نبض تركية

لماذا صادرت الحكومة التركيّة كنيسة أرمنيّة؟

p
بقلم
بإختصار
تختلف خطابات حزب العدالة والتنمية وتشريعاته حول مصادرة الكنائس الأرمنيّة في سور، ما يزيد إحباط السكّان المحلّيين والشتات الأرمنيّ.

اتّخذت تركيا في الأسابيع القليلة الماضية قرارات صارمة في بلدات مختلفة من الجنوب الشرقيّ ذي الأكثريّة الكرديّة. وفي 21 آذار/مارس، أصدرت الحكومة التركيّة التي يرأسها حزب العدالة والتنمية على عجل قانوناً سُمّي "مصادرة طارئة لمقاطعة سور" في محافظة ديار بكر. وفي 26 آذار/مارس، نشرت الحكومة في الجريدة الرسميّة كلّ عناوين الأملاك التي تعتزم مصادرتها.

وقد لقيت هذه القرارات معارضة محلّية تمّ إسكاتها بسرعة. لكنّ الوضع في سور أثار ردود فعل عالميّة نظراً إلى تاريخ البلدة – حتّى أنّ النائب البارز التابع لحزب العدالة والتنمية، غالب انساريوغلو، قال للصحافة إنّ السفارة الأميركيّة اتّصلت به لتسأله عن التقارير. وقال النائب إنّ التقارير عبارة عن حملة مضلّلة تنشر معلومات كاذبة عن عمليّة المصادرة. لكنّ البعض يخالفه الرأي.

تتمحور قصّة سور بلا شكّ حول كنائس البلدة وقلعاتها التاريخيّة المدرجة على لائحة اليونسكو للتراث العالميّ. وقد تسبّبت أشهر من الاقتتال مع حزب العمّال الكردستانيّ بدمار المنطقة، وزادت تصريحات الحكومة الغامضة إحباط المدنيّين الذين اضطروا إلى مغادرة بيوتهم. ومن بين تلك المجموعات الأرمن. فالتوزيع السكّاني في المنطقة قبل 110 سنة تقريباً يُظهر أنّ سور كانت بلدة ذات أكثريّة أرمنيّة.

ومع انتشار صور من الجوّ لعمليّات المصادرة في سور على مواقع التواصل الاجتماعيّ، شعر الأرمن في كلّ أنحاء العالم بالقلق، خصوصاً بشأن كنيسة أعادت فتح أبوابها سنة 2011. وسرعان ما اتّضح أنّ اللائحة تضمّنت أوقافاً دينيّة عدّة غير قابلة للتصرّف، بالإضافة إلى أكبر كنيسة أرمنيّة، وهي كنيسة كيراكوس الرسوليّة. وتشير الأرقام التقديريّة إلى أنّ الحكومة صادرت 82% من المقاطعة.

وتحدّث الكاتب والمهندس المدنيّ الأرمنيّ الكنديّ رافي بدروسيان، الذي شارك في إعادة إعمار كنيسة القديس كيراكوس، إلى "المونيتور" عن أهميّة هذه الكنيسة. فأوضح أنّ كنيسة القديس كيراكوس هي أكبر كنيسة أرمنيّة في الشرق الأوسط، مشيراً إلى أنّها "تعود إلى القرن الرابع عشر، وبفضل عمليّات توسيعها المتعدّدة، خدمت الطائفة الأرمنيّة البالغ عددها 100 ألف نسمة في ديار بكر حتّى العام 1915".

وبعد أن اضطرّ الأرمن إلى مغادرة المدينة، استُخدمت الكنيسة لغايات مختلفة، من ثكنات للجيش إلى مستودع. وقد فشلت جميع المحاولات المستمرّة للحفاظ عليها ككنيسة إلى أن تمكّنت جمعيّة للأوقاف من استعادة الملكيّة.

وقال بدروسيان: "سنة 2009، أثبتت جمعيّة خيريّة كنائسيّة حديثة المنشأ شجاعتها وعزمها على البدء بإعادة إعمار كنيسة القديس كيراكوس. وبفضل حملات منظّمة لجمع الأموال من الطائفة الأرمنيّة في اسطنبول والشتات الأرمنيّ في العالم، بالإضافة إلى بعض المساهمات من زعماء البلديّات الكرديّة المحليّة، تمّ ترميم الكنيسة وفتح أبوابها سنة 2011 بحضور أكثر من 4 آلاف شخص".

وأضاف: "سرعان ما أصبحت مركزاً روحيّاً وثقافيّاً للحجّاج الأرمن من الشتات، وملتقى لآلاف الأرمن المختبئين المقيمين في المنطقة، المتحدّرين من فتيات وفتيان أرمن يتامى أجبروا في العام 1915 على أن يصبحوا مسلمين وأكراداً وأتراكاً. ونجحت جمعيّة كنيسة القديس كيراكوس أيضاً في إعادة أملاك متعدّدة إلى ملكيّة الكنيسة".

في العام 2012، أحيا بدروسيان حفلاً بارزاً مع عزف على البيانو في الكنيسة. وساهمت الكنيسة في لمّ شمل المسيحيّين والأرمن من كلّ أنحاء العالم في سور، وشكّلت أيضاً ملاذاً روحيّاً لمئات الناجين الأرمن الذين أجبروا على اعتناق الإسلام.

ألين أوزينيان هي محلّلة إقليميّة في الجمعيّة الأرمنيّة في أميركا ومراسلة في صحيفة "أغوس" الأرمنيّة التي تصدر في تركيا. وقد وصفت لـ "المونيتور" كيف انتشر خبر المصادرة بين الأرمن.

فقالت: "أوّلاً، أدّى إلى فقدان الثقة في الحكومة. ففي السنوات الأولى من حكم حزب العدالة والتنمية، كان هناك أمل في بداية جديدة لأنّ الحزب بدا مناصراً للغة الحريّة الدينيّة. وأثناء عمليّة إعادة إعمار كنيسة القديس كيراكوس، كان هناك أمل في أن يحقّق الأرمن إنجازاً بصفتهم مواطنين أتراكاً. لكنّ قرار المصادرة هذا يؤكّد أنّ ذلك كلّه كان وهماً. فقد ترسّخت ذهنيّة الشرطة التي تصرخ على الأكراد "أنتم جميعاً أرمن". وتمثّل مصادرة كنيسة القديس كيراكوس عقاباً للأكراد والأرمن على حدّ سواء. فمن المحتمل جداً أنّ حزب العدالة والتنمية يعاقب الأرمن بما أنّ بعض الأرمن صوّت لصالح حزب الشعوب الديمقراطيّ الموالي للأكراد".

لقد نفى حزب العدالة والتنمية مراراً وتكراراً مصادرته للكنائس. ونفى انساريوغلو بدوره مصادرة أيّ من الكنائس، قائلاً: "كلّ ما نفعله هو ترميم الكنائس وإعادتها إلى الوقف". لكنّ تصريحاته لم تقنع السكّان المحلّيين. وفي ظلّ تصاعد الضغوط، زار رئيس الحكومة أحمد داود أوغلو سور في الأول من نيسان/أبريل.

وقالت أوزينيان: "كانت مهمّة دواد أوغلو الأولى في سور الصلاة في مسجد. كانت هذه رسالة. فقد جمعت الكنيسة الأرمن الذين أجبروا على اعتناق الإسلام في المنطقة وشجّعتهم على البحث عن تاريخهم. ويبدو أنّ الحكومة الرافضة للاختلافات تعتزم حلّ المشاكل كلّها بمصادرة الكنيسة".

وسلّطت الضوء أيضاً على التحوّل المفاجئ في التغطية الإعلاميّة التركيّة. فقالت: "أثناء عمليّة إعادة إعمار الكنيسة بين العامين 2009 و2011، كانت التغطية الإعلاميّة مكثّفة. وصُوّرت الكنيسة على أنّها معلم من معالم "تسامح حزب العدالة والتنمية"، لكنّ خبر المصادرة بالكاد وصل إلى وسائل الإعلام، ولم يتصدّر إطلاقاً العناوين الرئيسيّة. في العام 1915، أدّى الحقد إلى طرد الأرمن من سور، وأخشى اليوم أن يلقى الأكراد مصيراً مشابهاً".

ويتشارك مخاوف أوزينيان صحافيّون عدّة في المنطقة يخشون أن تكون الحكومة عازمة على إفراغ المنطقة من الأكراد وتوطين اللاجئين السوريّين كمنطقة عازلة بين المناطق الكرديّة. ويثير عامل الجشع المخاوف بدوره. فقد أعدّ حزب العدالة والتنمية شريطاً مصوّراً يُظهر مستقبل مقاطعة سور التاريخيّة. وشبّه داود أوغلو شكل المقاطعة المستقبليّ بمدينة طليطلة الاسبانيّة، مضيفاً: "قلتُ لزوجتي إنّه علينا امتلاك منزل في سور أيضاً".

ولم تلقَ تصريحاته استحسان السكّان المحليّين، وكتبت الصحافيّة البارزة نورغان بايسال عموداً لاذعاً بعنوان: "خذ طليطلة ودع سور وشأنها". وكان العضو الأرمنيّ في حزب الشعوب الديمقراطيّ، غارو بايلان، قد قدّم دراسة بحثيّة عن الكنيسة القديمة، ساعياً إلى وضع حدّ لمصادرتها.

ويعتقد الكثيرون أنّ هذه الخطوة التي قام بها حزب العدالة والتنمية هي مشروع مربح جديد لشركات البناء التي يملكها أشخاص مقرّبون من الحزب. وفي خضمّ ذلك كلّه، يبدو أنّ أكبر كنيسة أرمنيّة في المنطقة لقيت المصير نفسه كعشرات الكنائس الأخرى في المنطقة... فقد لحق بها الضرر لأهداف أخرى.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : waqf, sur, kurds in turkey, hdp, christians, armenians, armenian diaspora, akp
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept