نبض العراق

هل سيتحوّل الحشد الشعبيّ إلى قوّة عسكريّة وطنيّة عراقيّة؟

p
بقلم
بإختصار
يعاني رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي من ضغوط إيرانيّة للبقاء على قوّات الحشد الشعبيّ والابتعاد عن الولايات المتّحدة الأميركيّة.

قدّم المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي مجموعة من النصائح في لقاء جمعه مع رئيس الوزراء العراقيّ حيدر العبادي في ٢٠ حزيران/يونيو، ونصح علي خامنئي العراقيّين بأن يكونوا حذرين مع الولايات المتّحدة الأميركيّة، وألاّ يثقوا بها أبداً، مطالباً بـ"الوقوف في وجه دخول القوّات الأميركيّة بحجّة التدريب وأمور أخرى"، محذّراً من محاربة الحشد الشعبيّ من قبل "أميركا وأذنابها"، اللتين تريدان للعراق أن يخسر أحد أهمّ عوامل قوّته.

وتأتي هذه النصائح على النقيض من توجّهات الحكومة العراقيّة ورغبتها في التعاون المستمرّ والمتواصل مع الولايات المتّحدة، كما صرّح بذلك المتحدّث باسم الحكومة العراقيّة سعد الحديثي. ولقد انعكس هذا التناقض على علاقة حيدر العبادي وقادة كبار في الحشد الشعبيّ، ومن أهمّ قادة الحشد الشعبيّ من لديهم علاقات قريبة جدّاً مع إيران ويعتبرون أنفسهم جزءاً مهمّاً من "محور المقاومة" بقيادة إيران.

وفي الجولة الأخيرة من الخلافات ما بين هؤلاء القادة والعبادي، صرّح الأخير في ١٨ حزيران/يونيو بأنّه أمر قوّات الحشد الشعبيّ بتحرير مناطق أطراف تلّعفر قبل 4 أشهر، لكنّها لم تنفّذ أوامره.

وعقب تصريحات العبادي الأخيرة، هاجم الأمين العام لمنظّمة "بدر" هادي العامري، حيدر العبادي في تصريحات تلفزيونيّة في ٢٦ حزيران/يونيو واتّهمه بالكيل بمكيالين وعرقلة عمليّات قوّات الحشد الشعبيّ، وقال العامري: "(رئيس الوزراء) أتعبنا جدّاً، فلا نستطيع أن نبدأ بعمليّة، إلاّ بعد أن نقنعه ونتوسّل إليه ونترجّاه، ولا أعلم لماذا؟".

وعن أوامر العبادي المتعلّقة بتنظيف مناطق أطراف تلّعفر، قال هادي العامري: "قلنا لرئيس الوزراء، نحن مستعدّون (لتحرير تلّعفر)، فقال (رئيس الوزراء) لا أستطيع، (هناك) أسباب". أضاف العامري: "لا أعلم ما هي هذه الأسباب، (هل هي) الجنّ او الإنس؟... رئيس الوزراء وضع فيتو على دخول الحشد إلى تلّعفر".

وأشار إلى أنّهم رفضوا الأوامر لأن إحكام الطوق حول تلّعفر من دون تحرير مركز المدينة سيضع أرواح مقاتلي الحشد الشعبيّ في خطر. وبدلاً من تحرير أطراف تلّعفر، اختارت القيادات في الحشد الشعبيّ التوجّه إلى مناطق جنوب سنجار، وصولاً إلى البعاج والحدود العراقيّة السوريّة.

وهناك تحفّظات من قبل جهات داخليّة على دخول الحشد الشعبيّ إلى تلّعفر. كما أنّ الرئيس التركيّ رجب طيّب أردوغان قد حذّر في وقت سابق من مغبّة دخول الحشد الشعبيّ إلى هذه المدينة. ويتجنّب العبادي فتح معركة عسكريّة وسياسيّة مع تركيا، وفي الوقت نفسه يحاول أن يراعي وضع تلّعفر المعقّد، الذي شهد أعمق الانقسامات الطائفيّة منذ عام ٢٠٠٣، ولكن يبدو أنّ قادة الحشد الشعبيّ المقرّبين من إيران لا يؤيّدون سياسات العبادي هذه التي تهدف إلى عدم التصعيد. ولهذا، لا ينصاعون إلى كلّ أوامره، كما حصل قبل 4 أشهر، وأيضاً ينتقدونه علناً، الأمر الذي يتعارض مع الأنظمة والقوانين العسكريّة.

وأعرب العباديّ عن استيائه من عدم إلتزام بعض الأطراف في الحشد الشعبيّ بأوامره في مؤتمره الصحافيّ الأسبوعيّ الذي أقيم في ٤ تمّوز/يوليو. وردّ العبادي على الجهات التابعة إلى الحشد الشعبيّ والتي تطلب بدخول الأراضي السوريّة وقال: "بعض هذه المطالبات هي موقف إقليميّ وليس موقف عراقيّ. أتمنّى إبعاد العراق عن الصراعات الإقليميّة... كما تعلمون في الحشد الشعبيّ هناك مقاتلون وهناك سياسيّون، هذه صيحات سياسيّة... سماحة السيد السيستاني لم يقل قاتلوا في سوريا والحكومة العراقية شكّلت هيئة الحشد الشعبيّ تحت قيادة القائد العام للقوّات المسلّحة عراقيّة ".

وتبرز هذه السجالات والخلافات إشكاليّة كبيرة في بنية قوّات الحشد الشعبيّ، إذ يؤكّد قانون الحشد الشعبيّ ارتباط هذه القوّات بالقائد العام للقوّات المسلّحة، ولكن على أرض الواقع تدار هيئة الحشد الشعبيّ من قبل قادة وسياسيّين بعضهم ينافسون العبادي في الساحة السياسة ويحترمون أوامر القيادة الإيرانيّة أكثر من أوامر العبادي، فعلى سبيل المثال يفتخر أبو مهدي المهندس بأن يكون جنديّاً لقاسم سليماني، وهو قائد فيلق القدس الإيرانيّ.

ورغم تأكيدات قادة الحشد المقرّبين من إيران احترامهم لأوامر العبادي، إلّا أنّه يعترف الكثير منهم بأنّهم يقلّدون المرشد الأعلى في إيران. وتشكّل هذه العلاقة العقائديّة بقائد سياسيّ- دينيّ غير عراقيّ العقدة التي تؤدّي إلى تقويض مؤسّسات الدولة العراقيّة. وتبرز أهميّة هذه العلاقة عندما ينحاز هؤلاء القادة إلى الحكم الشرعيّ على حساب أحكام الدولة، فهم يرون من الواجب أن يتّبعوا زعيمهم الدينيّ في الدرجة الأولى.

وقال الأمين العام لعصائب أهل الحقّ قيس الخزعليّ في مقابلة بـ٨ حزيران/يونيو: "عندما يتعارض الحكم الدينيّ مع الحكم الوضعيّ، أقدّم الحكم الدينيّ على الحكم الوضعيّ". وبما أنّ قيس الخزعليّ يقلّد خامنئي، فهو سوف لن ينصاع إلى قوانين الدولة العراقيّة وأنظمتها في حال استلامه توجيهات من خامنئي تعارض هذه القوانين والأنظمة.

وفي محاولة لإبعاد تهمة عدم وطنيّته، يستند الخزعلي على توجيهات خامنئي، التي تنصّ على اتباع رأي المرجع الدينيّ الأعلى السيّد علي السيستاني في كلّ ما يخصّ العراق، ولكنّ عمليّاً يرجّح رأي خامنئي على السيستاني.

وأكّد الخزعلي في مقابلة أخرى بثّت في ٢٧ أيّار/مايو من عام ٢٠١٧ أنّ "بقاء أو عدم بقاء الحشد الشعبيّ سوف لن يعتمد على فتوى المرجعيّة (في النجف)، (وإنّما) سيعتمد على استمرار قانون الحشد الشعبيّ الذي سنّه البرلمان".

ومن الواضح أنّ الخزعلي يحاول هنا الانحياز إلى "القوانين الوضعيّة" على حساب الحكم الدينيّ، كونها تؤيّد رأي خامنئي في هذا المجال، الأمر الذي يتناقض مع مقولته حول تقديم الحكم الشرعيّ على الحكم الوضعي.

وإنّ علاقة هذه الفصائل العقائديّة والسياسيّة بقادة دولة أخرى وارتباطها بمشاريع عابرة للحدود تقودها إيران، والتي ليست بالضرورة في تناسق مع سياسات الدولة العراقيّة، تحول دون تحويل قوّات الحشد الشعبيّ إلى قوّة عسكريّة وطنيّة، بمرجعيّة سياسيّة عراقيّة بحتة.

وقالت الزميلة في المعهد الملكيّ للشؤون الدوليّة "تشاتام هاوس" والمديرة التنفيذيّة لمجموعة عمل مستقبل العراق نسيبة يونس في تصريح لـ"المونيتور": "هناك طريقة واحدة فقط لتحويل الحشد الشعبيّ إلى قوّات تنتمي إلى المنظومة الأمنيّة العراقيّة، وذلك عن طريق حلّ القيادة والسيطرة الحاليّة ودمج مقاتلي الحشد الشعبيّ في القوّات الرسميّة العراقيّة بشكل أفراد وليس مجموعات. ويجب أن تتمّ مقابلة هؤلاء المقاتلين للتأكّد من سجلّهم وجهوزيّتهم وتدريبهم الأصوليّ".

ولكن لا يبدو أنّ هناك أيّ تحرّك باتّجاه دمج الحشد الشعبيّ في القوّات العراقيّة النظاميّة في هذه المرحلة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : mosul, iraqi politics, shiites, haider al-abadi, pmu, popular mobilization units, ali khamenei

حمدي ملك هو محلّل شؤون الشرق الأوسط في قناة إيران إنترناشنال. وله خبرة تفوق العقد من الزمن في مجال التحليل السياسيّ، حيث عمل مع أبرز القنوات والصحف الناطقة باللغة العربيّة والإنجليزيّة والفارسيّة. أيضاً عمل مع مراكز دراسات بارزة، كمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى. وهو حاصل على شهادة الدكتوراه في علم الإجتماع من جامعة كييل البريطانية.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept