نبض الخليج

في السعوديّة فقط حفلات الغناء تفتح أبواب الشرّ!

p
بقلم
بإختصار
كانت الحفلات الغنائية منذ عقود مثار جدل اجتماعي وديني في السعودية، الا انها قد تتحول حاليا إلى ازمة بين الديوان الملكي الذي انشأ "هيئة الترفيه" ضمن رؤية 2030 الاقتصادية التي يرعاه الأمير محمد بن سلمان، وبين المؤسسة الدينية التي ترفض الحفلات الغنائية والاختلاط بين الجنسين وتعتقد انها من أبواب الشر والفساد على بلادهم وانها تخالف النظام الأساسي للحكم السعودي الذي ينص على أن دستوره القران والسنة وأن آل سعود ملتزمون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

برعاية الاميرة عادلة بنت الملك الراحل عبدالله بن عبدالعزيز رئيسة الجمعية السعودية للمحافظة على التراث وحضور عدد من الأميرات السعوديات شهدت العاصمة الرياض بوسط السعودية في 14 فبراير الحالي حفلا غنائيا للفنانة السعودية وعد وكان مخصصا للنساء فقط، تكريما لذكرى الفنان السعودي الراحل طارق عبد الحكيم المتوفى عام 2012.

وقد أطلق أخيراً مغرّدون سعوديّون في العاصمة الرياض بوسط السعوديّة هشتاق نطالب_بمحمد_عبده_بالرياض، بعد الإقبال الكبير الذي شهدته الحفلة الغنائيّة الحاشدة التي شارك فيها الفنّان السعوديّ محمّد عبده مع اثنين من الفنانين الخليجيين داخل الصالة المغطّاة في استاد "الجوهرة" الرياضيّ بمدينة جدّة الساحليّة - غرب السعوديّة في 30 كانون الثاني/يناير الفائت، وحضرها أكثر من 6 آلاف سعوديّ كلّهم من الرجال. ويبدو أنّ استثناء النساء من حضور حفلة جدّة كان مراعاة من قبل "هيئة الترفيه" لموقف المؤسّسة الدينيّة في السعوديّة، التي كانت وما زالت تعارض الاختلاط بين الرجال والنساء.

وفي مقابلة مع قناة "العربيّة"، عشيّة الحفل الغنائيّ في 30 كانون الثاني/يناير الفائت، أعلن مدير شركة "روتانا" سالم الهنديّ، وهي الشركة المنظّمة لحفلة جدّة، والتي يملكها الأمير السعوديّ الوليد بن طلال، أنّهم يعملون على إقامة حفلات أخرى في مناطق عدّة في السعوديّة، وستخصّص أماكن لحضور النساء، إذا سمحت لهم الجهات الرسميّة في السعوديّة.

أمّا المفتي العام في السعوديّة الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، وهو قائد المؤسسة الدينية في السعودية وحفيد محمد بن عبدالوهاب كان الصوت البارز الذي صرح علنا عن موقفه من الحفلات الغنائيّة في مقابلة مع قناة "المجد" السعوديّة في 13 كانون الثاني/يناير الفائت، فقال: إنّ الحفلات الغنائيّة والسينما يشكّلان ضرراً وفساداً، وإنّهما من أبواب الشرّ على المسلمين.

وبعد يومين من تصريح عبد العزيز آل الشيخ الرافض لإقامة الحفلات الغنائيّة ودور السينما، قام رئيس الهيئة العامّة للترفيه أحمد الخطيب، التي أنشئت بأمر ملكيّ في 8 أيّار/مايو الفائت، بزيارة آل الشيخ ليشرح له خطّة "هيئة الترفيه" المستقبليّة وبرامجها وطمأنته إلى مراعاة "الضوابط الشرعيّة"، التي تطلق عادة على الفصل بين الرجال والنساء خلال إقامة الحفلات الغنائيّة.

ورغم أنّ أغلب أعضاء هيئة كبار العلماء وهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعتنقون المنهج السلفيّ الذي يعتبر الغناء من لهو الحديث المحرّم، خصوصاً إذا كان مصاحباً للموسيقى والاختلاط بين الرجال والنساء، إلاّ أنّ هؤلاء العلماء وأصحاب المناصب الدينيّة الذين تمّ تعيينهم من قبل الديوان الملكيّ يخفون آراءهم الحقيقيّة تجنبا لغضب الديوان الملكي ويمتنعون عن التصريح العلنيّ بما يعتقدون أنّه مخالف للقرارات الملكيّة وللتوجّهات الجديدة للديوان الملكيّ الأكثر انفتاحا المتعلّقة بالحفلات الغنائيّة والعروض السينمائية المعتمدة في برنامجها الترفيهي لعام 2017 "روزنامة الترفيه" الذي أعلنت عنه "هيئة الترفيه" ضمن برنامج رؤية 2030 الإقتصاديّة vision2030.gov.sa، التي يرعاها وليّ وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان.

وخلال اجابته على سؤال عن حكم حفلات الغناء عبر إذاعة نداء الإسلام السعودية في 13 يناير الفائت، اضطر عضو هيئة كبار العلماء الشيخ عبد الله المطلق ان يعبر بكلام لطيف وغير مباشر عن رفضه للحفلات الغنائيّة عندما طالب احمد الخطيب" رئيس هيئة الترفيه" بالاستجابة لكلام المفتي "آل الشيخ" الرافض لإقامة الحفلات ووجّه عبد الله المطلق رسالة خلال اللقاء الإذاعي إلى أحمد الخطيب طالب فيها: بإجراء استفتاء شعبي على موقف المواطنين من هذه الحفلات لإنّ الشعب لا يريد حفلات الغناء!، وإنّها تفرض عليه، ولم يذكر "المطلق" أصحاب القرار الأساسيّ، وهو الديوان الملكيّ الذي أمر بإنشاء هيئة الترفيه وعيّن رئيسها ومنحها صلاحيّات إقامة الحفلات الغنائيّة التي تحرمها المؤسسة الدينية بالأساس وترفضها سواء صاحبها اختلاط بين الجنسين أو انفصال.

ورغم أنّ كلّ المهرجانات الثقافيّة والحفلات الغنائيّة لا تقام في السعوديّة، إلاّ بعد الحصول على موافقة من أمير المنطقة أو من يمثّله، وأغلب الأغاني السعوديّة يكتبها شعراء أمراء مثل بدر بن عبد المحسن وسعود بن عبدالله، وإنّ "روتانا" التي تعتبر من أكبر الشركات الفنيّة المنتجة للأغاني والموسيقى العربيّة يملكها أمير، إلاّ أنّ السلفيّين يتحاشون توجيه النقد العلنيّ إلى أفراد الأسرة المالكة السعوديّة، ويوجّهون جام غضبهم وعباراتهم المسيئة ضدّ الفنانين المشاركين بالحفلة، وفي مقدّمهم الفنان السعودي محمّد عبده، وضدّ هيئة الترفيه التي يرأسها مواطن سعودي وضدّ مدير "روتانا"، وهو مواطن خليجيّ أيضاً.

وسبق أن أعلن أمير منطقة عسير - جنوب السعوديّة الأمير فيصل بن خالد خلال مؤتمر صحافيّ في عام 2009 عن إلغاء الحفلات الغنائيّة نهائيّاً من المهرجانات السياحيّة السنويّة التي تقيمها مدينة أبها منذ صيف 1998 والاكتفاء بالأنشطة الثقافيّة والفولكلوريّة، استجابة في ما يبدو لضغوط المتشدّدين السلفيّين حينها، رغم أنّه علّل قراره للإعلام بأنّه لا يعتبر الحفلات الغنائيّة من الفعاليّات المهمّة، وأنّه متحفّظ على إقامتها، وقد وجد هذا القرار ارتياحاً لدى المحافظين.

وأصدرت الرياض في وقت سابق قرارات عدّة تهدف إلى إضعاف نفوذ المتشدّدين في المؤسّسات الدينيّة مثل قرار مجلس الوزراء الصادر في نيسان/إبريل من عام 2016 بإعادة تنظيم صلاحيّات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومنعها من ملاحقة الأشخاص أو القبض عليهم واستجوابهم وقد نفذت الهيئة ذلك القرار، وكذلك الأمر الملكيّ الصادر في كانون الأوّل/ديسمبر الفائت بإعادة تشكيل هيئة كبار العلماء وزيادة عدد أعضائها الـ19 الموجودين منذ عام 2013 إلى 21 عضواً مع استبدال تدريجيّ للأعضاء المتشدّدين فقهيّاً بآخرين معتدلين يتوافقون مع السياسة الجديدة للديوان الملكيّ في الرياض التي تسعى الى انفتاح المجتمع السعودي خاصة فيما يتعلق بنظرته المحافظة تجاه الفنون والمرأة.

ومع أنّ تشكيلة هيئة كبار العلماء أصبحت حاليّاً أكثر مرونة وانسجاماً مع السياسة الجديدة، رغم وجود أعضاء تقليديّين ومتشدّدين فقهيّاً مثل صالح اللحيدان وصالح الفوزان، إضافة إلى المفتي العام عبد العزيز آل الشيخ، الذين لا يتحدّثون عادة عن استشراء الفساد الماليّ والبطالة في السعوديّة، ولم يعترضوا على زيادة أسعار البنزين والكهرباء ولا على قرار وقف المكافآت والعلاوات السنوية للموظفين السعوديين التي اتخذتها الحكومة السعودية في سبتمبر 2016 إلاّ أنّ بن سلمان لم يخف قلقه من وجود عدد من رجال الدين المتشددين في السعودية وصفهم بالجمود الفكري قد يتسبّبون في تعطيل الإصلاحات الاقتصادية، في إشارة منه إلى رفضهم لحفلات الأغاني وصالات السينما والاختلاط بين الرجال والنساء لأنها من الاعمال المحرمة والمنكرة بحسب المنهج السلفي كما ورد في حديثه مع مجلّة "فورين أفيرز" المنشور في 5 كانون الثاني/يناير الفائت.

النظام الملكيّ في السعوديّة يستمد شرعيّته من الشريعة الإسلاميّة، ويلتزم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما جاء في المادّة 23 من النظام الأساسيّ للحكم "الدستور"، وهذا يعني أنّ الرياض ما زالت في حاجة إلى المؤسّسة الدينيّة ودعاتها السلفيّين لتثبيت شرعيّتها السياسية، ولأنّ نظام الحكم الملكي المطلق فيها لا يقبل بفكرة التحول الى ملكية دستورية برلمانية فهو مضطرّ في سعيه لتحقيق رؤيته الاقتصادية إلى احتواء كبار علمائه ودعاته الغاضبين، إمّا بعزلهم وتهميشهم وإمّا بتقريبهم وإغرائهم بالمنح الماليّة والوظيفيّة. وفي الحالتين، ستفقد الحكومة السيطرة على آلاف الشباب المندفعين دينيّاً، وهؤلاء تصل بهم الحال إلى أن يفقدوا الثقة برجال الدين المقرّبين من الحكومة أو فقد تواصلهم بالعلماء المعزولين والمغضوب عليهم. وفي الحالتين، ستفتح أبواب الشرّ على المؤسستين السياسيّة والدينيّة على حد سواء.

وجد في : film, sharia, music, women's rights, committee for the promotion of virtue and prevention of vice, salafists, culture war, saudi royal family
x

Cookies help us deliver our services. By using them you accept our use of cookies. Learn more... X