نبض اسرائيل

ما يريده ترامب حقاً للشرق الأوسط

p
بقلم
بإختصار
التصريحات غير الواقعية التي صدرت عن المبعوث الأميركي جايسون غرينبلات حول فرض السلطة الفلسطينية حكمها من جديد على قطاع غزة ربما تؤشّر إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لا يمتلك خطة واقعية لتسوية النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني.

تأمّل عدد كبير من الأشخاص في معسكر السلام الإسرائيلي خيراً، لا بل آمنوا، بالتصريحات التي صدرت عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب حول نيّته العمل على تثبيت ركائز "صفقة متكاملة" واسعة النطاق بين إسرائيل والفلسطينيين وجميع الدول العربية. كذلك ساهمت الجولات المكّوكية للمبعوث الرئاسي الأميركي جايسون غرينبلات بين القدس ورام الله في الضفة الغربية في تعزيز النظرة بأن الرئيس الأميركي الحالي الشديد المحافظية قد ينجح حيث أخفق رئيسان ليبراليان – بيل كلينتون وباراك أوباما.

لقد ساهمت الساعات الطويلة التي أمضاها غرينبلات مع مسؤولين كبار من الجانبَين، وجولاته "الاستكشافية" على الأراضي، في تعزيز قدر معيّن من التفاؤل. غير أن جملة واحدة تفوّه بها المبعوث الأميركي – مقدِّماً عرضاً موجزاً في ختام جولة قام بها في 30 آب/أغسطس الماضي على المنطقة الواقعة على طول الحدود مع قطاع غزة برفقة منسّق الأنشطة الحكومية في الأراضي، الميجور جنرال يؤاف مردخاي – حوّلت هذا الشعور إلى وهم، والأمل الحقيقي إلى "أمل زائف". فقد دعا غرينبلات السلطة الفلسطينية إلى استعادة السيطرة على غزة وتولّي إدارتها، لأن نظام "حماس" فشل في تأمين احتياجات السكان. هذا الطلب غير واقعي البتة تماماً مثل الطلب من كوريا الجنوبية السيطرة على المنشآت النووية لكوريا الشمالية، لأن حكومة بيونغ يانغ لا تتيح حرية التعبير لمواطنيها.

إذا افترضنا أن غرينبلات يتحدث باسم سيّده، فهذا التصريح شاهدٌ على نقص أساسي تعاني منه الإدارة الأميركية في فهم النزاع وسبل تسويته. كيف تتوقع إدارة ترامب بالضبط من السلطة الفلسطينية فرض حكمها من جديد على قطاع غزة؟ يصعب أن نصدّق أن واشنطن ترغب في فتح جبهة عسكرية جديدة في الشرق الأوسط، وأن الأجهزة الأمنية في رام الله سوف تُقدِم على تفجير مراكز السلطة التابعة لـ"حماس" في غزة تحت غطاء الطائرات التابعة لسلاح الجو الإسرائيلي والمدافع الموضوعة على متن السفن التابعة لسلاح البحرية الإسرائيلي. أم هل أن غرينبلات قصدَ الخيار الديمقراطي؛ بعبارة أخرى، إجراء انتخابات لاختيار الرئيس ومجلس تشريعي؟ من شأن هذه الخطوة أن تشكّل تكراراً للخطأ المميت الذي ارتكبه الرئيس جورج دبليو بوش الذي فرض على السلطة الفلسطينية إجراء انتخابات عامة قبل أحد عشر عاماً. ففي تلك المرحلة، اتصل ديفيد ولش الذي كان مساعداً لوزيرة الخارجية كوندوليزا رايس لشؤون الشرق الأدنى، بالرئيس الفلسطيني محمود عباس وقال له صراحة: "إذا ألغيتم الانتخابات، من الأجدى بكم أن تنسوا أرقام هواتفنا".

لو سأل غرينبلات عباس عن رأيه بشأن وضع نفسه مرةً أخرى على محك الاختبار من الرأي العام، لَسمِع الجواب نفسه الذي حصل عليه بوش في العام 2006. في ذلك الوقت، حذّر عباس الأميركيين من أن الرأي العام الفلسطيني ينظر إلى فك الارتباط من طرف واحد في غزة، على خلفية الجمود الديبلوماسي وتواصل بناء المستوطنات في الضفة الغربية، بأنه إنجازٌ لمعسكر "حماس" المناهض لعباس.

