نبض فلسطين

مشعل يعترف: "أخطأنا".. فهل نشهد تغيّرات في سياسات "حماس"؟!

p
بقلم
بإختصار
قال رئيس المكتب السياسيّ لحركة "حماس" خالد مشعل: "إنّ حماس أخطأت عندما استسهلت حكم قطاع غزّة بمفردها بعد أحداث الانقسام الفلسطينيّ مع حركة فتح عقب فوزها في الإنتخابات البرلمانّية عام 2006، وظنّت أنّه (حكم غزة) أمر ميسور، ثمّ اكتشفت أنّه صعب"، الأمر الذي عدّه محلّلون سياسيّون اعترافاً حكيماً بالخطأ يتطلّب مراجعات شاملة لسياسات "حماس" تجاه المصالحة الفلسطينيّة مع حركة "فتح"، وإن كان لا يزال مشكوكاً به أن تحدث هذه التصريحات تغيّرات حقيقيّة في مواقف "حماس" في ما يتعلّق بهذه المصالحة.

مدينة غزّة - أثارت تصريحات رئيس المكتب السياسيّ لحركة "حماس" خالد مشعل حول ارتكاب حركته خطأ بسبب حكمها قطاع غزّة منفردة على مدار نحو عشر سنوات مضت، جملة من التساؤلات في الشارع الفلسطينيّ، أهمّها: لماذا وصلت "حماس" إلى هذه القناعة أخيراً؟ وهل هذا يمثل نقطة تحوّل في مسار الحركة في ما يتعلّق بملف المصالحة الفلسطينيّة؟ وما التداعيات المستقبليّة لهذا التصريح على قطاع غزّة؟

وكان خالد مشعل قد قال خلال جلسة حواريّة في العاصمة القطريّة الدوحة بحضور نائبه إسماعيل هنيّة، في 24 أيلول/سبتمبر الماضي: "إنّ حماس أخطأت عندما استسهلت حكم قطاع غزّة بمفردها بعد أحداث الانقسام الفلسطينيّ مع حركة فتح عقب فوزها بالإنتخابات البرلمانيّة عام 2006، وظنّت أنّه (حكم غزة) أمر ميسور، ثمّ اكتشفت أنّه صعب".

أضاف: "أخطأنا عندما ظننّا أنّ زمن حركة فتح مضى، وحلّ زمن حركة حماس".

حديث مشعل عن خطأ "حماس" كان أمراً صادماً بالنّسبة إلى قاعدة عريضة من أنصار الحركة وكوادرها، التي ترى في قادة الحركة أشخاصاً لا يخطئون أبداً، إذ كتب الدكتور أحمد يوسف، وهو أحد قيادات حركة "حماس"، في مقال بعنوان "خالد مشعل والتغريد خارج السرب!" نشرته وسائل الإعلام المحليّة في 1 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016: "لقد كانت مداخلة مشعل أشبه بخبطة (ضربة) على الرأس للكثير من شباب حركة حماس، حيث أنّ كلمة (أخطأنا) ليست في العادة ضمن مفردات خطابهم السياسيّ أو الحركيّ، إذ أنّ التربية الدينيّة، ثمّ الحزبيّة، قد منحتهم الثقة بأنّهم منزَّهون عن الخطأ".

أضاف: "هذه الكلمة (أخطأنا) كبيرة في ارتداداتها، فقياداتهم (قيادة حماس)، كما يرى الكثيرون منهم هم (ربَّانيون)، ومناهجهم الفكريّة لا يأتيها باطل أو خلل ولا يصاحبها خلاف، وإنّهم في كلّ ما يجتهدون مبرّأون من كلّ عيب أو نقيصة، والآخرون هم العاقون ومن ضلّوا السبيل".

وتابع أحمد يوسف: "وأنا أسمع أبو الوليد (خالد مشعل) يقول (لقد أخطأنا)، أدركت أنّنا قد أصبنا، وإن كانت الخطوة قد جاءت متأخّرة 10 سنين، فالاعتراف بالخطأ هو بداية الوعي، وأوّل طريق الإصلاح والتغيير".

ومن جهته، رأى أستاذ العلوم السياسيّة في الجامعة الإسلاميّة بغزّة وليد المدلّل أنّ تصريحات مشعل جاءت في سياق تقييم الفترة السابقة من حكم "حماس"، وقال لـ"المونيتور": "أعتقد أنّ الخطأ يكمن في ذهاب حماس إلى حكم غزّة منفردة من دون شراكة سياسيّة مع حركة فتح والفصائل الأخرى، في ظلّ ظروف سياسيّة معقّدة، أبرز ملامحها، بقاء الأراضي الفلسطينيّة تحت الإحتلال الإسرائيليّ واستمرار حال الانقسام الداخليّ، التي تركت آثاراً بالغة جدّاً على كلّ مناحي الحياة".

أضاف: "حماس اليوم تدرك أنّها لا تستطيع الحكم وحيدة، لأنّ العالم لا يعترف بها كسلطة شرعيّة، بعد أن قام الرئيس عبّاس بإقالة حكومة حماس في حزيران/يونيو من عام 2007 واتّهمها بالانقلاب على الشرعيّة. ولذلك، تسعى حماس اليوم إلى أن تكون شريكاً سياسيّاً في الحكم، وليس سلطة مستقلّة".

ورأى المحلّل السياسيّ طلال عوكل أنّ اعتراف مشعل بالخطأ هو اعتراف حكيم وشكل من أشكال المراجعة التي تستوجب أن تصبح مراجعة شاملة لكلّ سياسات "حماس"، وقال لـ"المونيتور": "إنّ مشعل خلص إلى هذه النتيجة، بعد تراكم الأزمات أمام حماس التي باتت غير قادرة على توفير رواتب 42 ألف موظّف عيّنتهم بعد سيطرتها على غزّة في عام 2007، بعد تراجع الدعم الإيرانيّ وإغلاق مصر لأنفاق غزّة الحدوديّة منذ تمّوز/يوليو من عام 2013".

وأوضح أنّ "حماس" لم تستطع توفير الحاجات الأساسيّة للقطاع بسبب الحصار الإسرائيليّ، مثل صعوبة توفير الكهرباء وإغلاق معبر رفح منذ تمّوز/يوليو من عام 2013، وعدم توفير الموادّ الخامّ للصناعات المختلفة، وهذا الأمر أدّى إلى توقّف التنمية الإقتصاديّة في غزّة، وقال: "هناك استياء شعبيّ من استمرار حكم حماس، الذي أصبح يرتبط باستمرار الأزمات المعيشيّة. ولذلك، المطلوب لتصحيح هذا الخطأ أن تُظهر حماس مرونة أكبر لإنجاح المصالحة الفلسطينيّة وتعزيز أهميّة الشراكة السياسيّة في الحكم وتمكين حكومة التوافق التي تشكّلت بإتّفاق بين حماس وفتح وبقيّة الفصائل الفلسطينيّة في حزيران/يونيو من عام 2014، من حكم القطاع من خلال تسليم المعابر والوزارات".

العديد من قيادات حركة "حماس" لم يجد تفسيراً لاعتراف مشعل بالخطأ، مثل القياديّ في حركة "حماس" يحيى موسى الذي قال لـ"المونيتور": "أنا لست مسؤولاً عن تفسير ما قاله خالد مشعل، ولا تعليق على ذلك".

ورأى يحيى موسى، في الوقت ذاته، أنّ كلّ الأزمات التي يعيشها سكّان غزّة خلال حكم "حماس" "من صنيعة تحالف إسرائيل مع الرئيس عبّاس، فغزّة معاقبة من الإحتلال الإسرائيليّ من جهة، ومن حركة فتح من جهة أخرى".

وأوضح أنّ إسرائيل سعت منذ اللحظة الأولى من فوز حركة "حماس" في الإنتخابات التشريعيّة عام 2006، إلى "تخريب حكم حماس لأنّها متمسكة بالمقاومة، ولا تزال غزّة هي القلعة الوحيدة في العالم الصامدة في وجه إسرائيل".

ورغم ذلك، إلاّ أنّ موسى رأى أن هناك إمكانيّة للحكم المشترك مع "فتح"، شريطة نبذ المفاوضات مع إسرائيل والتمسّك بخيار المقاومة المسلّحة.

وفي آذار/مارس من عام 2007، خاضت "حماس" و"فتح" تجربة حكم مشتركة بتشكيل الحكومة الحادية عشرة التي تعرف باسم (حكومة الوحدة الوطنيّة)، إلاّ أنّ هذه الحكومة لم تستمرّ لأكثر من ثلاثة أشهر فقط، حتّى سيطرت "حماس" عسكريّاً على غزّة في حزيران/يونيو من عام 2007 لتتفرّد في الحكم، وليبدأ عهد الانقسام السياسيّ الفلسطينيّ الذي لم ينته حتّى يومنا هذا.

وكذلك، قال وليد المدلّل: "الحكومة الحادية عشرة فشلت بسبب عدم التزام فتح برزمة التفاهمات التي تفاهمت عليها حركتا حماس وفتح في إتّفاق مكّة في شباط/فبراير من عام 2007، والتي شكّلت على أثرها الحكومة الحادية عشرة، حيث تنصّلت حركة فتح عن التفاهمات الأخرى مثل إصلاح منظّمة التحرير الفلسطينيّة".

لكنّ حديث مشعل عن أهميّة تحقيق الوحدة والحكم المشترك مع حركة "فتح"، يأتي متناقضاً مع جملة من التصريحات التي أطلقها قادة "حماس"، وتحمل هجوماً حادّاً على عبّاس، مثل ما قاله القياديّ البارز في "حماس" محمود الزهّار في 1 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2016، رفضاً لمشاركة عبّاس في جنازة رئيس إسرائيل الأسبق شمعون بيريز في 30 أيلول/سبتمبر الماضي: "هذا الذي يدّعي أنّه يمثل الشارع الفلسطينيّ (في إشارة إلى عباس) هو في حكم الشرع يهوديّ، وصنيعة إسرائيلّية ولا يمثلنا، ونسأل الله أن يحشره مع بيريز في جهنّم".

وبدوره، أشار المحلّل السياسيّ حسن عبدو لـ"المونيتور" إلى "أنّ خالد مشعل يحسب على تيّار داخل حركة حماس يتمتّع بالاعتدال والانفتاح على الآخرين، مشيراً إلى أنّ ثمّة تيّاراً آخر بين قيادات حماس يحمل وجهة نظر متشدّدة حيال الآخرين، ويعتقد أنّ حركة فتح هي عدو يجب إخضاعه بكلّ الأشكال"، وقال: "إنّ مشعل يعلم تماماً أنّ إخضاع فتح غير ممكن، وأنّه لا يمكن إلغاء هذه الحركة لتمتّعها بقوّة شعبيّة كبيرة، الأمر الذي يبرّر تصريحاته الأخيرة حول ضرورة الذهاب نحو وحدة وطنيّة".

وأخيراً، يأمل الفلسطينيّون أن تكون تصريحات مشعل خطوة لإنهاء الانقسام الداخليّ ولتحقيق الشراكة السياسيّة بين "فتح" و"حماس"، ولكن ومع عدم وجود أيّ مؤشرات للتغيير على الأرض، يبدو أن هذا الأمر لا يزال بعيد المنال.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : palestinian authority, khaled meshaal, ismail haniyeh, hamas-fatah relations, hamas, fatah-hamas reconciliation

رشا أبو جلال كاتبة وصحافية مستقلة من غزة مختصة بالأخبار السياسية والقضايا الإنسانية والاجتماعية المرتبطة بالأحداث الراهنة.

x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept