نبض العراق

هل ستحدث مواجهة بين إيران وأميركا على الحدود العراقيّة-السوريّة؟

p
بقلم
بإختصار
هناك بوادر للتصعيد بين قوّات عراقيّة قريبة إلى إيران والقوّات الأميركيّة في العراق. ويتركّز الصراع الدائر بين هاتين الجهتين على الحدود العراقيّة-السوريّة في المرحلة الراهنة.

في صفحة جديدة من الصراعات للسيطرة على الحدود العراقيّة-السوريّة، حصل هجوم دامٍ على قوّات كتائب سيّد الشهداء قرب هذه الحدود في 7 آب/أغسطس. وأصدرت الكتائب بياناً شديد اللهجة في اليوم نفسه اتّهمت فيه القوّات الأميركيّة بالهجوم على مواقعها في غرب العراق، ووعدت بالثأر لضحاياها.

وقال بيان كتائب سيّد الشهداء، وهي فصيل مسلّح تابع إلى هيئة الحشد الشعبيّ وله أيضاً حضور عسكريّ في سوريا: "قامت هذه القوّات الآثمة (القوّات الأميركيّة) بقصف شديد لمواقع مجاهدي كتائب سيّد الشهداء في خطّ هذه الحدود وفي الجهة المقابلة لعكاشات (قرب الحدود السوريّة)، الأمر الذي أدّى إلى سقوط أعداد كبيرة من الشهداء والجرحى". كما دعا البيان إلى "عقد اجتماع عاجل لقادة فصائل المقاومة الإِسلاميّة في العراق لتدارس الردّ المناسب".

ولكنّ قيادة القوّات المشتركة العراقيّة نفت في 8 آب/أغسطس "وقوع أيّ هجوم على منتسبي هيئة الحشد الشعبيّ في غرب الأنبار"، وأكّدت أنّ "الحوادث التي تناقلتها وسائل الإعلام وقعت خارج الحدود العراقيّة". وجاء بيان هيئة الحشد الشعبيّ في 9 آب/أغسطس تأكيداً لما ذكرته قيادة العمليّات المشتركة.

كذلك، نفى التحالف الدوليّ بقيادة أميركا قصف مواقع تابعة إلى فصائل شيعيّة في غرب العراق. وكتب المتحدّث باسم التحالف الدوليّ ضدّ "داعش" الكولونيل رايان ديلن في تغريدة على حسابه الرسميّ على تويتر في 8 آب/أغسطس: "المزاعم المتعلّقة بضربات التحالف ضدّ قوّات الحشد الشعبيّ قرب الحدود العراقيّة - السوريّة غير صحيحة".

وقد سارع تنظيم "داعش" من جهته إلى الإعلان عن مسؤوليّته عن الهجوم، موكّداً ذلك بنشر مقاطع مصوّرة من العمليّة المباغتة. ويظهر علم كتائب سيّد الشهداء في مقطع الفيديو الذي اطّلع عليه "المونيتور". وكان يرافق هذا الفصيل العراقيّ عدد من أعضاء حرس الثورة الإسلاميّة الإيرانيّ، إذ تمكّن "داعش" من أسر إحدى هذه العناصر، وهو محسن حجي وقام بذبحه في ما بعد.

وخلافاً لما ادّعته كتائب سيّد الشهداء، أكّد نائب القائد العامّ لقوّات حرس الثورة الإسلاميّة العميد حسين سلامي في مقابلة تلفزيونيّة نشرت في 14 آب/أغسطس أنّ الهجوم وقع في الأراضي السوريّة ومن قبل تنظيم "داعش"، إذ قال: "كان الشهيد حجي مع مقاتلين آخرين... في مقرّ لهم في منطقة تقع بين التنف والبوكمال، وتعرضوا إلى هجوم من قبل قوّات "داعش" الإرهابيّة، حيث هاجمتهم بعدد من السيّارات المفخّخة، وفي الوقت نفسه، تمكّنت قوّة هجوميّة من الالتفاف على المقرّ والبدء بالهجوم من الخلف في شكل مباغت".

ويبدو أنّ اتّهام القوّات الأميركيّة باستهداف الفصائل الشيعيّة، على الرغم من وضوح الصورة يأتي ضمن محاولة بعض هذه الفصائل التصعيد ضدّ تلك القوّات. وفي هذا الإطار، كرّر الأمين العامّ المساعد لكتائب سيّد الشهداء أحمد المكصوصي في مقابلة تلفزيونيّة في 8 آب/أغسطس اتّهام القوّات الأميركيّة، وأضاف: "إن لم نردع الأميركيّين ونردّ عليهم، سوف يستمرّ التمادي... وبالتالي يجب أن يكون لنا ردّ واضح".

وفي السياق نفسه، نشرت وكالة فارس الإيرانيّة شبه الرسميّة أنباء عن بناء قاعدة أميركيّة في غرب الموصل، ولكن لم يؤكّد الخبر الجانب العراقيّ، ولا الجانب الأميركيّ أيضاً، ممّا يدلّ على رغبة إيران في خلق تشنّج بين العراق والولايات المتّحدة الأميركيّة من أجل التمهيد لإخراج القوّات الأميركيّة في فترة ما بعد "داعش".

وفي هذا السياق، قال الزميل الأقدم في معهد واشنطن الدكتور مايكل نايتس في تصريح إلى "المونيتور": "كتائب سيّد الشهداء والفصيل الأمّ لها كتائب حزب الله، أخذت على عاتقها مراقبة تحرّكات القوّات الأميركيّة في العراق في المناطق التي يتواجد فيها الحشد الشعبيّ. فهي تستقرّ خارج القواعد التي تتواجد فيها القوّات الأميركيّة وتراقبها وتحاول أن ترهبها".

وأصبحت الحدود العراقيّة-السوريّة نقطة ارتكاز هذا الصراع، إذ تسارع الفصائل الشيعيّة القريبة إلى إيران إلى مساعدة مستشاري حرس الثورة الإسلاميّة الإيرانيّ ومقاتليه، بالوصول إلى الحدود السوريّة-العراقيّة لإيجاد موطئ قدم لهم، لمنع أميركا من السيطرة على هذه الحدود. وأعلنت كتائب حزب الله، وهي أيضاً فصيل عراقيّ مقرّب إلى إيران عن "إجهاض الهدف الأميركيّ بالسيطرة على الحدود العراقيّة-السوريّة". وأكّد الفصيل المسلّح الذي لديه حضور عسكريّ في كلّ من العراق وسوريا في بيان في 3 آب/أغسطس: "بعد سلسلة عمليّات تكتيكيّة للمقاومة الإسلاميّة/كتائب حزب الله وفصائل أخرى، فقدت قاعدة التنف أهميّتها في تنفيذ المشروع الأميركيّ المزعوم". وأكّد البيان أنّه "بات على الأميركيّين وحلفائهم الانكفاء إلى داخل الحدود الأردنيّة". وتستخدم قاعدة التنف، التي تقع في القرب من الحدود العراقيّة-السوريّة-الأردنيّة، لغرض تدريب جيش مغاوير الثورة من قبل القوّات الأميركيّة. وجيش مغاوير الثورة هو فصيل سوريّ تأسّس في عام 2015 لغرض محاربة "داعش".

وفي حزيران/يونيو، تمكّنت فصائل شيعيّة عراقيّة تحارب إلى جانب قوّات النظام السوريّ من الوصول إلى الحدود العراقيّة-السوريّة. وبهذا، قطعت الطريق بين قاعدة التنف والمناطق التي تقع تحت سيطرة "داعش". لكنّ الهجوم الأخير الذي حصل على كتائب سيّد الشهداء أثبت هشاشة موقع الفصائل الشيعيّة التي تموضعت في ممرّ ضيّق في شمال التنف، لعدم وجود الدعم اللوجيستيّ الكافي، فضلاً عن الغطاء الجويّ والإسناد المدفعيّ في صحراء مفتوحة على كلّ الجوانب.

وقال خبير عسكريّ في الجيش العراقيّ طلب عدم ذكر اسمه لـ"المونيتور": "حاولت قوّات كتائب حزب الله وعصائب أهل الحقّ إيجاد ممرّ لها يربط الفصائل الشيعيّة من الجانبين السوريّ والعراقيّ، ولكنّها لم تستطع فعل ذلك بسبب عدم حصولها على أيّ دعم أو غطاء جوّيّ وحتّى مدفعيّ أو آليّات مدرّعة من القوّات العراقيّة." وأضاف: "عدم رضا الحكومة العراقيّة على هذه العمليّات كان لدرجة أنّها لم تحصل على تغطية إعلاميّة حتّى من قبل هيئة الحشد الشعبيّ".

وكلّما تقترب نهاية "داعش"، تزداد حدّة الصراع الإيرانيّ-الأميركيّ، وخصوصاً على الحدود العراقيّة-السوريّة، ممّا يهدّد الأمن في العراق.

حمدي ملك باحث في جامعة كيل البريطانية ونشرت له العديد من الدراسات والمقالات ذات الصلة باشأن العراقي.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X