعاً أكثر تم تركيب أحداث قصة درامية ودفعت أم إبراهيم للقابلة القانونية مبلغاً بالعملة السورية من عشرات الآلاف.

وفي هذا السياق، تشرح سهير ما حدث وتقول: "أصدرت هذه القابلة شهادة ولادة وهمية مقابل 25 ألف ليرة سورية (48.45 دولار). ثم طلبت من أم إبراهيم التوجه إلى البلدية وبعدها إلى قسم الشرطة لتصديق هذه الشهادة لإظهار أن سعيد ولد في سوريا".

ومنذ ذلك الحين، بقيت أم إبراهيم وابنها في دمشق، غير قادرين على العودة إلى لبنان والانضمام مرة أخرى إلى بقية أفراد الأسرة.

وتُظهر هذه القصة — التي سردتها سُهير الشهر الماضي في منزلها في وادي البقاع — هشاشة الوضع القانوني للفلسطينيين القادمين من سوريا في لبنان. ويُجبر هذا الوضع بعض اللاجئين على استخدام الرشاوى والوثائق المزورة واللجوء إلى مهربي الأشخاص من أجل إتمام ما هو مفترض أن يكون معاملة بسيطة، مثل تسجيل طفل حديث الولادة أو وفاة قريب في الغربة. كما وأجبر هذا الوضع البعض الآخر على العيش في حالة مخالفة مزمنة، من دون القدرة على التنقّل أو إيجاد عمل.

 

أما أبو حميد (وهذا ليس اسمه الحقيقي) فقد عبر من سوريا إلى لبنان بشكل غير نظامي قبل فترة لا تتجاوز شهرًا بكثير، بعد أن استعان بمهرّب أشخاص التقى به في مقهى بالقرب من الحدود والذي أدخله ليلاً بشكل غير قانوني هو ومجموعة من اللاجئين الآخرين [إلى لبنان] عبر الجبال.

ويقول أبو حميد الفلسطيني القادم من جوبر في شرق دمشق، لـ"المونيتور": "كانت خطتي المجيء إلى هنا للعمل وتأسيس عائلة، غير أنني صُدمت بالوضع في لبنان. فأنا مكتوم القيد وليس لدي إقامة. ولهذا السبب لا أستطيع حتى مغادرة هذا المنزل. لا أستطيع التنقّل أو العثور على وظيفة ". (أبو حميد فضّل عدم الكشف عن مكان إقامته.)

وبموجب القواعد التي تنظّم إقامة [الأجانب] في لبنان، لا يستطيع اللاجئون السوريون الذين لم يدخلوا البلد بصورة قانونية - أي عبر معبر حدودي رسمي - الحصول على الإقامة. وتقدّر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا) أن حوالي 40٪ من جميع الفلسطينيين القادمين من سوريا الموجودين حاليًا في لبنان قد دخلوا البلد بشكل غير قانوني، وفقًا لتصريحات أدلى بها موظف في الأونروا لـ "المونيتور".

وفي ظل عدم حصوله على الإقامة والحقوق القانونية التي تمنحها في ما يتعلق يتسجيل أطفاله الذين لم يولدوا بعد، ما هو المستقبل الذي ينتظر أبو حميد وأسرته المستقبلية؟

ومع ذلك، قد يكون هناك بارقة أمل في أن تتغيّر الأمور. أصدرت مديرية الأحوال الشخصية في وزارة الداخلية اللبنانية توجيهات جديدة بشأن اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا تُسهّل عليهم [إجراءات] تسجيل زواجهم أو ولادة أطفالهم في الأراضي اللبنانية وفقاً للأصول القانونية.

في هذا السياق، أخضعت المذكرة الصادرة في 5 تشرين الأول / أكتوبر اللاجئين الفلسطينيين القادمين من سوريا للأحكام ذاتها التي يخضع لها اللاجئون السوريون. ويأتي ذلك إلحاقاً بمذكرة أخرى خاصة باللاجئين للسوريين أصدرتها وزارة الداخلية في أيلول / سبتمبر.

وتقول ماي حمّود، وهي مسؤولة قانونية في لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني التي تأسست في العام 2005، أن التغيير جاء نتيجة للضغوط التي مارستها اللجنة وشددت أنه من شأن هذا التغيير أن يُغيّر حياة الفلسطينيين القادمين من سوريا نحو الأفضل.

وصرّحت لـ "المونيتور" في 18 تشرين الأول / أكتوبر: "تحدّد هذه المذكرة الوثائق المطلوبة وتُبسط الإجراءات"، مشيرة إلى أن الإقامة القانونية لأحد الزوجين أصبحت تكفي الآن للفلسطينيين القادمين من سوريا من أجل تسجيل زواجهم وأنه أصبح بإمكانهم تسجيل الولادات حتى من دون أي إقامة قانونية. وأضافت، "لقد شعرنا بأن الأولوية هي التصدي للتحديّات القانونية التي يواجهها الفلسطينيون القادمون من سوريا، وكان تسجيل الزيجات والولادات من بين هذه التحديّات القانونية ذات الأولوية".

وتأتي هذه الأنظمة الجديدة بعد إصدار مذكرة مماثلة بشأن المواطنين السوريين فى لبنان، والتي تم إقرارها فى 12 أيلول / سبتمبر.

ومع ذلك، لا تزال هناك تحديّات يجب التصدي لها. ووفقًا لدراسة أطلقتها الأونروا والجامعة الأمريكية في بيروت حول اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ونُشرت العام الماضي، يعيش حوالي 90% من لاجئي فلسطين القادمين من سوريا في الفقر - وهي نسبة أعلى بكثير من نسبة الفقر في المجتمعات النازحة الأخرى - فيما يعيش 9% من هؤلاء الـ 90% في الفقر المدقع.

وتقول حمود: "يعيش [اللاجئون الفلسطينيون القادمون من سوريا] في أسوأ الأوضاع المعيشية في لبنان – مقارنة بالسوريين ومقارنة بالفلسطينيين. يُعتبر الفلسطينيون القادمون من سوريا من المجتمعات المحليّة الأكثر عرضة للخطر ".

ساهم أبو فراس، وهو لاجئ من اليرموك، في إنشاء شبكة من لجان الإغاثة في وادي البقاع لمساعدة الفلسطينيين القادمين من سوريا الضعفاء. وقال لـ"المونيتور": :أحدثت الأنظمة التي ترعى الإقامة في لبنان أوضاعًا قانونية مختلفة داخل الأسرة الواحدة." وأشار إلى أن ذلك قد يتسبب بمشاكل، ليس في الوقت الراهن ولكن في المستقبل.

وأضاف: "تتسبب هذه الحالات بمشاكل للأسر على المدى البعيد فقط، أي في حال إجراء إعادة التوطين أو لم الشمل أو غيرها. على سبيل المثال، هذه هي حال أسرة لها طفل مولود في مستشفى لبناني ويحمل في الوقت ذاته وثيقة تفيد بأنه ولد في سوريا. عند إجراء مقابلة لإعادة التوطين ستواجه هذه العائلة مشاكل معقدة ".

وفي حين تضع الأنظمة الجديدة هذه في لبنان حدًا لهذه الحلقة المفرغة من المخالفات بالنسبة للبعض، غير أن أُسر أخرى قد تضررت من هذا الوضع.

لا تزال أم إبراهيم - الأرملة المفجوعة - عالقة في سوريا، ويبدو أن مهربي الأشخاص عبر الحدود، الخطيرين والغير موثوق بهم، هم طريقها الوحيد للإنضمام مجدداً إلى أسرتها في لبنان.

وجد في : اللاجئين
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X