نبض تركية

تركيا لم تتخلَّ عن دورها في معركة الموصل

p
بقلم
بإختصار
فيما يستشيط الرئيس التركي رجب طيب أردوغان غضباً من بغداد بسبب استبعاد بلاده من العملية العسكرية لتحرير الموصل، أرسلت أنقرة فريقاً إلى العاصمة العراقية للاستمرار في التفاوض على دور لتركيا.

دفعت لهجة الاستعلاء التي يستخدمها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للحديث عن التطورات في الشرق الأوسط، بتركيا إلى خلفية المشهد على المستويَين العسكري والسياسي في العراق وسوريا.

نشهد مجدداً على هذا التهميش لتركيا في العملية العسكرية لتحرير الموصل من قبضة تنظيم "الدولة الإسلامية". حتى إن أردوغان يزداد غضباً بعدما اتّضح أن تركيا ليست جزءاً من عملية الموصل على الرغم من إعلانها عن نيتها الانضمام إليها.

قال أردوغان حانقاً أمام مؤتمر القانون الدولي في اسطنبول في 17 تشرين الأول/أكتوبر الجاري: "يقولون إنه لا يجدر بنا دخول الموصل. كيف عسانا ألا نفعل؟ لديّ حدود ممتدّة على طول 350 كيلومتراً [215 ميلاً] [مع العراق]. من ليس لهم أي شأن بالمنطقة موجودون هناك لأن بغداد وجّهت إليهم دعوة للدخول كما يُزعَم. هل دعاهم صدام [حسين] للقدوم قبل 14 عاماً؟ ومع ذلك جاؤوا".

جدّد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، قبل ساعات فقط من الانطلاق الرسمي لعملية الموصل، التأكيد بأنه "لن يُسمَح للقوات التركية بالمشاركة في تحرير الموصل في أي ظرف من الظروف". وقد دعمت واشنطن العبادي مشيرةً إلى أنه ينبغي على أي قوات أجنبية الحصول على إذن من بغداد قبل دخول العراق.

أضاف أردوغان: "لن نكون مسؤولين عن التداعيات الناجمة عن عملية تستثني تركيا. سوف تشارك تركيا في العملية وفي المباحثات لاحقاً. لا يمكننا أن نبقى خارجها".

وشدّد أيضاً على أن تركيا لن تقوم بإخلاء معسكر بعشيقة على مقربة من الموصل. يُشار إلى أن القوات التركية في المعسكر تعمل على تدريب قوات البشمركة الكردية وسواها من المقاتلين المناهضين لتنظيم "الدولة الإسلامية". وقد رفع العراق شكوى أمام الأمم المتحدة اعتبر فيها أن هذا الانتشار هو احتلال.

بيد أن أردوغان لم يشرح كيف ينوي أن يجعل تركيا جزءاً من عملية الموصل. قال مخاطباً الجمهور في مدينة قونية في وسط الأناضول الأسبوع الماضي: "إذا لم يكن التحالف يريد مشاركة تركيا في العملية ضد الموصل، سوف نعمد إلى تنفيذ الخطة ’ب‘ والخطة ’ج‘". وقد اكتفى بهذا القدر من دون تفاصيل إضافية.

في ما يتعلق ببعشيقة، لمّح مراد يتكين، رئيس تحرير صحيفة "حرييت دايلي نيوز" الذي يملك شبكة واسعة من المعارف، إلى أنه ليس صعباً على أردوغان أن يتحدّث بنبرة تحدٍّ في هذه المسألة، مضيفاً: "يدرك، بصفته القائد الأعلى للجيش التركي، أن التفاهم الذي جرى التوصل إليه مع الأميركيين يقضي بأن يمكث الجنود الأتراك في بعشيقة ولا يتزحزحوا قيد أنملة منها".

تناشد الولايات المتحدة أنقرة وبغداد تسوية الخلافات بينهما عن طريق المحادثات المباشرة. قال ديبلوماسي غربي تحدّث مع "المونيتور" شرط عدم الكشف عن هويته نظراً إلى حساسية منصبه، إنه إذا انضمت أنقرة إلى التحالف بموجب القواعد التي حدّدتها بغداد، فسوف تلقى هذه الخطوة ترحيباً.

أضاف: "لن تكون عملية الموصل سهلة وقد تستمر حتى الربيع. المجال مفتوح أمام أي مساهمة عسكرية ضد الدولة الإسلامية". وشرح أنه من شأن مساهمة سياسية من جانب تركيا أن تكون ذات قيمة أيضاً، نظراً إلى تأثيرها على السنّة العراقيين، في إطار السعي إلى نشر الاستقرار في الموصل بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم "الدولة الإسلامية".

تابع الديبلوماسي: "لكن في حال لاح أي مؤشّر بأن نيّة تركيا من الانضمام إلى التحالف هي ترويج أجندة مختلفة، فسوف يرتدّ ذلك عليها بنتائج عكسية".

كذلك حذّرت تركيا بغداد وحلفاءها من التلاعب بتركيبة الموصل الديمغرافية التي تتألف بغالبيتها الساحقة من السنّة. ربما يعكس هذا الموقف السياسة الخارجية التركية المناصِرة للسنّة في عهد أردوغان و"حزب العدالة والتنمية"، لكن التحذير ينطوي أيضاً على شيء من الحقيقة.

لفت يتكين إلى أن عملية الموصل سوف تشكّل محطة مفصلية في مستقبل العراق وسوريا والشرق الأوسط بأسره، قائلاً: "تُظهر العقود الثلاثة الأخيرة أنه عند فشل الحكومات المدعومة من الغرب في المنطقة في مكافحة الفساد والمذهبية الدينية، تَظهر تيارات إرهابية جديدة أكثر تشدّداً. يجب أن يشكّل ذلك درساً للولايات المتحدة والعراق على السواء في كيفية التعاطي مع الأمور بعد استعادة السيطرة على الموصل من قبضة تنظيم الدولة الإسلامية".

بغض النظر عن هذا الأمر، لقد ساهم انطلاق عملية الموصل من دون تركيا في توضُّح الصورة أكثر بالنسبة إلى هذه الأخيرة، ليس في ما يختص بالعراق وسوريا فقط، إنما أيضاً في موضوع الشرق الأوسط في شكل عام.

فيما تدعم الولايات المتحدة حكومة العبادي في العراق، وتفعل روسيا الشيء نفسه مع نظام بشار الأسد في سوريا، سوف يكون على تركيا أن تنظر إلى الأمام وتعيد دوزنة سياساتها على هذا الأساس، بدلاً من السعي إلى تطبيق مخططات برهنت عن عدم واقعية وتسبّبت باستبعادها من المشهد.

عند انطلاقة الربيع العربي، كانت أنقرة واثقة من أن التطورات ستجعلها اللاعبة الأساسية في المنطقة. أما اليوم فلا يزال خصوم أردوغان أو أعداؤه الأساسيون في المنطقة، من الأسد في سوريا إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي في مصر، في السلطة، ويستمرّون في ترسيخ مواقعهم بمساعدة من الولايات المتحدة وروسيا.

يبدو أيضاً أن الاعتماد التركي على موسكو، إبان المصالحة بين البلدَين بعدما كانت العلاقات قد بلغت الحضيض على إثر قيام تركيا بإسقاط مقاتلة روسية في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، ليس في مكانه الصحيح في المشهد الأوسع.

يشير المعلّقون الموالون للحكومة التركية إلى أن الروابط مع روسيا سوف تتيح إرساء توازن في مقابل السياسات الأميركية في المنطقة التي تتعارض مع المصالح التركية. كذلك يبدي أنصار أردوغان غضبهم من واشنطن بسبب عدم إقدامها فوراً على ترحيل الداعية فتح الله غولن الذي يُتَّهَم بأنه العقل المدبّر خلف المحاولة الانقلابية الفاشلة.

كتب إرسين راموغلو، المعلّق في صحيفة "صباح" الموالية للحكومة التركية، أن الأتراك غاضبون من الغرب ويكنّون كراهية شديدة للولايات المتحدة، "التي وضعت عصياً في الدواليب التركية فيما كانت البلاد تنمو وتتطور". واعتبر أن تركيا سوف تثأر من الولايات المتحدة عبر تطوير علاقاتها مع روسيا. وأضاف راموغلو الذي يشدّد على أن الولايات المتحدة تحاول السيطرة على العالم عبر الاستيلاء على موارد الطاقة في الشرق الأوسط: "لقد أحبط قائدنا هذا المخطط عبر المصالحة مع [الرئيس فلاديمير] بوتين".

يتجاهل داعمو هذه النظرة واقع أن موسكو وضعت عصياً في دواليب المخططات التركية في الملف السوري عبر دعم الأسد، عدو أردوغان اللدود في المنطقة، وأنها تختلف أيضاً في الرأي مع أنقرة في مسائل ذات أهمية بالنسبة إلى هذه الأخيرة، بدءاً من قبرص مروراً بشبه جزيرة القرم وصولاً إلى مسألة الإبادة الأرمنية.

غير أن النقطة الأساسية هي أن أموراً كثيرة لا يزال يلفّها الغموض والمجهول في العراق وسوريا، حيث ستحدّد التطورات إذا كان هناك من دور لتركيا، وفي هذه الحال، متى وكيف ستؤدّي هذا الدور، على الرغم من التراشق الكلامي الذي دار مؤخراً بين أنقرة وبغداد.

قال نهاد علي أوزكان، وهو محلل سياسي وعسكري من "مؤسسة بحوث السياسات الاقتصادية" في أنقرة، إنه يتعذّر تحديد المنحى الذي ستسلكه الأمور في العراق وسوريا، حيث الأفرقاء كثر ولا يقتصرون فقط على الولايات المتحدة وروسيا، أو العبادي والأسد.

أضاف أوزكان لموقع "المونيتور": "لذلك يتعذّر أن نحدّد إذا كانت المقاربة التركية الراهنة مستدامة أم لا، لأن الكثير سيتوقّف على التطورات الميدانية"، مضيفاً: "لكن إذا انتهى الأمر بقيام العبادي والأسد، أو على الأقل نظامَيهما، بتعزيز موقعَيهما، فمن الواضح أنه سيكون على تركيا أن تعيد النظر في سياساتها".

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : us-turkish relations, turkish influence in the middle east, turkey’s syria policy, turkey-iraq relations, recep tayyip erdogan, mosul, is, coalition
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept