نبض تركية

هل تتسبّب المشاريع الضخمة بمشاكل كبيرة للاقتصاد التركيّ؟

p
بقلم
بإختصار
أثارت مشاريع البنى التحتيّة الضخمة التي أطلقتها الحكومة التركيّة المخاوف بشأن إمكانيّة تحميل الأموال العامّة أعباء غير متوقّعة في ظلّ تراجع الشفافية في ما يتعلّق بضمانات القروض والضمانات المستحقّة عند الطلب المقدّمة إلى المقاولين الخاصّين .

تشكّل مشاريع البناء الضخمة الكثيرة في تركيا، بالإضافة إلى التصاريح التي يقال فيها إنّ تركيا تواجه تحدّيات بسبب أعداء "يغارون" من تقدّمها واستعادتها لقوّتها، أحد العناصر الرئيسيّة التي تتكوّن منها صورة النجاح التي تحاول الحكومة التركيّة إظهارها. فعلى سبيل المثال، قال الرئيس رجب طيب أردوغان لحشد من مؤيّديه في أيار/مايو: "لماذا يغار الغرب منّا؟ بسبب السدود... بسبب جسر السلطان سليم [فوق البوسفور]... بسبب نفق مرمراي الذي يمرّ تحت البوسفور".

وتشمل "المشاريع الضخمة" – كما تسمّيها أنقرة – الرئيسيّة مطاراً عملاقاً ثالثاً في اسطنبول، ونفق أوراسيا، وطريقاً سريعاً تحت البحر بين سواحل البوسفور الأوروبيّة والآسيويّة، وطريقاً سريعاً مع جسر يمتدّ من مدينة جبزي الصناعيّة خارج اسطنبول إلى إزمير، ثالث أكبر مدينة تركيّة. لكنّ هذه المشاريع لم تسلم من الجدل والانتقادات والاحتجاجات لأسباب قانونيّة وبيئيّة وماليّة متعدّدة. ويتخوّف الكثيرون من أنّ موجة البناء هذه تُحدث "ثقباً أسود" في الأموال العامّة.

تُبنى هذه المشاريع الضخمة استناداً إلى نموذج الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ، وتُعتبر بالتالي نوعاً من الخصخصة. ومع أنّ الدولة هي التي تملك الأملاك العامّة كالأراضي والسواحل والمجاري المائيّة والمناجم، إلا أنّ نقل حقوق التشغيل والاستخدام إلى شركات خاصّة يُعتبر، بشكل عامّ، نوعاً من الخصخصة.

تجدر الإشارة إلى أنّ نموذج الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ، الذي يشمل مناهج كالبناء-التشغيل-النقل أو نقل الحقوق التشغيليّة، هو نموذج استثماريّ روجّه البنك الدوليّ ودعمه، خصوصاً بالنسبة إلى الاقتصادات الناشئة. وبحسب أرقام البنك الدوليّ، تحتلّ تركيا المرتبة الثالثة من بين عشرة بلدان ناشئة في ما يتعلّق بمجموع القيمة التعاقديّة لمشاريع الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ. وتتصدّر البرازيل اللائحة مع 510 مليارات دولار، تليها الهند مع 341 مليار دولار، وتركيا مع 161 مليار دولار. وتحتلّ روسيا المرتبة الرابعة مع 155 مليار دولار، تليها المكسيك مع 141 مليار دولار، والصين، المتأخّرة في هذا المجال، مع 139 مليار دولار.

وتمثّل أربعة مشاريع من المشاريع الـ 34 التي يجري بناؤها في تركيا ثلثي حجم الاستثمارات الإجماليّ. ويمثّل المشروع الأكبر من بين تلك المشاريع الأربعة، وهو المطار الثالث في اسطنبول البالغة قيمته 14 مليار دولار، 38% من حجم الاستثمارات. وتقع ثلاثة مشاريع من المشاريع الأربعة الأكبر في اسطنبول، وهي المدينة والمركز الصناعيّ الأكثر اكتظاظاً في تركيا. ويشكّل المطار الثالث ونفق أوراسيا وجسر السلطان سليم – الجسر الثالث فوق البوسفور والموضوع في الخدمة – جزءاً من مخطّط مترابط، إلى جانب إلى قناة اسطنبول التي هي ممرّ مائيّ اصطناعيّ لا يزال في مرحلة التخطيط.

