غاز لبنان: واشنطن طلبت من بيروت التفاوض مع تلّ أبيب؟!

شهد ملفّ استخراج الغاز في لبنان منذ سنوات مسارات متناقضة. قيل منذ ثلاثة أعوام إنّه كاد أن ينطلق فعليّاً، ثمّ تمّ تجميده كليّاً، حتّى الأوّل من حزيران/يونيو الماضي، يوم أعلن مسؤولان لبنانيّان معنيّان بالملفّ، أنّهما اتّفقا على استئناف العمل فيه. لكن على الرغم من هذا الإعلان، لم يسجّل أيّ تطوّر تنفيذيّ بعد. لماذا هذه السلسلة من التقلّبات؟ هذا ما يحاول المقال التالي شرحه وتفسيره.

al-monitor .

المواضيع

oil and gas, oil exploration, nabih berri, mediterranean sea, gebran bassil, gas exploration, arthur nazarian

أغس 29, 2016

بعد جمود استمرّ سنتين ونيّف، منذ استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، في 22 آذار/مارس 2013، تحرّك فجأة ملفّ الغاز والنفط في لبنان، في الأسابيع القليلة الماضية. غير أنّ هذا التحريك المفاجئ، لم يلبث أن واجه تعثّراً جديداً. فلماذا أعيد البحث في الملفّ، وكيف عاد إلى الجمود؟

يروي وزير الخارجيّة اللبنانيّة جبران باسيل، إلى موقعنا، أنّه يوم كان وزيراً للطاقة في حكومة ميقاتي المذكورة، كان قد أنجز كلّ ما يتعلّق بمشروع استخراج الغاز من المنطقة الاقتصاديّة الخالصة العائدة إلى لبنان في البحر الأبيض المتوسّط. لكنّ رئيس الحكومة قدّم استقالتها قبل إقرار آخر مرسومين لازمين لإطلاق المناقصة الدوليّة لذلك، والتي كانت مقرّرة في آب/أغسطس 2013، أحدهما يتعلّق بتحديد بلوكات التنقيب في البحر، وعددها عشرة، والآخر ينظّم نموذج العقد بين الدولة اللبنانيّة والشركات المشاركة.

سقطت حكومة ميقاتي وعاش لبنان فترة فراغ حكوميّ استمرّت منذ آذار/مارس 2013، حتّى 15 شباط/فبراير 2014، تاريخ تشكيل الحكومة الحاليّة برئاسة تمّام سلام. طيلة تلك الفترة، تجمّد البحث في المشروع، حتّى بعد انطلاق الحكومة الجديدة، ظلّ الملفّ طيّ الصمت، مع أنّ رئيس الحكومة سلام، كان قد أعلن في 6 نيسان/أبريل 2014، تشكيل لجنة وزاريّة للبحث في هذه القضيّة الحيويّة جدّاً بالنسبة إلى الاقتصاد اللبنانيّ وازدهار البلد. غير أنّ وزراء أعضاء في اللجنة المذكورة، أكّدوا لموقعنا أنّها لم تجتمع ولا مرّة طيلة أكثر من عامين من تشكيلها.

فجأة، وبعد طول جمود وانتظار، بدا في بيروت أنّ اتّفاقاً حصل حول الملفّ وأنّ العمل فيه سيستأنف سريعاً. سجّل ذلك عند زيارة وزير الخارجيّة اللبنانيّة الراهن باسيل، إلى رئيس البرلمان اللبنانيّ نبيه بري في 1 حزيران/يونيو 2016. بعد الزيارة، عقد باسيل ووزير الماليّة علي حسن خليل، العضو في كتلة برّي النيابيّة، "كتلة التنمية والتحرير"، مؤتمراً صحافيّاً أعلن فيه الوزيران أنّ اتّفاقاً قد تمّ بين حركة أمل التي يرأسها برّي والتيّار الوطنيّ الحرّ الذي يرأسه باسيل، حول ملفّ الغاز. وهو ما سيسرّع إنجاز ما يلزم لإطلاق المناقصة، ومن ثمّ التلزيم.

لماذا حصل هذا الاتّفاق في هذا التوقيت بالذات، بعد كلّ التأخير السابق؟ يبدو أنّ أسباباً عدّة تراكمت ودفعت في اتّجاه اتّفاق الطرفين المعنيّين. وأبرز تلك الأسباب، الآتي:

-السبب الأوّل هو الزيارة التي قام بها نائب مساعد وزير الخارجيّة الأميركيّة لشؤون الطاقة آموس هوكستاين إلى بيروت، في 26 و27 أيّار/مايو 2016، مع ما ذكر أنّ هوكستاين حمل إلى المسؤولين اللبنانيّين نصيحة أميركيّة مباشرة، مفادها: "باشروا في مشروع استثمار غازكم ونفطكم. ولا تتأخّروا أكثر من ذلك، وخصوصاً لا تجعلوا من النزاع بينكم وبين إسرائيل حول الحدود المائيّة الجنوبيّة للبنان، عقبة تحول دون بدء العمل في هذا القطاع". وزير الخارجيّة جبران باسيل، الذي التقى هوكستاين خلال زيارته تلك، أكّد لموقعنا فحوى تلك الرسالة، شارحاً أنّ واشنطن، حرصاً منها على الاستقرار اللبنانيّ، وجّهت إلى بيروت هذه النصيحة، داعية لبنان إلى البدء بالتنقيب عن الغاز، حيث أمكن، لكن في أسرع وقت.

