كيف أنّ تبنّي الهوس بالحقبة العثمانية قد يرتد بنتائج عكسية على الحزب الحاكم في تركيا

مع اقتراب موعد الاستفتاء في نيسان/أبريل المقبل، انهارت حسابات المعسكر الموالي لأردوغان بالإفادة من الحلم العثماني مع مطالبة أحد أفراد السلالة العثمانية بتعويضات وبالعرش.

al-monitor .

المواضيع

kemal kilicdaroglu, akp, social media, islamists, ottoman empire, recep tayyip erdogan, neo-ottomanism

فبر 7, 2017

ان الأحلام العثمانية الجديدة التي تراود الرئيس التركي رجب طيب أردوغان انهارت في الشرق الأوسط، وقد عمد الإسلاميون، لإخفاء ذلك، إلى تحويل العثمانية الجديدة إلى عمل اجتماعي يدرّ الأرباح في تركيا.

عند الاطلاع على الأنباء التي وردت في الصحف التركية أو عبر مواقع التواصل الاجتماعي الأسبوع الماضي، قد تراودكم الشكوك حول ما إذا كانت الأمبراطورية العثمانية قد انهارت فعلاً في العام 1922 وأُرسِل المتحدّرون من السلالة العثمانية إلى المنفى في العام 1924. تبلغ العثمانية الجديدة أوجها في تركيا.

على الرغم من أنه سُمِح في العام 1974 لأفراد عائلات الحكّام العثمانيين بالعودة إلى تركيا، بقي معظمهم خارج دائرة الضوء وعاشوا حياة متواضعة. يشرح ريان جينجراس، وهو أستاذ مساعد في الكلية البحرية للدراسات العليا في مونتيري في كاليفورنيا، في كتابه "سقوط السلطنة" (The Fall of the Sultanate)، أن آل عثمان أبدوا على الدوام احترامهم لقوانين الجمهورية الجديدة وتقيّدوا بها.

توفّي آخر الأعضاء المسجّلين في الأسرة الملكية العثمانية في العام 2012، فيما كانت السياسة الخارجية العثمانية الجديدة التي انتهجتها تركيا تتصدّر العناوين من خلال خوض معارك ضارية إنما غير حاسمة. لقد انهارت الطموحات النيو-عثمانية في الشرق الأوسط، وهذا مصدر أسى شديد لأردوغان، غير أن النزعة النيو-عثمانية اكتسبت زخماً في الميدان الثقافي الداخلي من خلال مسلسلات تتطرق بالتفصيل إلى الحياة الغامضة للبلاط والأسرة الأمبراطورية في العهد العثماني. وسرعان ما انتشر الهوس بالحقبة العثمانية، أو ما يُعرَف بـ"أوتومانيا"، في الميدان التجاري. يستطيع أيٌّ كان أن يتخيّل أنه سلطان أو سلطانة ليوم واحد أو لبضع ساعات من خلال الأزياء المزخرفة والعطور والحمامات والمجوهرات وأغراض الديكور المنزلي. قبل بضع سنوات فقط، كانت جادة الاستقلال تعجّ بالسياح، وكان الباعة المتجوّلون ينادون على الملابس الداخلية النسائية قائلين: "هذه هي ملابس النوم التي كانت ترتديها زوجة السلطان، سوف تقودكنّ هذه الملابس حتماً إلى سرير السلطان ليلاً".

في الأعوام الأولى من ظهور الأحلام العثمانية، استمتعت جميع شرائح المجتمع بالتخيّلات العثمانية الجديدة: ابتكر الأتراك العلمانيون كوكتيلات تحمل أسماء العديد من السلاطنة والسلطانات، فيما بذلت الشرائح الإسلامية في المجتمع التركي جهوداً دؤوبة للتشديد على حبها وانجذابها للسلالة العثمانية، واللذين يدفعانها إلى العمل على إعادة إنشاء الخلافة. في نهاية المطاف، وفي شكل خاص خلال العامَين الأخيرين، أصبحت التذكارات العثمانية رمزاً للموقف المحافظ في المجتمع.

وفي 26 كانون الثاني/يناير الماضي، نشرت نيلهان عثمان أوغلو، وهي من عشرات المتحدّرين من السلالة العثمانية، شريط فيديو عبر موقع "تويتر" تظهر فيه وهي تعلن دعمها للتعديلات الدستورية التي يسعى أردوغان إلى إقرارها من أجل تعزيز نفوذه في منصب الرئاسة إلى حد كبير. وقد لقي تأييدها للنظام الرئاسي الإمبريالي ترحيباً شديداً عبر الحسابات المناصرة لـ"حزب العدالة والتنمية" على مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت تغريدتها على الفور من الأكثر تداولاً عبر "تويتر". كما وجّهت عثمان أوغلو، خلال حضورها تجمّعاً رسمياً في 31 كانون الثاني/يناير الماضي، انتقادات لكمال كيليتشدار أوغلور، زعيم "حزب الشعب الجمهوري" الذي يُعتبَر الحزب المعارض الأساسي في البلاد. كان كيليتشدار أوغلو، الذي يعارض التعديلات الدستورية، قد طلب من الناخبين التفكير في أسباب عدم رضاهم عن النظام البرلماني. فأجابت عثمان أوغلو بأن الأتراك ضاقوا ذرعاً بالنظام البرلماني؛ ولعبت، في خطاب أعدّته بعناية شديدة، على كل الأوتار الحسّاسة بالنسبة إلى المحافظين الأتراك عبر تحميل النظام البرلماني مسؤولية كل الأحداث المؤلمة التي شهدتها تركيا.

وقد أثار كلامها ردود فعل لدى المعارضة، وذاع صيتها بين ليلة وضحاها في تركيا. في الواقع، تحتل عثمان أوغلو حيزاً في الأنباء في العامَين الماضيين، من خلال سعيها إلى لفت انتباه الرأي العام إلى مصالحها التجارية. فعلى سبيل المثال، تباهت بأن موقعها الإلكتروني، الذي تبيع من خلاله منتجات عثمانية الطابع، غير متاح خلال صلوات الجمعة، إذ تظهر على الشاشة العبارة الآتية: "الموقع مغلَق بسبب صلوات الجمعة. يرجى زيارتنا في وقت آخر".

غير أن عثمان أوغلو لم تتوقف عند هذا الحد. فقد أطلّت في برنامج حواري واعترفت بأنها تعتبر نفسها من سلالة الملوك، وبأنها ترغب في أن يتم إحياء الملَكية من جديد. ولجأت أيضاً إلى المحكمة للمطالبة باسترداد أراضٍ وعقارات تدّعي أنها ملكٌ لأجدادها الذين كانوا ينتمون إلى الأسرة المالكة. وقد صرّحت في العديد من البرامج التلفزيونية أنه في الوقت الذي أصبح فيه العثمانيون موضة رائجة في تركيا، لا يمكنها أن تظل مجرد شبح. وأعلنت أنه إذا فشلت المحاكم التركية في إعادة الأراضي والأملاك إلى عائلتها، سوف ترفع قضية الميراث إلى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وقد أعربت، في مقابلات معها، عن حسرة شديدة لأنها لا تملك مجوهرات موروثة من عائلتها. وروت أنه عند ذهابها إلى السعودية، تحظى باستقبال الأميرات، أما في تركيا فلا يجري التعامل معها بحسب الأصول البروتوكولية الصحيحة.

غير أن ثقافتها المحدودة لم تساعدها على طرح قضيتها. فقد كانت محط استهزاء من مختلف شرائح المجتمع عندما زعمت أن نابوليون (الذي توفّي قبل عقود من ولادة عبد الحميد، السلطان المفضّل في نظرها) قال إن "عبد الحميد هو ثاني أغنى رجل على وجه الأرض من بعدي".

لكن مطالبتها بصكوك الأراضي ومستنداتها هي التي أثارت سخط جميع الأتراك. فقد أوضحت الصحف التي انتقدت طلبها هذا، أن ذلك قد يشمل مئات الأراضي داخل الحدود التركية وخارجها. كما أن فكرة إحياء السلطنة من جديد لم تلقَ استحساناً لدى غالبية الأتراك. وقد نشر المئات تعليقات عبر مواقع التواصل الاجتماعي يطلبون فيها من عثمان أوغلو أن تسدّد أولاً الديون التي خلّفتها السلالة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي. وفي حين التزمت الشرائح المحافظة في المجتمع الصمت، إدراكاً منها بأنه ليس لأردوغان دمٌ عثماني ملكي، استمتعت المعارضة بالسخرية من مطالبها. فقد وردَ في تغريدة أعيد نشرها أكثر من عشرة آلاف مرة: "لا تعيروا اهتماماً لمن يعرّفون عن أنفسهم بأنهم يتحدّرون من السلالة العثمانية، ثم يطالبون بجزيرة أو شبه جزيرة أو قصر أو بطاقات مسبقة الدفع للهواتف الجوّالة".

انتشر هاشتاغ آخر تمحور موضوعه حول أن عثمان أوغلو ليست فقط فرداً من أفراد السلالة العثمانية، بل أيضاً ابنة حفيد أحد الخلفاء – ولذلك عليها أن تتقيد باللباس الإسلامي. على الفور، أصبح هاشتاغ #nilhanosmanoglukapansin (على نيلهان عثمان أوغلو التستر في لباسها) من الأكثر تداولاً عبر "تويتر". فكان رد عثمان أوغلو مرتبكاً، إذ اعتبرت في البداية أن اللباس الإسلامي ليس فريضة دينية، ثم قالت إنها غير مستعدة لارتداء حجاب الرأس لكنها تربّت على التقوى الإسلامية. في غضون ذلك، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي صورٌ قيل إنها لعثمان أوغلو في البيكيني. حتى إنها تعرضت للسخرية أيضاً عبر الموقع الإلكتروني التعاوني المحافظ إلى حد ما Uludag Sozluk.

وكذلك وجّهت مئات التعليقات عبر الموقع الإلكتروني الليبرالي Eksisozluk، انتقادات لاذعة لعثمان أوغلو بسبب جشعها وعدم احترامها لسلالتها. على سبيل المثال، سأل العديد من المعلّقين لماذا لم تنفق بضع مئات الدولارات لوضع شاهد لائق على ضريح عمها الأكبر إذا كانت تقدّر أجدادها إلى هذه الدرجة.

إذاً ما بدأ كخطوة رابحة بالنسبة إلى عثمان أوغلو و"حزب العدالة والتنمية" – على ضوء الدعاية التي حصلت عليها مجموعة المنتجات التي أطلقتها عثمان أوغلو مؤخراً، ومساهمة تأييدها للنظام الرئاسي في تشجيع الحشود الإسلامية المعجبة بالعثمانية الجديدة – ارتدّ بنتائج عكسية وألحق أضراراً شديدة بالحملة الهادفة إلى حشد الدعم للتصويت بـ"نعم" في الاستفتاء على التعديلات الدستورية. فقد أثارت مطالباتها بالأراضي والأملاك والعرش غضب الإسلاميين، وكانت محط سخرية من جميع المجموعات المعارِضة في تركيا. وقد ثار سخط الناس في البداية وراحوا يتساءلون، لماذا يُسمَح لها بالظهور بصورة مستمرة في البرامج التلفزيونية التي تُعرَض في أوقات الذروة. لكن، في خطوة ذكية، قرّرت المعارضة استخدام النداء الذي وجّهته عثمان أوغلو لإحياء السلطنة من جديد، بمثابة الوسيلة الفضلى لإقناع الناخبين المتردّدين بالتصويت بـ"لا" في الاستفتاء الوشيك.

اتصل موقع "المونيتور" بالعديد من رجال الأعمال والإسلاميين الذين يبحث جميعهم عن سبل للتنصّل من عثمان أوغلو وإظهار أن الإرث العثماني برّاء من تصريحاتها. قال رجل أعمال بارز هو من المالكين في "البازار الكبير" في اسطنبول لموقع "المونيتور": "تعود هذه السوق إلى قرون خلت وصولاً إلى الزمن العثماني. لقد أعطانا حزب العدالة والتنمية واقعاً بديلاً – هوساً بالحقبة العثمانية اعتقدنا من خلاله أنه يمكن تغيير الماضي. العظمة الآسرة لفانتازيا النزعة العثمانية الجديدة هي التي جعلتني أحافظ على ولائي لحزب العدالة والتنمية، كان هذا قبل أن يملأ الوجه الجشع لهذه السلطانة الزائفة غرفة الجلوس في منزلي. لم يعد الحلم العثماني مريحاً، بل يبدو همجياً".

بالفعل، تُشكّل منتجات عثمان أوغلو وسواها من الصور الهابطة للحلم العثماني، مؤشراً عن الضعف الفكري في صفوف "حزب العدالة والتنمية".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض تركية

al-monitor
زيادة حادّة في عدد الزائرين الإيرانيّين تنعش قطاع السياحة التركي
Paul Benjamin Osterlund |  السياحة | يون 17, 2018
al-monitor
ازدهار الصادرات التركية إلى سورية في ظل الحرب
فهيم تشتكين | اقتصاد و تجارة | يون 7, 2018
al-monitor
التطهير العسكري التركي ينسف صفوف الضباط والطيارين
متين گورجان | | ماي 29, 2018
al-monitor
صناعة الدفاع في تركيا عند منعطف حرج
متين گورجان | اقتصاد و تجارة | ماي 25, 2018