نبض مصر

هل تعيد رعاية القاهرة لاتفاقيّة الغوطة الشرقيّة الدور المصريّ في سوريا؟

p
بقلم
بإختصار
طرحت رعاية السلطات المصريّة لاتفاقيتي وقف إطلاق النار في منطقة الغوطة الشرقيّة وحمص السورية تساؤلات عن حدود الدور المصريّ المحتمل في تسوية الأزمة السوريّة، بعدما حرص على إقامة علاقات متوازنة مع أطراف النزاع.

القاهرة: دخلت مصر على خطّ الأزمة السوريّة بشكل أكثر فعاليّة بعد رعايتها لهدنة جديدة بمدينة حمص السورية في 2 آب/أغسطس الجاري، والتي أتت بعد نجاح مصر كوسيط لوقف إطلاق النار بمنطقة الغوطة الشرقية بعد استضافتها مفاوضات لثلاثة أيّام في القاهرة، 20 تموز / يوليو، بين ممثّلين عن بعض الفصائل السوريّة المعارضة ووزارة الدفاع الروسيّة، أفضت إلى إعلان "حدود منطقة وقف التصعيد في الغوطة الشرقيّة ومواقع انتشار قوّات الفصل والرقابة في الغوطة وصلاحيّاتها وخطوط إيصال المساعدات الإنسانيّة وممرّات عبور المدنيّين"، بحسب بيان صدر عن وزارة الدفاع الروسيّة في 22 تمّوز/يوليو من العام الجاري.

ووفقاً للإتّفاقية وقف إطلاق النار بالغوطة الشرقية، والتي جرى توقيعها في ٢٠ تمّوز/يوليو من عام ٢٠١٧، أعلنت القيادة العامّة لقوّات نظام بشّار الأسد في 22 تمّوز/يوليو وقف الأعمال القتاليّة في عدد من مناطق الغوطة الشرقيّة بريف دمشق، وقالت في بيان نقلته وكالة "سانا" التابعة للنظام: "يبدأ وقف للأعمال القتاليّة في عدد من مناطق الغوطة الشرقيّة".

وأكّد محمّد علّوش، وهو رئيس الهيئة السياسيّة لجيش الإسلام، أحد أكبر فصائل المعارضة في الغوطة الشرقيّة المدعوم سعوديّاً، والذي شارك في المفاوضات، خلال تصريحات نقلتها عنه وكالة الأنباء الروسيّة "سبوتنيك" في 22 تمّوز/يوليو من عام ٢٠١٧ : "نعم، الاتفاقيّة تمّت، والآن دخلت حيّز التنفيذ، وستؤدّي إن شاء الله إلى فكّ الحصار عن الغوطة وإدخال كلّ المواد الإنسانيّة والمحروقات إليها".

ويتمثّل خيار السلطات المصريّة في الأزمة السوريّة بـ"دعم الجيش السوريّ في عمليّاته داخل الأراضي السوريّة والحلّ السياسيّ كأولويّة علي أيّ خيار"، حسبما صرح الرئيس المصريّ عبد الفتّاح السيسي في مقابلة تلفزيونيّة سابقة مع التلفزيون البرتغاليّ في 22 تشرين الثاني/نوفمبر من عام 2016 .

وتأكد هذا الموقف المصري تجاه الأزمة السورية بعد تصويت القاهرة في مجلس الأمن لصالح القرار الروسيّ بشأن سوريا في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016، والذي تضمّن في أحد بنوده الوقف الفوري لكافة الأعمال العدائية وخصوصاً مدينة حلب، وقوبل الموقف المصريّ الداعم للقرار الروسيّ بمعارضة سعوديّة.

وأعلن أحمد الجربا، رئيس تيّار الغد السوريّ، وهو أحد فصائل المعارضة السوريّة التي شاركت في اتفاقيّة الغوطة الشرقيّة، في مؤتمر صحفي بالقاهرة، في 5 آب/أغسطس الجاري، عن رعاية القاهرة لاتّفاق هدنة جديدة بمدينة حمص السوريّة، تم توقيعه في 31 يوليو الماضي، والذي تضمنت بنوده وقف إطلاق النار بين المعارضة المسلحة المعتدلة وقوات النظام في ريف حُمص الشمالي، وذلك برعاية الحكومة المصرية، وضمانة وزارة الدفاع الروسية.

ويأتي الدور المصريّ في رعاية اتفاقيتي الغوطة الشرقيّة وحمص، بعد عدد من الفعاليّات التي احتضنتها القاهرة لفصائل المعارضة السوريّة، أبرزها مؤتمر «المعارضة السورية» فى القاهرة بـ3 أيّار/مايو من عام 2017 ، وتوازى ذلك مع زيارات واتّصالات سريّة وعلنيّة بين أجهزة الاستخبارات السوريّة والمصريّة.

وكانت الزيارة الأخيرة المعلنة للقيادات الأمنيّة بين مصر وسوريا، زيارة رئيس مكتب "الأمن الوطنيّ" اللواء علي المملوك للقاهرة، بناء على دعوة من الجانب المصريّ، في 18 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016، برفقة 6 مسؤولين سوريّين، التقى خلالها رئيس المخابرات العامّة المصريّة اللواء خالد فوزي.

من جهته، قال عضو الأمانة العامّة لتيّار "الغدّ السوريّ" قاسم الخطيب في تصريحات خاصّة لـ"المونيتور": إنّ الدور المصريّ في اتفاقتي الغوطة الشرقيّة وحمص تمثل فقط في احتضان المفاوضات بدعم روسيّ بين أطراف الاتفاقيّة على الأراضي المصريّة من دون تدخّل من الجانب المصريّ في تفاصيل البنود أو محاولة فرض رؤيته على الأطراف المشاركة".

أضاف: "إنّ المشاركين في المفاوضات تمثّلوا بوجود ممثّل لكلّ من الحكومة المصريّة ووزارة الدفاع الروسيّة وجيش الإسلام ورئيس تيّار الغدّ السوريّ أحمد الجربا بكلتا الاتفاقيتين".

وأوضح "أنّ روسيا هي من أقنعت النظام السوريّ بالامتثال للرعاية المصريّة لكلتا الاتفاقيتين"، وقال: "بجانب الدعم الروسيّ لاحتضان مصر للاتفاقيتين، كان هناك طلب من جانبنا بهذا الأمر، فضلاً عن الدفع السعوديّ لجيش الإسلام المدعوم من جانبه، ليكون طرفاً داخل كلتا الاتفاقيتين الاتفاقيّة، بعد مساع من الجانب السعوديّ الذي رحّب بالرعاية المصريّة لهذه الاتفاقيّة".

وأكّد قاسم الخطيب أنّ "الجانب الروسيّ هو الضامن لبنود كلتا الاتفاقيتين من خلال نشر قوّات الشرطة العسكريّة الروسيّة في مدينة حمص السورية، وكذلك منطقة الغوطة الشرقيّة لمراقبة المعابر الحدوديّة ومراقبة الالتزام بوقف الإطلاق النار من أيّ فصيل".

وأوضح أنّ “مصر ستكون راعية لأكثر من اتفاقيّة هدنة داخل المناطق السوريّة في الأيّام المقبلة على أساس قبول أكثر من طرف في الأزمة بدورها، باستثناء التنظيمات المتطرّفة المدعومة قطريّاً، وكذلك إيران التي تريد التصعيد العسكريّ".

وأشار أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة الأميركيّة طارق فهمي إلى "أنّ مصر لم تكن مشاركة في صياغة بنود اتفاقيّة الغوطة الشرقيّة، ولم تدخل في تفاصيل المفاوضات، وأنّ دورها كان مقتصراً على احتضان أراضيها المفاوضات وتوقيع الاتفاقيّة"، موضحاً أنّ "هذا الدور المصريّ في احتضان المفاوضات كان بمسعى روسيّ واضح لتنمية الدور المصريّ في الأزمة السوريّة"، وقال: إنّ الجانب الروسيّ سيدفع بمصر إلى ملء الفراغ في الأزمة السوريّة الذي يتمثل في غياب وسطاء محايديين، وذلك عبر تعزيز دورها في احتضان المفاوضات والاتفاقيّات التي تتعلّق بالأزمة السوريّة خلال الفترة المقبلة.

وأكّد أنّ هذا يتطلّب من الجانب المصريّ حركة دؤوبة في كلّ الاتجاهات، الأمر الذي يعني عودة العلاقات مع النظام السوريّ والدخول تحت المظلّة الروسيّة للتنسيق في المواقف.

من جهتها، قالت الباحثة في مركز الأهرام للدراسات السياسيّة والاستراتيجيّة رابحة سيف علام "تمثّل الموقف المصريّ منذ بداية الأزمة السوريّة في عدم اتّخاذ مواقف راديكاليّة، وحرصه على إقامة علاقات متوازنة مع المعارضة السوريّة المعتدلة، وخلق منصّات لها في العاصمة المصريّة، وكذلك استمرار التواصل مع النظام السوريّ، وعدم إغلاق سفارة مصر بدمشق، وهو ما ساهم في أن تكون مصر منصّة لهذه المفاوضات".

وعن الصعوبات المحتملة لاستمرار الرعاية المصرية لاتفاقات الهدنة، أجابت رابحة : إنّ الرعاية المصريّة في المناطق الأخرى سيهدّد استمرارها المعارضة من جانب الفصائل السوريّة الموالية لتركيا، كحركة أحرار الشام، التي تنشط في شمال سوريا، بينما وجدت رعايتها لاتفاقيّة الغوطة الشرقيّة قبولاً ونجاحاً لاعتبارات تتعلّق بصلات تيّار الغدّ السوريّ الوثيقة بالفصائل المسؤولة عن الوضع في المنطقة الشرقيّة، خصوصاً في ظلّ عدم سيطرة النظام على هذه الأرض.

وأكّدت أنّ مشاركة فصيل جيش الإسلام، المدعوم سعوديّاً، في هذه المفاوضات، ترتبط بكونه في حالة ضعف وعدم تماسك، ولم يعد المسيطر الوحيد في منطقة الغوطة الشرقيّة، موضحة أنّ الدفع به من جانب السعوديّة لا يعني تغيير مواقفها تجاه الأزمة السوريّة.

لا يتجاوز الدور المصريّ في هذه الوساطة، سوى كونه منصّة للمفاوضات وناقلاً للرسائل بين أطراف النزاع السوريّ، بدعم روسيّ لهذا الدور، الذي يجد في صلاته المتوازنة مؤهّلات جيّدة ليكون راعياً لأيّ اتّفاق مقبل لتسوية الأزمة التي طالت جولاتها.

وجد في : mediator, abdel fattah al-sisi, bashar al-assad, syrian conflict, cairo, cease-fire, ghouta
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X