ومن شأن الاستخبارات الإسرائيلية، التي توسّلت الإدارة الأميركية في ذلك الوقت التخلّي عن مطلب إجراء الانتخابات في الأراضي، أن تكرّر التوصية نفسها اليوم. لو طلب غرينبلات من مردخاي تقويم حظوظ فوز حركة "فتح" على "حماس" في صناديق الاقتراع، غالب الظن أن المبعوث الأميركي كان ليُحجم عن توجيه توبيخ ضمني إلى السلطة الفلسطينية بسبب عدم فرضها سيطرتها على قطاع غزة.

ليست المشكلة فقط في ما قاله المبعوث الأميركي، إنما أيضاً في الأمور الأساسية التي تجنّب قولها. حتى إن المشكلة تصبح أكثر بروزاً على خلفية المبادئ التي طرحها أمين عام الأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الذي زار أيضاً قطاع غزة في الأسبوع نفسه. فقد أعرب غوتيريس عن الدعم للجهود التي يبذلها عباس من أجل توليد ظروف مؤاتية لقيام قيادة موحّدة في الضفة الغربية وغزة، غير أنه أبدى في السياق عينه قلقه من الأوضاع الإنسانية المروّعة التي رآها بأمّ العين في قطاع غزة. في الواقع، تندرج الظروف التي أشار إليها الأمين العام في إطار العقاب الجماعي لسكّان غزة.

قال غوتيريس خلال جولته في غزة: "أشعر بتأثّر شديد لوجودي في غزة اليوم كي أشهد، لسوء الحظ، على واحدة من الأزمات الإنسانية الأكثر دراماتيكية التي رأيتها على امتداد أعوام طويلة من عملي في المجال الإنساني في الأمم المتحدة". وناشد إسرائيل ومصر صراحةً وقف الحصار. هل سمع أحدهم غرينبلات يوجّه انتقادات إلى الضغوط المشتركة التي تُلقي بها إسرائيل والسلطة الفلسطينية على كاهل الغزاويين، من خلال فرض قيود على تغذيتهم بالتيار الكهربائي؟ هل سمع أحدهم واشنطن تطلب بحزم من القدس رفع الإغلاقات المفروضة على قطاع غزة؟

تتمثّل "الظروف" التي تحدّث عنها غوتيريس في إطلاق مفاوضات حقيقية حول تطبيق حل الدولتَين، مع العمل في الوقت نفسه على مكافحة العنف، ووقف أعمال البناء في المستوطنات. قال غوتيريس في كلمة ألقاها في متحف الشعب اليهودي في تل أبيب: "لقد أنشأتم، لأول مرة منذ ألفَي عام، موطناً لشعبكم"، قبل أن يردف على الفور: "حان الوقت الآن كي ينال الفلسطينيون أيضاً حقوقهم المشروعة ويحقّقوا تطلعاتهم الوطنية".

على النقيض، تمسّكَ ترامب بسياسته – أو بالأحرى لا سياسته – التي عرضها في شباط/فبراير الماضي خلال مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: "أتطلّع إلى دولتَين ودولة واحدة، وأحبّذ الخيار الذي يحبّذه الطرفان. أنا سعيد جداً بالخيار الذي يحبّذه الطرفان". يكرّر أحد الطرفَين، وهو الطرف الفلسطيني المحتَل، أنه متمسّك برغبته في تطبيق حل الدولتَين. أما الطرف الآخر، أي الاحتلال الإسرائيلي، فيعلن أنه لا يريد دولتَين، ويفرض وقائع على الأرض (المستوطنات) تتسبّب بتقويض هذا الحل، في حين أنه لا يُظهر في الوقت نفسه أي مؤشرات بأنه يريد دولة ثنائية القومية.

يبدو أن ترامب لا يعرف ماذا يريد. تحدّث النائب الديمقراطي عن ولاية فرجينيا، جيري كونولي، وهو عضو في لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب، إلى مراسل صحيفة "هآرتس" في واشنطن، أمير تيبون، قائلاً بأن عدداً كبيراً من الجمهوريين يدعم حل الدولتَين لكنهم لا يريدون الإعلان عن ذلك على الملأ قبل أن تعبّر إدارة ترامب أولاً عن هذا الموقف.

سوف يحظى ترامب وأخيراً بفرصة الكشف عما يريده، أو لا يريده، في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 19 أيلول/سبتمبر الجاري. لا يسعنا سوى أن نأمل بألا يرسل مزيداً من المبعوثين الذين من شأنهم أن يقدّموا للطرفَين نصائح مضرّة وغير واقعية.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept