نبض العراق

مهنة الحلاقة تعود إلى الموصل بعد ما حرمها داعش

p
بقلم
بإختصار
يتوافد الموصليّون بكثافة إلى محلّات الحلاقة لحلق لحاهم، والحصول على قصّات حديثة للشعر، وهما أمران كانا محرّمين في عهد داعش.

بغداد - حلاقة الشعر من المهن التي حرّم تنظيم "داعش" ممارستها إبّان فترة سيطرته على الموصل. واليوم، تعود هذه المهنة من جديد بسبب حاجة الناس الماسّة إليها، لكنّ تهديد التنظيم والحياة المعيشيّة الصعبة لا يزالان يفرضان عودة خجولة لمحلّات الحلاقة.

عودة الحياة إلى طبيعتها في مدينة الموصل المحرّرة من سيطرة تنظيم "داعش" في 10 تمّوز/يوليو الماضي، مهمّة غاية في الصعوبة، ليس بسبب حجم الدمار الذي خلّفته العمليّات العسكريّة ومتطلّبات إعادة النازحين إلى مناطقهم وحسب، ولكن بسبب إزالة شبح الخوف والأفكار التي خلّفها التنظيم المتطرّف أيضاً، ومن بينها أفكار التحريم.

ولعلّ تحريم "داعش حلاقة الشعر طيلة السنوات الماضية، كان السبب الرئيسيّ وراء بحث أبناء الموصل عن كلّ الطرق المتاحة لإزالة اللحى واستعادة قصّات الشعر الاعتياديّة لكبار السنّ والحديثة بالنسبة إلى جيل الشباب، لكنّ محلّات الحلاقة عادت إلى العمل على استحياء، لأسباب اقتصاديّة وأمنيّة، كما أكّد الحلّاق صفاء محمّد (36 عاماً) من سكّان الساحل الأيسر للموصل.

وكان التنظيم يعاقب بعنف على عدم الالتزام بإطلاق اللحى، ومخالفة تعليمات التنظيم في خصوص تحريم شرب السجائر، وخروج النساء من دون محرّم وغيرها. وكانت المعاقبة على هكذا مخالفات السجن والجلد ودفع غرامات ماليّة. وفي إحدى الحملات لمعاقبة المخالفين للتعليمات، اقتاد عناصر التنظيم 40 شخصاً بسبب حلق لحاهم في أيلول/سبتمبر من العام الماضي إلى أحد السجون التابعة إليهم لإجراء العقوبات.

وقال محمّد الذي عاد إلى عمله قبل أسابيع قليلة لـ"المونيتور" إنّه اضطرّ إلى إعادة إعمار محلّه من جديد، بعدما قام عناصر "داعش" بتهدميه بالكامل، وعلى الرغم من المبالغ الماليّة التي تطلّبتها عمليّة الإعمار، إلّا أنّ الإقبال لا يزال ضعيفاً بسبب التهديدات التي يرسلها التنظيم إلى أصحاب محلّات الحلاقة.

وأضاف: "على الرغم من تحرير مدينة الموصل، إلّا أنّ العناصر المتطرّفة لا تزال متواجدة على شكل خلايا نائمة، والأمن لم يستتبّ في شكل كامل بعد، لذا إنّنا نتلقّى عشرات التهديدات بسبب نوعيّة الملابس وطريقة حلاقة الشعر وغيرها من الأمور التي يرفضها عناصر التنظيم". وأشار إلى أنّ تلك التهديدات تصل عن طريق الرسائل النصّيّة على أجهزة الهواتف المحمولة، أو من خلال الرسائل الورقيّة. وأردف: "وأحياناً نجد تهديدات كتبت على جدارن المحلّات باللون الأحمر".

وإلى جانب الوضع الأمنيّ، ألقى الجانب الاقتصاديّ بظلاله أيضاً على كلّ نواحي الحياة، كما عبّر الحلّاق محمّد، فأغلب أهالي الموصل هم من فئة الموظّفين، لم يتسلمّوا مرتّباتهم منذ أشهر، لذا فإنّهم يقومون بحلاقة رؤوسهم داخل المنزل، ويتجنّبون دفع أموال إضافيّة إلى الحلّاق.

ومع ذلك، يرفض محمّد إغلاق محلّه والتخلّي عن مهنته (الحلاقة الرجّاليّة)، لقناعته بأنّ الإذعان إلى تهديدات التطرّف يعني إبقاء الأوضاع على ما هي عليه قبل التحرير، وبأنّ الحياة ستتحسّن في الشكل التدريجيّ، وتعود إلى طبيعتها لا محال.

ومن خلال بحث "المونيتور" عن أحوال مهنة الحلاقة الرجّاليّة في الموصل، وجد ما يعرف بـ"الحلّاق المتجوّل" وهو الذي يتنقّل بين المنازل لحلاقة شعر زبائنه وتجنّب تهديدات المتطرّفين، والحلّاق أحمد راسم (27 عاماً) هو أحدهم، يتمّ طلبه عن طريق الهاتف المحمول ويحصل مقابل ذلك على مبالغ زهيدة.

وبيّن راسم (المعروف باسم أحمد الحلّاق)، أنّ "الكثير من زبائنه يفضّلون حلاقة اللحى في الكامل، وتخفيف الشعر حتّى لا يثيرون مخاوف رجال الأمن بسبب مظهرهم الخارجيّ، وإثبات عدم امتثالهم إلى تعاليم "داعش" وفتاواه".

وعن التهديدات التي يتعرّض إليها راسم بسبب مهنته، قال: "لا تصل إلى جميع الحلّاقين، إلّا في بعض الأحياء التي لا تشهد تواجداً مكثّفاً للقوّات الأمنيّة، وعلمت أنّ استخبارات الجيش العراقيّ قامت قبل أيّام بتتبّع بعض أرقام الجهّات التي تبعث التهديدات المختلقة، وألقت القبض على الكثير منها".

واختتم أحمد الحلّاق حديثه بالقول إنّ ""داعش" كفّر كلّ أهالي الموصل بسبب مساندتهم القوّات الأمنيّة، وبالتالي فإنّنا مستهدفون جميعاً وفي أيّ وقت، ولا يحتاج الأمر إلى مهنة نمارسها أو تعاليم متطرّفة نمارسها حتّى نتلقّى التهديدات، لذا فإنّ الناس في الموصل سيواصلون حياتهم الطبيعيّة، على الرغم من كلّ شيء".

يذكر أنّ التنظيم المتطرّف نشر في عام 2014 قائمة بفتاوى المنع في سوريا والعراق، لتحريم ارتداء الفتاة الجينز والكنزة وعليها ارتداء اللباس الإسلاميّ، العباءة والبرقع، ويمنع عليها أيضاً التبرّج، كما منع تدخين السجائر والنرجيلة.

وتتضمّن قائمة الممنوعات أيضاً إغلاق محلّات الخياطة النسائيّة في حال وجود ذكر في المحلّ، وإزالة كلّ اللافتات والإعلانات التي توضع لمحلّات التزيين النسائيّة. ومن الفتاوى الغريبة أيضاً أن يجلد 70 جلدة من يتداول كلمة "داعش"، إذ عليه أن يقول "الدولة الإسلاميّة في العراق والشام".

واللافت أنّ الأوضاع ذاتها كانت موجودة في بغداد قبل عام 2008، حيث كان تنظيم القاعدة يعمل بالخفاء ويرسل التحذيرات إلى أصحاب محلّات المشروبات الكحوليّة والسجائر، إضافة إلى الحلّاقين، ذلك أنّ هذه التنظيمات تجيد العمل كمجموعات متخفّية بين الناس، في شكل أفضل من إدارتها للدولة الإسلاميّة.​

وعليه، فإنّ مهمّة مسك الأرض من قبل أجهزة أمنيّة مدرّبة ومحترفة، وضمان إدارة متّفق عليها للمناطق المحرّرة من شأنها إبعاد مخاطر خلايا التنظيم أو "الذئاب المنفردة" التي ستحاول بكلّ الطرق إثبات وجودها خلال الفترة المقبلة.

عمر ستار كاتب وصحافي عراقي مختص في الشان السياسي عمل لوسائل اعلام محلية وعربية حاصل على شهادة البكالوريوس في العلوم السياسية.

x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X