-السبب الثاني الذي ساهم في إعادة إثارة الملفّ، كان على ما يبدو سلسلة التطوّرات التي سجّلت في قطاع الغاز والنفط، في كلّ من مصر وقبرص تحديداً، إذ يؤكّد خبراء معنيّون لموقعنا، أنّ اكتشافات غازيّة ونفطيّة عدّة سجّلت في هذه الآونة في كلّ من مصر وقبرص القريبتين من لبنان، وأنّ بعض الشركات المعنيّة بتلك الاكتشافات، أرسلت ممثّلين لها إلى بيروت، عملوا على تنفيذ حملة "علاقات عامّة وتأثير ولوبي" لدى مختلف المسؤولين اللبنانيّين، لإقناعهم بإطلاق مشاريع الغاز اللبنانيّ.

-السبب الثالث مرتبط بالصراع الشامل بين لبنان وإسرائيل، ومن ضمنه الصراع على الحدود الغازيّة في المتوسّط. وفي هذا السياق، أكّد وزير الطاقة اللبنانيّة أرتور نظريان، لموقعنا، أنّه خلال ربيع 2016، تجمّعت لدى وزارته معطيات جديدة نقلها إلى مختلف المسؤولين الحكوميّين. وخلاصة تلك المعطيات أنّ تحاليل جديدة أجرتها شركة TGS المكلّفة من قبل الوزارة إجراء المسوحات البحريّة في المنطقة اللبنانيّة في المتوسّط، أظهرت أنّ هناك فعلاً مكامن غازيّة مشتركة بين لبنان وإسرائيل. خصوصاً عند الزاوية الجنوبيّة الغربيّة من حدود المنطقة اللبنانيّة، وأنّ أيّ تأخير في العمل على استخراج لبنان لغازه هناك، قد يؤدّي فعلاً إلى "شفط" إسرائيل حصّته من الغاز الجوفيّ.

تزامنت هذه الأسباب مع إعلان برّي وباسيل اتّفاقهما. لكنّ المفاجأة كانت أنّه بعد مرور نحو ثلاثة أشهر، لم يعقب هذا الإعلان أيّ خطوة تنفيذيّة. فلم تقرّ الحكومة المرسومين العالقين، ولم تحيل مشروع القانون الضريبيّ الخاصّ بالشركات النفطيّة إلى البرلمان. لماذا عاد الجمود إلى الملفّ؟ تفسيرات كثيرة أعطيت لذلك. بعضها أشار إلى عدم جواز إقرار ملفّ حيويّ كهذا في غياب رئيس للجمهوريّة. بعضها الآخر ألمح إلى رفض بعض القوى اللبنانيّة تفرّد برّي وباسيل في إعلان الاتّفاق والحلّ. بعض ثالث ألمح إلى نيّات خليجيّة بعرقلة استثمار الغاز اللبنانيّ. غير أنّ سبباً آخر يبدو خلف العودة إلى المراوحة. وهو ما كشفه لموقعنا مسؤول حكوميّ طلب عدم ذكر اسمه، ومفاده أنّ رسالة أميركيّة جديدة وصلت إلى المسؤولين اللبنانيّين في بيروت، تطلب منهم الموافقة على البدء بمفاوضات ثلاثيّة، بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركيّة، من أجل حسم النزاع الحدوديّ المائيّ بين البلدين. وهو ما أثار حساسيّة لبنانيّة كبيرة، لجهّة تحفّظ السلطات اللبنانيّة عن القيام بأيّ تفاوض مباشر مع إسرائيل، التي يعتبرها لبنان كياناً عدوّاً. ولهذا السبب، تراجعت سلطات بيروت عن خطواتها المقرّرة، وفضّلت التريّث والانتظار. وهو ما يبدو أنّه يخدم أكثر من طرف داخليّ وخارجيّ، ممّن كانوا أعلنوا تحفّظهم عن اتّفاق برّي-باسيل. هكذا يبدو الغاز اللبنانيّ على موعد مع "تجليد" جديد، حتّى إشعار آخر.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو

المزيد من نبض لبنان

al-monitor
لبنان يطلب المساعدة التقنية من صندوق النقد الدولي في الأزمة الاقتصادية
Sarah Abdallah | المصرفية والتمويل | فبر 13, 2020
al-monitor
لبنانيّون يروون قصصهم: "لهذه الأسباب أصبحت خيم الثورة بيوتنا ولا نفارقها"
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | ينا 30, 2020
al-monitor
كيف يقرأ القضاء اللبناني كارلوس غصن؟
Sarah Abdallah | المحاكم والقانون | ينا 12, 2020
al-monitor
إيقاف حسابات صحافيّين وناشطين مؤيّدين للثورة اللبنانيّة على "تويتر"
Hanan Hamdan | دور المجتمع المدني في حلّ النزاعات | ينا 5, 2020