نبض تركية

وجهان لسوريا: دمشق وحلب

p
بقلم
بإختصار
في حين تحولت حلب إلى أنقاض، تبقى دمشق في زمن الحرب نابضة بالحياة، لكن ذلك لا يعني أن النزاع لم يترك أثره فيها.

لبنان هو بلد الحسابات التي لم تتم تصفيتها بعد. في كل مرة أزور ذلك البلد، ألمس وأشعر على الدوام بالإرث الشديد الوطأة لحربه الأهلية التي استمرت 15 عاماً، على الرغم من انقضاء سنوات طويلة على انتهائها في العام 1990. ماذا أجد في سوريا المجاورة، في الوقت الذي يبدو فيه أن حربها الأهلية المستمرة منذ ستة أعوام تقريباً، تضع أوزارها؟

في 28 كانون الأول/ديسمبر، فيما كانت السيارة التي تقلّني تعبر الطريق المؤدّي من بيروت إلى سلسلة جبال لبنان الشرقية باتجاه دمشق، أصبح الطقس بارداً جداً. قلت هامساً وأنا أنظر إلى زحمة السير الخانقة: "إذا كان هذا العدد الكبير من الشاحنات يتّجه إلى سوريا، فلا بد من أن الأمور تغيّرت كثيراً". فأجابني السائق: "لا، لم تتغيّر"، مشيراً إلى أن معظم الآليات تتّجه إلى بلدة شتورة اللبنانية المجاورة. بالفعل، بعد عبور شتورة، أصبحت الطرقات شبه خالية، على الرغم من أن المناطق الحربية بعيدة عنها.

بدت دمشق لدى وصولنا أبعد ما يكون عن عاصمة بلادٍ في قبضة حرب قاسية. بوجود شوارع نظيفة تضجّ بالحركة ما يؤشّر إلى أنه يجري جمع النفايات بانتظام وأن الحياة اليومية تسير بزخم شديد، قد تدفعنا المدينة إلى الاعتقاد بأنها تنعم بالأمان وليس هناك من خطر داهم. غير أن الانطباع الأول مضلِّل.

لا يزال ريف دمشق خاضعاً لسيطرة مجموعات مسلّحة مثل "الجيش السوري الحر"، و"جيش الإسلام"، و"جبهة فتح الشام" ("جبهة النصرة" سابقاً). تصل الحرب إلى الدمشقيين في شكل صواريخ قاتلة تُطلَق فجأةً من الريف، ومن خلال انقطاع المياه والتيار الكهربائي ما يجعل الحياة صعبة لا تطاق، وارتفاع الأسعار، والتفتيش عند الحواجز ما يتسبّب بزحمة سير، ونزوح أكثر من مليونَي شخص من المناطق الحربية. مع ذلك، تستمر عجلة المدينة في الدوران، وتحافظ الحياة الاجتماعية والاقتصادية على الحيوية.

الماء ووقف إطلاق النار

إبان تحرير حلب من المجموعات الثورية، طغت مسألتان على جدول الأعمال في العاصمة التي تقع على بعد نحو 225 ميلاً جنوب حلب. تمثّلت المسألة الأولى في وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 30 كانون الأول/ديسمبر الماضي والمحادثات التي ستُجرى في كازاخستان في إطار محاولة جديدة تقوم بها روسيا وإيران وتركيا من أجل التوصل إلى السلام. أما المسألة الثانية فكانت "الإرهاب" المتدفّق من صنابير المياه. بحسب مصادر في دمشق، فجّرت "جبهة فتح الشام" التي استُثنيت من وقف إطلاق النار، المنشآت المائية في وادي بردى، ما أدّى إلى تلوّث الموارد المائية بالنفط، وتسبّب بمشكلة طالت 5.5 ملايين شخص.

غير أن وكالة أنباء الأناضول الرسمية في تركيا كانت لها نظرتها الخاصة إلى "إرهاب الماء". فقد أوردت أن قوات الرئيس السوري بشار الأسد و"حزب الله" تشن "هجوماً ضارياً" على وادي بردى، واصفةً المنطقة بأنها "حلب الجديدة في سوريا". وكتبت الوكالة في تقرير ثانٍ: "تتركّز انتهاكات الأسد لوقف إطلاق النار في وادي بردى... لقد حاصر حزب الله والجيش السوري وادي بردى في أواخر تموز/يوليو، وأغلقا كل المداخل والمخارج، في محاولة للسيطرة على الموارد المائية في المنطقة".

قد تكون وسائل الإعلام الدولية منشغلة بوقف إطلاق النار، لكن لا يمكن القول بأنه أثار حماسة كبيرة في دمشق – ليس بدافع اللامبالاة، بل بسبب ضعف الثقة بقدرة تركيا على الوفاء بالتزامها بكبح جماح المجموعات المسلّحة. والتنظيمان اللذان يتسبّبان فعلاً بالمتاعب للجيش السوري هما "جبهة فتح الشام" و"الدولة الإسلامية"، اللتان تم استثناؤهما من الاتفاق. باختصار، الشعور السائد في دمشق هو أن وقف إطلاق النار أفضل من لا شيء، لكنه بعيد كل البعد عن إيجاد حلول لجميع المشكلات.

بغض النظر عما إذا كان وقف إطلاق النار يزيل العوائق أمام العملية السياسية أم لا، تبدو دمشق مصمّمة على اتباع استراتيجية من محورَين: مواصلة الحرب حتى ينتهي التمرّد المسلح، والسعي إلى تطبيق آلية مصالحة داخلية بهدف إقناع المجموعات المسلحة بإلقاء سلاحها. يمكن الاستنتاج، انطلاقاً من المشاعر السائدة في دمشق، أن هذه الاستراتيجية ستستمر، بغض النظر عن عقد قمة رباعية في الأستانة في كازاخستان. لقد أثبتت المفاوضات مع المجموعات المسلحة نجاحها في عشرات المناطق.

ذهاب الأسد إلى الأستانة مسألة أخرى عرضة للتكهّنات. ثمة كلامٌ بأن الأسد قد يذهب إلى هناك، وفقاً لما تمليه الظروف، أو يرسل شخصاً آخر. بحسب السوريين، يصعب تقبّل جلوس الأسد إلى الطاولة نفسها مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لكن حتى لو اجتمع الاثنان من أجل المصالح القومية والمسار الديبلوماسي، يقول السوريون إن ذلك سيُعتبَر هزيمة لأردوغان، وليس للأسد.

رداً على سؤال حول ما إذا كان الأسد سيذهب إلى الأستانة، أجاب مسؤول عسكري كبير في دمشق مبتسماً: "هذا ليس مهماً ما دام [الرئيس الروسي فلاديمير] بوتين سيذهب إلى هناك. حضور بوتين ضمانة بالنسبة إلى سوريا". ليس عبثاً أن ينادي بعض السوريين بوتين بالاسم الحربي "أبو علي بوتين"، في إشارة إلى أنه واحدٌ منهم.

أجواء استثنائية في ليلة رأس السنة

ساهم النصر في حلب في رفع المعنويات في دمشق. كانت العاصمة تنبض بالحياة استعداداً للاحتفال بليلة رأس السنة، ففتحت المتاجر أبوابها حتى ساعة متأخرة وشهدت دمشق القديمة حركة ناشطة. بدا لي أن أعداداً أكبر من الأزواج والعشّاق باتوا يسيرون ممسكين بأيدي بعضهم البعض، ما يعكس على الأرجح تراجع السيطرة والضغوط الاجتماعية – وهذا الأمر هو من النتائج غير المتوقّعة للحرب.

في الأزقّة الضيّقة للمدينة القديمة، تبدو البوابات الصغيرة والوضيعة التي تقود إلى قصور ذات فناءات فسيحة، وكأنها استعارة مجازية تجسّد الطابع الاجتماعي والسياسي في سوريا – جدار بسيط من الخارج لكنه يُخفي وراءه عالماً شديد الاختلاف. تحوّلت معظم القصور إلى مطاعم أو مقاهٍ أو فنادق. فيما كنّا نجول في الشوارع، وجدنا أن كل واحدة من تلك المنشآت تُقدّم برنامجاً خاصاً لمناسبة ليلة رأس السنة، وأنها محجوزة بالكامل. دخلنا إلى ثلاثة مطاعم في محاولة منّا لتناول طعام العشاء، لكننا لم نجد مكاناً فارغاً في أي منها.

في مقهى حجزته مجموعة من الأصدقاء، انضم المالك إلى حلبة الرقص. عندما علِم أننا أتراك، لم يستطع مقاومة توجيه بعض الكلمات اللاذعة إلينا على الرغم من كل الضجيج المحيط بنا، قائلاً: "قبل ستة أعوام، كنت معجباً بأردوغان، وكانت هناك علاقة صداقة بين البلدَين. نصحني صديق تركي كان يتردّد إلى المقهى بالتروّي قائلاً إن الأمور ليست كلّها كما تبدو في الظاهر. وقد تبيّن أنه على حق، وأننا كنّا مخطئين جداً. مع ذلك، أتمنّى الأفضل للشعب التركي، لكن الأذى الذي ألحقه بنا أردوغان سيصل لسوء الحظ إلى تركيا أيضاً".

من الصعب قليلاً أن تكون تركياً في سوريا في هذه الأيام. لن يضايقك أحد أو يُهينك أو يهاجمك، هذا مؤكّد، لكن لدى الجميع ما يقولونه عن تحوّل أنقرة من صديقة إلى عدوّة.

استقبل الدمشقيون العام الجديد بالألعاب النارية وإطلاق الرصاص الحي. لكن بغض النظر عن الاحتفاليات، لم تفقد الحياة في دمشق، مدينة الياسمين، الكثير من حيويتها. تبقى دمشق مدينة تتّكئ على القديم وتتطلّع إلى الأحدث – حتى في أزمنة الحرب. عرّجت مرات عدّة على أحد المقاهي حيث يحافظ راوٍ يرتدي عباءة بيضاء ويعتمر طربوشاً أحمر، على تقليد رواية القصص، ويقرأ قصة بيبرس، السلطان المملوكي من القرن الثالث عشر، على مسامع روّاد المقهى أثناء احتسائهم الشاي والنفخ في النرجيلة.

بدت الحياة التجارية نابضة بالحيوية أيضاً. كانت الأسواق مكتظّة كالعادة. في مجمع السليمانية، قامت وزارة السياحة بترميم المتاجر، وكان منير مصدّي، وهو حائك من حماه، ينسج مناشف تقليدية.

في اليوم الأول من العام الجديد، توجّهت إلى حلب في الصباح الباكر، برفقة الصحافية التركية هدية ليفنت المقيمة في دمشق. كانت شوارع دمشق القديمة خالية، ويتناثر فيها الرصاص الفارغ – الذي خلّفه إطلاق النار الاحتفالي في الليلة السابقة.

بدا طريق حمص-خناصر، حيث يخرج مقاتلو "الدولة الإسلامية" من الصحراء ويعمدون من حينٍ لآخر إلى إغلاقه، أفضل حالاً بالمقارنة مع وضعه أثناء زيارتي إلى البلاد في العام 2015 عندما كان يخضع لأعمال صيانة.

كان جنود متمركزون في نقاط مراقبة يفرضون الأمن على طول الطريق.

وكان الطريق السريع الذي يقود إلى حلب عن طريق حمص وحماه مغلقاً نظراً إلى أن "جبهة فتح الشام" وحلفاءها لا يزالون يسيطرون على المناطق الريفية. يمرّ الطريق البديل – حيث يزيد السائقون سرعتهم لعبوره بأسرع وقت ممكن – عبر مناطق تخضع لسيطرة "جبهة فتح الشام" في شمال حمص وتنظيم "الدولة الإسلامية" في الشمال الشرقي، ويقود أولاً إلى السلمية، ثم شرقاً، ومن بعدها شمالاً إلى خناصر والسفيرة قبل الوصول إلى حلب. حوّلت المعركة التي شُنَّت لفتح هذا الطريق، بلدتَي خناصر والسفيرة إلى أنقاض. فُتِح الطريق المؤدّي إلى المطار، لكن بما أن المناطق المحرّرة لا تزال غير صالحة لعبورها في السيارة، اضطررنا إلى الالتفاف حول السكري وصلاح الدين للوصول إلى حلب.

 

لا يزال فهيم تاستكين في سوريا ويعمل على إعداد تقرير من حلب ونشره قريباً.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : jabhat fatah al-sham, damascus, aleppo, fsa, vladimir putin, bashar al-assad, syrian civil war, recep tayyip erdogan
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept