نبض فلسطين

مساجد نابلس التاريخيّة... اختصار لتاريخ المدينة الدينيّ والحضاريّ

p
بقلم
بإختصار
في البلدة القديمة من مدينة نابلس هناك 11 مسجداً تاريخيّاً ارتبطت بتاريخ المدينة الممتدّ عبر آلاف السنوات، وعكست الدين السائد في كلّ حقبة تاريخيّة فيها، وبعضها كان معابد رومانيّة تحوّل إلى مساجد، ثمّ إلى كنائس بيزنطيّة ليعود بعد الفتح الإسلاميّ ليتحوّل إلى مساجد.

الضفّة الغربيّة، نابلس - تعكس المساجد في البلدة القديمة من مدينة نابلس - شمال الضفّة الغربيّة تاريخ المدينة الممتدّ عبر العصور، والّذي يرتبط بالحقب التاريخيّة الّتي تعاقبت على المدينة من فتوحات إسلاميّة وحروب صليبيّة وعصور مملوكيّة، وأبعد منها بيزنطيّة، فعدد من مساجد البلدة القديمة ارتبط تاريخه بالديانات السماويّة "اليهوديّة" لتواجد الطائفة السامريّة اليهوديّة في المدينة و"المسيحيّة" في العهد البيزنطيّ وبعد الحروب الصليبيّة، والإسلاميّة بعد الفتوحات الإسلاميّة.

وفي هذا السياق، أشار مدير مساجد نابلس في دائرة الأوقاف الفلسطينيّة جمعة الأفغاني لـ"المونيتور" إلى أنّ المدينة تحوي 90 مسجداً، منها 11 في البلدة القديمة، وهي تعدّ من أقدم المساجد في فلسطين، ويتراوح عمرها الزمنيّ بين 1000 عام و600 عام، وقال: "تركّزت المساجد في مدينة نابلس القديمة لكونها كانت مركزاً حضاريّاً لعدد كبير من مدن فلسطين في السابق، فكانت حدود مقاطعة نابلس تصل إلى مدينة عكّا. ومن هنا، اعتبرت مساجد البلدة القديمة بمعظمها تراثيّة".

وإنّ مسجد الخضراء، وهو أحد هذه المساجد الّتي تمثّل التّعاقب الدينيّ على المدينة، فكما قال خبير الآثار نصير عرفات، إنّه بني في الأساس ليكون كنيسة صليبيّة، وتمّ تحويله إلى مسجد في العهد المملوكيّ.

فيما قال السامريّون، مستندين على وثيقة لهم المسجد كان في الأساس كنيساً سامريّاً، وهو المكان الّذي حزن فيه النبيّ يعقوب على ابنه يوسف. وبعد إحتلال المدينة من قبل الصليبيّين في عام 1099 حوّل إلى كنيسة حتّى عام 1187 عندما فتح المسلمون المدينة وحوّلوه إلى مسجد في العام 1187.

وتحدّث عرفات، الّذي أعدّ كتاباً عن تاريخ المدينة بعنوان "نابلس مدينة الحضارات"، عن نماذج أخرى من المساجد الّتي تمثّل التعاقب الدينيّ في المدينة، ومنها المسجد الصلاحيّ الكبير، فقال لـ"المونيتور": "المسجد كان معبداً رومانيّاً تحوّل إلى كنيسة بيزنطيّة في القرن الرابع ميلاديّ، ثمّ إلى مسجد في العهد الإسلاميّ الأوّل خلال القرن السابع ميلاديّ، وأعيد استخدامه ككنيسة صليبيّة وتوسعته في العهد الصليبيّ، إلى عهد الفتح الأيوبيّ، حيث حوّل بالكامل إلى مسجد قبل 900 عام".

وليس ببعيد عنه، يقع جامع النصر، وأشار نصير عرفات إلى أنّه كان في الأصل كنيسة صليبيّة أضيفت إليها مئذنة فتحوّلت إلى مسجد هدم بالكامل في زلزال عام 1927، وأعيد بناؤه في المكان نفسه، ولم يبق من بناء الكنيسة سوى الواجهة "الغربيّة"، والّتي تدلّ على أثريّة المكان.

ومن المساجد الأخرى جامع البيك، والّذي كان كنيسة بيزنطيّة تحول إلى مسجد بعد ترميمه في العام 1745 ميلادي. وبعد تقدّم أهل المدينة إلى حاكم نابلس في حينه (1745)، ولحلّ الخلاف تمّ إعطاء الكنيسة أرضاً غربيّ البلدة القديمة، وحوّلت الكنيسة إلى مسجد، وذلك في القرن الـ18.

وفي هذا الإطار، علّق الباحث في آثار المدينة عبد الله كلبونه، والّذي شغل منصب مدير دائرة الترميم والآثار في وزارة الآثار والسياحة الفلسطينيّة، على هذا التطوّر قائلاً: "تعاقب استخدام المكان الدينيّ ظاهرة موجودة في كلّ العالم، ولكن أقيمت في المدينة كنائس لم تكن مرتبطة بوجود مسيحيّين، بمقدار إرتباطها بالسلطة الحاكمة. ولذا، كان من الطبيعيّ عندما عادت المدينة إلى الحكم الإسلاميّ أن تتحوّل إلى مساجد".

أضاف في حديثه لـ"المونيتور": "كانت سياسة متبادلة عندما يسيطر المسيحيّون تتحوّل المساجد إلى كنائس، والعكس".

وعن إرتباط مسجد الخضراء بالديانة اليهوديّة، كما جاء في بعض الروايات التاريخيّة، قال عبد الله كلبونه: "لا دليل قاطعاً على العصر الّذي عاش فيه يعقوب، لكنّه تخمين من قبل التوراتيّين، فالنبيّ الوحيد المعروف قبره بالدليل القاطع في فلسطين هو النبيّ إبراهيم".

أضاف: "المنطقة حيث بني المسجد شهدت تواجداً لأفراد الطائفة السامريّة. ومن هنا، كانت على الحجارة نقوش سامريّة، استخدمت إحداها في بناء مئذنة المسجد، وعليها نقش وصايا موسى العشر، ولكنّه لا يشير إلى وجود مبنى سامريّ".

وبحسب كلبونه، فإنّ تاريخ مساجد نابلس هو مصغّر لتاريخ المدينة الّتي ارتبطت بالديانات الدينيّة. وكثير من الأماكن، ارتبط تاريخها بأسماء الأنبياء، ولكن هذا لا يعطي حقّاً لأحد فيها، خصوصاً أنّ الحفاظ عليها في الوقت الحاليّ وترميمها جاء تكريماً لهؤلاء الأنبياء الّذين نؤمن بهم جميعاً.

وأشار كلبونه إلى أنّ المميّز في مساجد المدينة ألاّ مسجد حافظ على إكتمال بنائه في عهد واحد، وإنّما نتيجة الترميم والتجديد والهدم واستعمال عناصر قديمة في المسجد نفسه تداخلت في بناء المسجد نفسه أنماط معماريّة متعاقبة.

وأكّد المهندس عرفات ما ذهب إليه كلبونه، وأنّ العناصر المعماريّة تعتبر بصمة لكلّ مرحلة تاريخيّة، إلى جانب وجود نقوش حجريّة واضحة في بعض المساجد تدلّ على المراحل التاريخيّة للفترة حيث بني المسجد أو أعيد بناؤه، كما هي الحال في المسجد الصلاحيّ الكبير حيث توجد ستّة نقوش حجريّة تدلّ كلّ منها على مرحلة من مراحل تحوّله.

وأشار عرفات إلى أنّ بعض المساجد في المدينة بني من حجارة تعود إلى عصور قديمة، كما هي الحال في مسجد الحنبلي، فالطراز البيزنطيّ والأعمدة الرومانيّة تدلّ على بنائه بحجارة أثريّة، رغم أنّ البناء في العهد العثمانيّ، وقال: "في نابلس كثير من المباني استخدمت فيها حجارة من عصور قديمة، فالمدينة الحاليّة أقيمت فوق المدينة القديمة".

من جهته، خالف الأفغاني ما ذهب إليه كلبونه وعرفات، إذ أشار إلى أنّه لا يمكن الجزم بأنّ هذه المساجد كانت كنائس أو كنساً في السابق، فما يمكن الجزم بتاريخه هو ما يوجد فيه حجر منقوش عليه تاريخ البناء أو إعادة البناء، وقال: "يمكن أن تكون الحجارة عائدة إلى أزمنة قديمة واستخدمت في البناء الأصليّ، فتاريخ المدينة قديم، وتعرّضت عبر الآلاف من السنين إلى الهدم وإعادة البناء".

وبحسب الأفغاني، لا يمكن الأخذ بالروايات السابقة على أنّها مسلّمات، وقال: "للأسف، تاريخ المدينة مستمدّ من دراسات المستشرقين، ولم يكن ولا يوجد جهد بحثيّ عن تاريخ المدينة من المصادر التركيّة أو أرشيفات الدول الّتي حكمت المدينة في السابق".

وأيّاً كانت مصداقيّة هذه الروايات، فإنّ الواضح بالنّسبة إلى زائر مساجد المدينة التاريخيّة أنّ في كلّ حجر فيها رواية يحكيها عن العصور والأديان الّتي تعاقبت على هذه المدينة، وفلسطين عموماً.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : west bank, reconstruction, nablus, mosques, history, church construction, archaeology
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept