عودة المغرب إلى الإتّحاد الإفريقيّ... مناورة ديبلوماسيّة مغربيّة في سلسلة النزاع الإقليميّ حول الصحراء الغربيّة

القاهرة -  بعد قطيعة استمرّت 32 عاماً، غابت خلالها المملكة المغربيّة عن العمل الإفريقيّ المشترك داخل الإطار المؤسسيّ للإتّحاد الإفريقيّ، احتجاجاً على دعم منظّمة الوحدة الإفريقيّة لحركة "البوليساريو" الانفصاليّة والاعتراف بالجمهوريّة الصحراويّة عام 1984، فاجأ الملك المغربيّ محمّد السادس المجتمع الإفريقيّ برسالة مطوّلة خلال انعقاد القمّة الإفريقيّة في رواندا بـ17 تمّوز/يوليو، أعلن...

al-monitor .

المواضيع

western sahara, sahrawi, sadr, polisario front, king mohammed vi, african union

يول 27, 2016

القاهرة -  بعد قطيعة استمرّت 32 عاماً، غابت خلالها المملكة المغربيّة عن العمل الإفريقيّ المشترك داخل الإطار المؤسسيّ للإتّحاد الإفريقيّ، احتجاجاً على دعم منظّمة الوحدة الإفريقيّة لحركة "البوليساريو" الانفصاليّة والاعتراف بالجمهوريّة الصحراويّة عام 1984، فاجأ الملك المغربيّ محمّد السادس المجتمع الإفريقيّ برسالة مطوّلة خلال انعقاد القمّة الإفريقيّة في رواندا بـ17 تمّوز/يوليو، أعلن خلالها نيّة بلاده عودة ممارسة أنشطتها كعضو أساسيّ في الإتّحاد الإفريقيّ.

ولم تخلو رسالة محمّد السادس من العتاب واللّوم على موقف الإتّحاد الإفريقيّ بدعم الجمهوريّة الصحراويّة، الّتي لا تزال منطقة نزاع منذ نشأة الجبهة الشعبيّة لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب "البوليساريو" في عام 1973 لتحرير الصحراء الغربيّة ممّا أطلقت عليه الاستعمار المغربيّ، لكنّه لم يعلن صراحة اشتراط تعليق عضويّة الجمهوريّة الصحراويّة في مقابل عودة عضويّته إلى الإتّحاد الإفريقيّ.

وفي إشارة إلى استمرار غضب المغرب من إبقاء الإتّحاد الإفريقيّ دعمه للجمهوريّة الصحراويّة، قال محمّد السادس في رسالته: "إنّ فرض أمر واقع لا أخلاقيّ والإنقلاب على الشرعيّة الدوليّة دفعا بالمملكة المغربيّة إلى اتّخاذ قرار مؤلم بالإنسحاب من أسرتها المؤسسيّة".

وكشف عن نيّته العودة إلى الإتّحاد الإفريقيّ قائلاً: "اليوم بعد تفكير عميق، اتّضح لنا أنّه يمكن علاج الجسم المريض من الداخل بنجاح أكبر من الخارج، فنحن نثق في حكمة الإتّحاد الإفريقيّ وقدرته على إعادة الأمور إلى نصابها، وتصحيح أخطاء الماضي".

وقال مسؤول في الأمانة العامّة للإتّحاد الإفريقيّ في حديث لـ"المونيتور": "هناك مخاوف وقلق لدى الأمانة العامّة للإتّحاد الإفريقيّ من أنّ المغرب يريد العودة إلى تصفية حساباته ونقل صراعه حول إقليم الصحراء إلى داخل أروقة الإتّحاد".

أضاف: "بالطبع، هناك ترحيب من الأسرة الإفريقيّة بعودة المغرب، لكنّ لا أحد يرغب في أن تصحب هذه العودة سجالات أو نزاعات ديبلوماسيّة بين الدول الأعضاء في الإتّحاد الإفريقيّ، بدلاً من العمل المشترك من أجل مصلحة القارّة".

وأشار المسؤول، الّذي فضّل عدم ذكر اسمه لحساسيّة منصبه، إلى أنّ "المغرب الآن أدرك أهميّة الإتّحاد الإفريقيّ وقوّته، ككيان مؤسّسيّ قويّ ومؤثّر، والغياب عنه خسارة ديبلوماسيّة كبيرة لأيّ دولة إفريقيّة"، وقال: "المغرب استخدم قرار تعليق عضويّته في الإتّحاد كورقة ضغط على الدول الإفريقيّة، وقد يعوّل الآن على سحب 16 دولة إفريقيّة لاعترافها بالجمهوريّة الصحراويّة وتشكيل جبهة تسعى إلى طردها من الإتّحاد، لكنّ هذا غير معترف به في القانون الدوليّ أو في مواثيق الإتّحاد الإفريقيّ".

وفي غضون تسلّم قمّة الإتّحاد الإفريقيّ المنعقدة في العاصمة الرواندية كيجالي، في 17 تمّوز/يوليو، رسالة الملك المغربيّ، وقّعت 28 دولة على بيان إلى رئيس الإتّحاد الإفريقيّ إدريس ديبي، تطالبه باتّخاذ إجراءات قانونيّة بتعليق عضويّة الجمهوريّة الصحراويّة، من أجل تمكين الإتّحاد الإفريقيّ من الإسهام في جهود الأمم المتّحدة لإيجاد حلّ نهائيّ للنزاع الإقليميّ حول الصحراء، في التّوقيت نفسه الّذي جدّدت فيه رئيسة مفوضيّة الإتّحاد الإفريقيّ نكوسازانا زوما تأكيد دعم الإتّحاد لاستقلال الصحراء الغربيّة.

ورغم التّقارب المصريّ والتونسيّ مع المغرب بحكم القواسم العربيّة والجغرافيّة المشتركة، لم توقّع الدولتان على بيان تعليق عضويّة الجمهوريّة الصحراويّة، فضلاً عن عدم إصدار أيّ بيانات أو تعليقات رسميّة في خصوص عودة عضويّة المغرب إلى الإتّحاد الإفريقيّ، وهو ما علّق عليه وزير الخارجيّة المغربيّ صلاح الدين مزوار في مؤتمر صحافيّ بالرباط في21 تمّوز/يوليو، قائلاً: "أصدقاء المغرب يريدون بعض الوقت لتحديد موقفهم"، بينما حسمت الجزائر موقفها برفض أيّ محاولات لإسقاط عضويّة الجمهوريّة الصحراويّة، حيث قال رئيس الوزراء الجزائريّ عبد المالك سلال في تصريحات صحافيّة: "المطالبة بمغادرة الجمهوريّة الصحراويّة أمر غير معقول، وإذا أراد المغرب الإنضمام إلى الإتّحاد الإفريقيّ من دون شرط، فالجزائر ليست لديها مشاكل في ذلك".

وكشفت تصريحات المسؤولين في المغرب والجزائر عن بداية جديدة للإحتكاكات الديبلوماسيّة بين الجزائر والمغرب في ما يتعلّق بالنزاع حول الصحراء الغربيّة، لكنّ هذه المناوشات ستضع كلاًّ من القاهرة وتونس خصوصاً في حرج ديبلوماسيّ كبير لدعم موقف أيّ من الدولتين داخل الإتّحاد الإفريقيّ، وكانت البداية بتعرّض القاهرة لهجوم كبير من الصحافة المغربيّة الّتي وصفت الموقف المصريّ بالصدمة، رغم زيارة وزير الخارجيّة المغربيّ للقاهرة قبيل انعقاد القمّة في 10 تمّوز/يوليو، وإطلاع الإدارة السياسيّة المصريّة على طلب المغرب، إلاّ أنّ الموقف المصريّ التزم الصمت تجاه هذه القضيّة طوال أعمال القمّة.

ومع غموض الموقف المصريّ، أكّدت مساعدة وزير الخارجيّة السابق للشؤون الإفريقيّة منى عمر في حديث مع "المونيتور" أنّ "مصر لم تعترف من قبل بالجمهورية الصحراويّة، لكنّ الجزائر تدعمها بقوّة"، وقالت: "هناك التزام مصريّ باتّخاذ مواقف محايدة بين الجزائر والمغرب".

ورأى أستاذ العلوم السياسيّة والخبير في الشأن الإفريقيّ حمدي عبد الرّحمن، أنّ البيان الّذي وقّعت عليه 28 دولة إفريقيّة لإقصاء الجمهوريّة الصحراوية من عضويّة الإتّحاد الإفريقيّ، هو "موقف ذو قيمة سياسيّة وليس إجراء قانونيّاً"، وقال: "المواءمات السياسيّة بين مصر والجزائر وجنوب إفريقيا هي ما تفسّر عدم توقيع القاهرة".

أضاف حمدي عبد الرّحمن في حديث مع "المونيتور": "قد ترى مصر أنّ التّعاون مع الجزائر وتونس أهمّ في المرحلة الراهنة، خصوصاً في ما يتعلّق بالتّنسيق المشترك في المسألة الليببّة، الّتي تهدّد الأمن القوميّ المصريّ في شكل مباشر".

وأكّد أنّ "عودة المغرب إلى الإتّحاد الإفريقيّ ستكون لها انعكاسات مهمّة، خصوصاً أنّها دولة محوريّة في إفريقيا ولها علاقات قويّة وتأثير كبير على منطقة غرب إفريقيا، ليس فقط على المستويين السياسيّ والإقتصاديّ، ولكن من منظور الارتباطين الثقافيّ والدينيّ، فبعض الدول المسلمة في غرب إفريقيا يدعو إلى ملك المغرب في صلاة الجمعة باعتباره خليفة المسلمين"، وقال: "المغرب يمارس سياسة العصا والجزرة في النزاع حول ملف الصحراء، بدءاً من التّهديد بسحب قوّاته من بعثات حفظ السلام في إفريقيا والضغط على الدول المقرّبة منه بتحريك مواقف سياسيّة لطرد الجمهوريّة الصحراويّة من الإتّحاد الإفريقيّ، لكنّ هذه السياسات ستكون في مواجهة كبيرة مع قوى إفريقيّة أخرى، في مقدّمتها الجزائر وجنوب إفريقيا ونيجريا الّتي تؤمن وتدافع عن حقوق الشعب الصحراويّ".

ومن جهته، أكّد الخبير المغربيّ في القانون الدوليّ صبري الحو في اتّصال هاتفيّ مع "المونيتور"، أنّ "قضيّة الوحدة والصحراء هي صلب السياسة المغربيّة، وقرار العودة إلى الإتّحاد الإفريقيّ كان ضروريّاً لكسر التّوافق والإجماع الإفريقيّ الداعم لجبهة البوليساريو وحماية المصالح المغربيّة في إفريقيا"، معتبراً أنّ بيان الـ28 دولة المطالبة بطرد الجمهوريّة الصحراويّة هو مكسب سياسيّ كبير للمغربيّ، وقال: "هذا البيان يظهر الإنقسام الكبير داخل الإتّحاد الإفريقيّ وعدم وجود عقيدة راسخة لدعم البوليساريو وتأييده".

ويبدو أنّ التوجّه السياسيّ والديبلوماسيّ الجديد للمغرب بعودة عضويّته إلى الإتّحاد الإفريقيّ، لا يعبّر فقط عن الرغبة في ممارسة نشاطه داخل المؤسّسة الإفريقيّة، ولكنّه أيضاً مناورة سياسيّة يحاول خلالها المغرب تحجيم الجمهوريّة الصحراويّة وتقييدها بعد سحب عدد من الدول اعترافه بها خلال العشر سنوات الأخيرة، وهو ما سيكون فصلاً جديداً في قضيّة النزاع المغربيّ حول إقليم الصحراء الغربيّة.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور
  • مقالات مؤرشفة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • أحداث حصريّة
  • Invitation-only Briefings

بودكاست

فيديو