واعتبرت الحكومة مشاريع الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ القوّة المحّركة للنموّ الاقتصاديّ، متبجّحة بأنّ المستثمرين المحليّين والأجانب بدأوا يتحمّسون للاستثمار في تركيا من دون إنفاق "قرش واحد" من الأموال العامّة.

لكنّ أتراكاً كثيرين يرفضون تصديق قصّة النجاح هذه. ويعتبر عدد كبير من النقّاد – أحزاب معارضة ومنظّمات مهنيّة ومجموعات من المجتمع المدنيّ – أنّ المشاريع ليست مربحة ولا قابلة للتطبيق ولا مستدامة. ويرى هؤلاء النقّاد أنّ المشاريع تستند إلى سياسات خاصّة بالنموّ والنقل والطاقة مليئة بالعيوب وباتت أداة لتعزيز المحسوبيّة والزبائنيّة. ويشير النقّاد البارزون إلى غياب الاهتمام بالبيئة والتراث التاريخيّ والثقافيّ، بالإضافة إلى غياب الشفافية والتدقيق العامّ.

على سبيل المثال، سلّط ديوان المحاسبة، الذي يتولّى التدقيق في حسابات الوكالات الحكوميّة بالنيابة عن البرلمان، الضوء على مسائل جديّة تتعلّق بالشفافية في المديريّة العامّة للطرقات السريعة التابعة لوزارة النقل والشؤون البحريّة والتي تدير الكثير من مشاريع الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ. وأشار ديوان المحاسبة في تقريره للعام 2015 إلى أنّ "المديريّة العامّة للطرقات السريعة لديها مشروعان اثنان يتمّ تنفيذهما استناداً إلى نموذج الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ. وليس هناك سجلّات خاصّة بالضمانات المستحقّة عند الطلب التي تقدَّم إلى [الشركات الخاصّة] كجزء من تلك المشاريع، ما يعني أنّ قيمة الضمانات المستحقّة عند الطلب غير موجودة في الحسابات الماليّة". وشدّد المدقّقون على أنّ المجازفات التي قامت بها الحكومة بموجب عقود الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ ينبغي أن تكون مذكورة في نظام المحاسبة بغية التمكّن من إجراء تحليل ماليّ معمّق، بما في ذلك العبء الذي ألقته المشاريع التي تشمل ضمانات مستحقّة عند الطلب على الأموال العامّة، وقدرة الحكومة على احترام تلك الواجبات، وحاجات التمويل المستقبليّة.

وأثارت هذه المشاكل المرتبطة بالشفافية والتدقيق في الحسابات مخاوف بشأن تعرّض الخزينة لمفاجآت سيّئة. فمشاريع الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ تشمل كلّها ضمانات، أي حدّاً أدنى من الربح للمتعاقدين المحليّين والأجانب، بغضّ النظر عن أداء المشاريع عند بدء العمل بها. على سبيل المثال، يشمل مشروع الطريق السريع بين جبزي وإزمير ضمانة مستحقّة عند الطلب بقيمة 40 مليار ليرة تركيّة (حوالى 13 مليار دولار) يستفيد منها المتعاقدون، الذين سيملكون الحقوق التشغيليّة على مدى 15 سنة. وفي مشروع الطريق السريع في شمال مرمرة، الذي يشمل الجسر الثالث فوق البوسفور، تبلغ قيمة الضمانة المستحقّة عند الطلب حوالى 6 مليارات دولار لفترة تشغيليّة مدّتها ثماني سنوات. وفي مشروع المطار الثالث في اسطنبول، تبلغ قيمة ضمانات الركّاب المتعلّقة بالرحلات الدوليّة والعبور 6,3 مليارات يورو (6,94 مليار دولار) للسنوات الاثنتي عشرة الأولى، فيما تشمل ضمانات نفق أوراسيا 70 ألف عبور للمركبات في اليوم. وفي قطاع الصحّة، سيتعيّن على المستشفيات الحكوميّة دفع 27 مليار دولار مقابل إيجار المباني في المراكز الصحيّة الكبيرة، فيما سيتعيّن على المتعاقدين البناء والتشغيل على مدى 25 سنة، وفقاً لأرقام وزارة التنمية.

واستندت الضمانات إلى توقّعات النموّ الاقتصاديّ التي بلغت 4% إلى 5% على الأقلّ في السنة، والتي تعود إلى العامين 2013 و2014 عندما تمّ تقديم عروض المشاريع. لكنّ معدّل النموّ تراجع منذ تلك الفترة إلى ما بين 2,5% و3%. ويبدو هدف النموّ الذي حدّدته الحكومة بنسبة 5% في السنوات المقبلة غير واقعيّ، نظراً إلى تباطؤ تدفّق رؤوس الأموال الأجنبيّة. وبالتالي، إذا لم تولّد المشاريع الدخل المتوقّع عند بدء العمل بها، سيتعيّن على الخزينة دفع الضمانات إلى الشركات، ما سيتسبّب بثقوب سوداء في الميزانيّة.

وتواجه الخزينة، بالإضافة إلى النظام المصرفيّ، خطراً آخر بسبب المشاريع الضخمة. لقد دعمت الخزينة تمويل المشاريع بصفتها كفيلة. وفي ظلّ التقلّبات المتزايدة، بات التمويل الخارجيّ صعباً، وأُجبرت المصارف الحكوميّة على تمويل المشاريع نزولاً عند رغبة الحكومة. فأحدث ذلك اختلالاً في هيكليّاتها الخاصّة بالأصول، ما دفع الوكالات الكبرى المعنيّة بالتصنيف الائتمانيّ إلى تخفيض تصنيفاتها.

ويبدو أنّ وكالات التصنيف الائتمانيّ استندت بشكل خاصّ إلى ضمانات الدين التي تقدّمها الخزينة من أجل جسر البوسفور الثالث ونفق أوراسيا والطريق السريع بين جبزي وإزمير. فقد ضمنت الخزينة، التي حدّدت حجم الاستثمارات الإجماليّ للمشاريع الثلاثة بـ 11 مليار دولار والقروض التي استخدمتها بـ 8,7 مليارات دولار، أنّها ستحترم جميع واجباتها الماليّة، بما في ذلك أعباء التمويل الخارجيّ، في حال تمّ إلغاء المشاريع أو استلمت وكالات حكوميّة البنى التحتيّة قبل انقضاء مدّة العقود. باختصار، تعتبر وكالات التصنيف الائتمانيّ أنّ هذه المخاطر المرتبطة بالقروض تساهم في التقلّب الاقتصاديّ، إلى جانب مخاطر أخرى مرتبطة بالأموال العامّة.

ومن المتوقّع أن تلي مصاعب اقتصاديّة جديدة المشاكل الاقتصاديّة الحاليّة ما إنّ يبدأ العمل بمشاريع الشراكة بين القطاعين العامّ والخاصّ. وما زال غير واضح كيف سيتمّ تخطّي تلك المشاكل. لكن في الأيّام المقبلة، سيتمّ عرض مزيد من المشاريع الطموحة للمناقصة، مثل قناة اسطنبول وجسر الدردنيل ونفق ثلاثيّ تحت البحر في البوسفور.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : world bank, tunnels, istanbul, infrastructure, credit ratings, construction, bridge, bosporus bridge
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept