االحوثيّون وصالح تجمعهما الحرب وتفرّقهما السياسة

بدأت المشادات والاحتكاكات تظهر سريعاً بين الحوثيين وحلفائهم انصار صالح رغم تشكيل حكومة مشتركة بين الحوثيين وصالح في 28 نوفمبر تحت مسمي حكومة الانقاذ الوطني، وهذه الخلافات كانت متوقعة بسبب طبيعة التحالف بين هذين الطرفين اللذين تجمعهما الحرب وتفرقهما السياسة. فهذه الحكومة اعلن عنها بعد اربعة أشهر من المفاوضات المتعثرة بين الحوثيين وصالح بعد تشكيل المجلس السياسي المشترك بينهما في 6 اغسطس الماضي اثر فشل مفاوضات الكويت.

al-monitor .

المواضيع

yemeni government, yemeni civil war, yemen revolution, sanaa, houthis, general people's congress (gpc), ali abdallah saleh

ينا 4, 2017

بدأت المشادات والاحتكاكات تظهر سريعاً بين الحوثيين وحلفائهم انصار صالح رغم تشكيل حكومة مشتركة بين الحوثيين وصالح في 28 نوفمبر تحت مسمي حكومة الانقاذ الوطني، وهذه الخلافات كانت متوقعة بسبب طبيعة التحالف بين هذين الطرفين اللذين تجمعهما الحرب وتفرقهما السياسة. فهذه الحكومة اعلن عنها بعد اربعة أشهر من المفاوضات المتعثرة بين الحوثيين وصالح بعد تشكيل المجلس السياسي المشترك بينهما في 6 اغسطس الماضي اثر فشل مفاوضات الكويت.

ثم تلاها تكليف الدكتور عبد العزيز بن حبتور رئيساً للوزراء في اكتوبر الماضي، وكانت نتيجة هذه المشاورات الطويلة حكومة ضخمة تتشكّل من 42 وزارة. تعكس هذه المفاوضات العسيرة طبيعة التحالف بين هذين الطرفين، حيث يتماسك نسبيّاً في أوقات الحرب، ويصيبه التوتّر عندما يتعلّق الأمر بالسياسة، حيث يتمّ التعامل مع أيّ أمر سياسيّ بمنطق توزيع الغنيمة.

يمكن تفسير ضخامة عدد الوزارات برغبة كلّ طرف في مراضاة أكبر قدر ممكن من مناصريه. ففي اليمن، طوال فترة رئاسة علي عبدالله صالح وما تلاها من مرحلة انتقالية بدأت منذ عام 2012م حنى انهيارها في 2015، كانت مناصب الدولة وسيلة مهمّة لشراء ولاءات الناس. كذلك، كان لتوزيع الوزارات بينهما دلالته في طبيعة أولويّات كلّ طرف، حيث اهتمّ الحوثيّون في أخذ الوزارات المعنيّة بالتثقيف مثل وزارتي التربية والتعليم والإعلام، بينما أخذ حزب المؤتمر الشعبيّ العام الوزارات التي تدرّ ربحاً مثل الاتّصالات والنفط، إضافة إلى وزارات فنيّة كثيرة، بينما كانت وزارة الداخليّة من نصيب الحوثيّين، أمّا وزارتا الدفاع والخارجيّة فمن نصيب المؤتمر الشعبيّ العام.

تواجه هذه الحكومة الضخمة تحدّيات جمّة أوّلها الشرعيّة المنقوصة، حيث لم تعترف بها أيّ دولة. داخلياً، يعد تشكيل هذه الحكومة محاولة متأخّرة لشرعنة سلطة تحالف الحوثيين وصالح في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم، حيث اعتاد اليمنيّون بمختلف أطيافهم تسمية هذين الطرفين بسلطة الأمر الواقع. فقد جاءت هذه المحاولة في نهاية مفاوضات الكويت التي انهارت في آب/أغسطس الماضي، متأخّرة جدّاً بعد نقل حكومة هادي البنك المركزيّ من صنعاء إلى عدن، وزيادة شدّة حصار المفروض من التحالف بقيادة السعودية على الجزء الشماليّ من اليمن الذي يتحكّم بمعظم مساحته تحالف جماعة الحوثيّ-صالح.

قد تصطدم محاولة شرعنة سلطة الأمر الواقع في الداخل بهذه الحكومة بعقبات عدّة، أوّلها الوضع الاقتصاديّ المنهار وخزينة البنك الفارغة مع قلّة الموارد مثل تصدير النفط، ثانيها تشكّل جماعات مصالح ورؤوس فساد كبيرة داخل ما صار يعرف باللجان الشعبيّة التي استفادت من وضع الحرب وتعطل عمل مؤسسات الدولة وبالتالي يعملون دون أي رقيب وبحجة الحرب يجمعون الأموال من الناس، هذه اللجان شكّلتها جماعة الحوثيّ بعد إسقاطها العاصمة صنعاء في أيلول/سبتمبر 2014، بحجّة الإشراف على مؤسّسات الدولة "الفاسدة". لكنّ هذه اللجان سرعان ما تحوّلت إلى أداة لابتزاز المواطنين، وفرض أتاوات على رجال الأعمال غير الضرائب، إضافة إلى أنّ هذه اللجان صارت أخطبوط لسرقة المال العام. كانت هذه اللجان تتسبّب بمشاكل كثيرة قبل اندلاع الحرب، بسبب تدخّلها في عمل حكومة الشراكة التي تشكّلت بعد إسقاط الحوثيّين العاصمة صنعاء، وربّما تسبّب المشاكل ذاتها مع الحكومة الحاليّة، خصوصاً مع شريك الحوثي بالحكومة من وزراء حزب المؤتمر الشعبيّ العام.

مع مرور الوقت، صار من الصعب حلّ هذه اللجان وتفكيك شبكة المستفيدين منها، ممّا قد يؤدّي إلى صدام بين جماعة الحوثي وحليفه حزب المؤتمر الشعبيّ العام بقيادة الرئيس السابق صالح، وهذا يقود إلى النقطة الثالثة والأخيرة، وهي أنّ الحكومة كما ظهر منذ إعلانها الأوّل كانت توزيع غنائم بين الطرفين، في ظلّ منافسة محمومة بين الطرفين على المناصب وأموال الدولة، وصار التوتّر الإعلاميّ هو الغالب على العلاقة بينهما أخيراً.

تعدّ خطوة تشكيل الحكومة فارقة في هذه العلاقة ضمن ما يمكن اعتباره المرحلة الثالثة في هذا التحالف. بدأ تحالف جماعة الحوثي وصالح بمرحلة التقاء الهدف والخصم. وكان هدفهما المشترك تقويض العمليّة السياسيّة الانتقالية التي بدأتها اليمن عام 2012، لكن لكلّ أسبابه المختلفة، جماعة الحوثي لأنّها تستطيع بالسلاح أن تأخذ أكثر من السياسة والانتخابات التي لن تمنحها اكثر من مقاعد قليلة في مجلس النواب وبالتالي نصيب بسيط من أي حكومة، أما السلاح فلأنه اقوى جماعة مسلحة ومنظمة يستطيع الحوثي أخذ نصيب أكبر من السلطة. أمّا الرئيس السابق صالح فهو أوّلاً بهدف التأكيد أنّ ثورة 2011م ضدّه فشلت، وكذلك بسبب خروج مؤتمر الحوار الوطنيّ الذي شارك فيه كل المكونات السياسية مثل الحوثي وحزب المؤتمر بقيادة صالح، وبدأ عام 2013 وانتهي في يناير 2014 بتوصيات للدستور، مثل منع ترشيح أيّ عسكريّ في الجيش إلى الرئاسة قبل مرور عشر سنوات من خروجه من المؤسّسة العسكريّة، ممّا يعني إفشال مخطّط صالح في ترشيح ابنه أحمد القائد للانتخابات الرئاسيّة المقبلة لأنه قائد عسكري منذ 2001 حتى عزله الرئيس هادي عام 2012م.

السبب الثاني كان الطبيعة الجهويّة المشتركة، فكل من الحوثي وانصار الرئيس السابق صالح ينتميان لذات المنطقة التي يغلب عليها المذهب الزيدي وتحتكر السلطة والحكم في اليمن منذ مئات السنوات. يمثّل صالح الجزء القبليّ من المنطقة الزيديّة في اليمن، وجماعة الحوثي تمثّل الجانب المذهبيّ–الدينيّ، للمنطقة ذاتها، وبالتالي، صار لهما خصوم مشتركون بحكم الطبيعة العصبيّة لكليهما مثلاً حزب الإصلاح لأسباب مذهبيّة بالنسبة إلى جماعة الحوثي أو بسبب الثأر من ثورة 2011 لدى صالح، وكذلك شكّل الرئيس عبد ربّه منصور هادي خطراً إلى كليهما، بما يمثّله من صعود سياسيّ لمناطق يمنيّة مختلفة مثل الجنوب مما قد يكسر احتكار السلطة بالمنطقة الزيدية المشتركة بينهما.

بدأ التوتّر بين هذين الطرفين بسبب محاولات الحوثيّين التوسّع في مناطق نفوذ صالح من قبائل موالية له أو معسكرات للجيش، وكانت أبرز الخلافات ظهرت بينهما على شكل مناوشات مسلّحة خفيفة، بسبب صراعمها حول معسكر صباحة، في جنوب العاصمة صنعاء في شباط/فبراير 2015. تزامن هذا الصراع مع قيام الحوثيّين بخطوة منفردة، وهي الإعلان الدستوريّ في فبراير 2015م، ممّا أدّى إلى زيادة الهوّة بين الطرفين، لأنّه تمّ من دون مشاورة مع حليفهما الوحيد، كما أنّ هذا الإعلان يقضي بحل مجلس النوّاب الذي تسيطر عليه غالييّة حزب المؤتمر الشعبيّ العام الموالي لصالح، وكذلك بموجبه تكون هناك مرحلة انتقاليّة لمدّة عامين، ممّا يقضي على آمال صالح بإجراء انتخابات برلمانيّة مبكرة، حيث كان صالح يجيد لعبة الانتخابات منذ كان في السلطة –لمدة 33 عاماً منذ 1978 حتى 2012م وبالتالي يسيطر على اللجنة العليا للانتخابات والمجالس المحلية ذات الدور الحاسم في ترجيح كفّته في الانتخابات، وبطبيعة الحال تخشاها جماعة الحوثي لأنها جماعة غير ذات خبرة سياسية ولا تمتلك قاعدة شعبية.

ظلّ التوتّر سيّد الموقف بين الطرفين، حتّى اندلعت عاصفة الحزم في مارس 2015 وبدأت مرحلة تحالف ثانية جديدة تحكمها الضرورة والشعور بالخطر المشترك، ممّا خلق تماسكاً ظاهريّاً بينهما. وسرعان ما تجدّد هذا التوتّر مع بدء تفاوض الحوثيّين مع السعوديّة وتجاهل طرف صالح، ممّا دفع صالح إلى دعوة أنصاره إلى الاحتشاد بمناسبة الذكرى السنويّة الأولى لبدء الضربات السعوديّة، ممّا أثار غضب الحوثيّين، لأنّه يستعرض قوّة صالح الشعبيّة وهذه قوّة يفتقدها الحوثي. هذا التوتّر لم يتجاوز الإعلام رغم تصاعده أثناء مفاوضات الكويت، وصار الفريق الذي يمثّلهما فريقين منفصلين بسبب هيمنة جماعة الحوثي على المفاوضات، لأنّ المجتمع الدوليّ يتعامل مع جماعة الحوثي بجديّة أكبر، باعتبارها القوّة العسكريّة الصاعدة، وكذلك ضمن وضع الصراع في اليمن ضمن الإطار الإقليميّ للصراع بين السعوديّة وإيران، حيث يمثّل الحوثيّون إيران وكذلك لأن الحوثيين يسيطرون على المنطقة الحدودية مع السعودية.

بعد فشل مفاوضات الكويت، بدأت مرحلة ثالثة وجديدة في العلاقة بين الطرفين بإعلانهما المجلس السياسي في اغسطس 2016م الذي بموجبه تنازل الحوثيّون عن إعلانهم الدستوريّ واعادة العمل بالبرلمان، نقطة خلافهم مع حزب المؤتمر الشعبيّ العام، ومن ثمّ اختيار بن حبتور رئيساً للوزراء في اكتوبر 2016م وأخيراً تشكيل هذه الحكومة في اواخر نوفمبر. حتّى الآن، كلّ هذه الخطوات ما زالت موجّهة إلى الأنصار الداخليّين، كرسالة تطمين ورسالة تلوّح بالاستعداد لمواجهة طويلة للخارج، فخطوة تشكيل حكومة تظلّ محدودة الأفق، وغير قابلة للاستمرار طويلاً بحكم انعدام الشرعيّة الدوليّة، والأهمّ ضعف الموارد الاقتصاديّة. كما أنّها تخلق تحدّيات جديدة في مواجهة هذا التحالف وكيفيّة استمراره، في ظلّ التنافس المحموم على المناصب والأموال واجتذاب الأنصار الذين ينتمون لذات المنطقة التي يسعي كل طرف لاحتكار تمثيلها.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض الخليج

al-monitor
السودان... بقاء رمزيّ في اليمن لحفظ ماء وجه التحالف
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | فبر 3, 2020
al-monitor
كيف تسير المشاورات السعوديّة مع الحوثيّين؟
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | نوف 26, 2019
al-monitor
حوار جدّة... تأصيل للتواجد السعوديّ-الإماراتيّ بوجوه يمنيّة
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 23, 2019
al-monitor
التحالف... جاء لاستعادة الشرعيّة في صنعاء فأسقطها في عدن
Ammar al-Ashwal | الحرب اليمنية | سبت 4, 2019