نبض مصر

وزارة الأوقاف تخوض معركة لإحكام سيطرتها على المساجد لمنع بثّ الأفكار المتطرّفة

p
بقلم
بإختصار
سعت وزارة الأوقاف المصريّة بكلّ قوّة خلال الفترة الماضية إلى بسط سيطرتها على المساجد في محاولة منها لمواجهة نشر الأفكار المتطرّفة، الّتي تتمّ عبر منابر تلك المساجد، وسنّت عدداً من القوانين واتّخذت الإجراءات لبثّ الخطاب الدينيّ الوسطيّ ومنع أيّ فرد أو جماعة من اعتلاء منابر المساجد، إلاّ بموافقتها.

القاهرة - هناك محاولات حثيثة تقوم بها الدولة المصريّة من أجل بسط سيطرتها على منابر المساجد، وبدأت هذه المحاولات تتّخذ منحى آخر منذ الإطاحة بالرّئيس الأسبق محمّد مرسي في 3 تمّوز/يوليو من عام 2013، فالمساجد أصبحت أرضاً خصبة لدعاة التطرّف والتّحريض ضدّ الدولة ومؤسّساتها منذ وصول الإخوان إلى السلطة في 30 حزيران/يونيو 2012.

وتحاول وزارة الأوقاف المصريّة سنّ سلسلة من القوانين من أجل نشر الفكر الدعويّ الوسطيّ البعيد عن التطرّف والانحراف الفكريّ، بحيث أعلنت في 5 حزيران/يونيو من عام 2014، عن قانون "الخطابة في المساجد"، الّذي ينصّ على أنّه لا يجوز لغير المعيّنين المتخصّصين من وزارة الأوقاف والوعّاظ في الأزهر الشريف المصرّح لهم، بممارسة الخطابة والدروس الدينيّة في المساجد.

وفي 19 تشرين الأوّل/أكتوبر من عام 2014، أصدر وزير العدل السابق المستشار محفوظ صابر قراراً بمنح صفة الضبطيّة القضائيّة إلى مفتّشي وزارة الأوقاف وعددهم مائة، وذلك لمتابعة ومراقبة تنظيم ممارسة الخطابة والدروس الدينيّة في المساجد وما في حكمها.

وأصدرت الأوقاف في 30 آب/أغسطس، 2014 قرارات عدّة لضبط العمل في المساجد الّتي تتبعها وتقدّر بحوالى 108 ألف مسجد، تضمّنت قصر إقامة صلاة الجمعة في المساجد الجامعة فقط، لا في الزوايا أو المصليّات، إلاّ للضرورة الملحّة وبإذن كتابيّ مسبق، وكذلك عدم جمع أيّ أموال داخل المسجد إلاّ بموجب إيصالات رسميّة معتمدة تسلّم إلى الوزارة. وفي 26 كانون الثاني/يناير من عام 2014، أعطت الوزارة لنفسها الحقّ في توحيد خطبة يوم الجمعة على مستوى الجمهوريّة في كلّ مساجد مصر، وقرّرت في 22 حزيران/يونيو من عام 2015، مراجعة كلّ مكتبات المساجد وإخراج الكتب المتطرّفة منها، ومنع دخولها إلى المساجد مرّة أخرى، خصوصاً كتب قيادات جماعة الإخوان وشيوخ التطرّف، حيث تمّ العثور على كتب لسيّد قطب وحسن البنّا، وهما القياديّان في جماعة الإخوان، وكتيّبات صغيرة لأعضاء في الجماعة الإسلاميّة تتحدّث عن الجزية والجهاد.

ومن جهته، أشار رئيس القطاع الدينيّ في الوزارة الشيخ محمّد عبد الرّازق خلال تصريحات صحافيّة في 22 حزيران/يونيو إلى أنّه سيتمّ وضع قائمة مختومة بخاتم الوزارة على كلّ مكتبة في المساجد بمحتوياتها، ولن يسمح إلاّ بالكتب المصرّح بها من الوزارة والأزهر الشريف، ومن يخالف ذلك سيتعرّض إلى عقوبات صارمة.

وكان قد أمر وزير الأوقاف الدكتور محمّد مختار جمعة بموافاة كلّ مديريّة تابع لها كلّ مسجد بقائمة بمحتويات المكتبة كافّة، وعدم ضمّ أيّ كتب جديدة، إلاّ عن طريق الإدارة العامّة للإرشاد الدينيّ والمكتبات في ديوان عام الوزارة.

وأشار وكيل وزارة الاوقاف، الّذي رفض ذكر اسمه في تصريحاته لـ"المونيتور" إلى أنّهم وقّعوا على تعهّد في وزارة الأوقاف بعدم الإدلاء بأيّ تصريحات صحافيّة خلال هذه الفترة، وتفويض رئيس القطاع الدينيّ في الوزارة الدّكتور محمّد عبد الرّازق بالتحدّث باسم الوزارة، خصوصاً في ما يتعلّق بمحاولات الوزارة للسيطرة على المساجد من الأفكار المتطرّفة الّتي يحاول البعض بثّها من خلال منابر تلك المساجد.

ولقد حاول مراسل "المونيتور" التّواصل مع عبد الرّازق، ولكنّه ظلّ لا يجب هاتفه حتىّ كتابة هذا التّقرير.

وقامت وزارة الأوقاف في 9 أيلول/سبتمبر من عام 2014 بضمّ مساجد الجمعيّة الشرعيّة الرئيسيّة إلى تعاون العاملين بالكتاب والسنّة المحمديّة، وهي من أكبر الجمعيّات الّتي تقوم بالعمل الخيريّ في مصر من خلال الخطب الدينيّة والدروس والندوات الأسبوعيّة والشهريّة التّي تنظّمها في مساجدهاـ واتّهمت الوزارة هذه الجمعيّة بأنّها تنشر الأفكار المتطرّفة من خلال أئمّتها الّذين يستخدمون منابر المساجد، الّتي يصل عددها وفق بعض التّقديرات إلى 6 آلاف مسجد على مستوى الجمهوريّة.

"حتى الآن لم تنتج وزارة الأوقاف خطابًا دينيًا جديدًا رغم التصريحات التي تخرج، والخاصة بإنتاجه من قِبَل الأزهر وغيره، ولم ننتج خطباء لهم كاريزما يستطيعون أن يجذبوا الناس إلى الخطاب القويم" هكذا يقول خالد صلاح رئيس تحرير جريدة اليوم السابع عبر برنامجه "آخر النهار" في 17 أغسطس 2015، المذاع على فضائية النهار المصرية.

وأوضح صلاح، عبر برنامجه "آخر النهار" في 17 أغسطس 2015، أنه فيما يتعلق بموضوع الخطابة والسيطرة عليها داخل المساجد ومراقبتها بها شىء غامض "يطرح سؤالاً لماذا تفعل وزارة الأوقاف ذلك؟، ولماذا تريد أن تُسيّر هذا المنطق بالعقل الأمني؟".

وأشار صلاح إلى مخاوفه بالإصابة بحالة كسل عن ابتكار أفكار جديدة تعالج الأزمة فى جوهرها، واللجوء فقط إلى حماية الأنفس بالإجراءات الأمنية، موضّحًا "لأنه لا يجوز أن نفكر بالعقل الأمنى دائمًا ويجب التفكير فى التخصص داخل الشأن الديني، موضوع التطرف داخل المساجد كبير ولكن يُعالج بطريقة بائسة".

وفي 12 آذار/مارس، خلال اجتماع عقد في مقرّ وزارة الأوقاف بالقاهرة برئاسة محمّد مختار جمعة تمّ توزيع استمارة على وكلاء الوزارة ومديري الإدارات بالتبرؤ من التّنظيمات الإرهابيّة والإخوان ورفض كلّ الأعمال التفجيريّة والإرهابية، لتوزيعها على كلّ العاملين في مديريّات الأوقاف على مستوى الجمهوريّة، وفي مقدّمهم الأئمة، فيما قرّرت الوزارة إحالة من يتخلّف عن ملء تلك الاستمارة على الشؤون القانونيّة للتّحقيق معه.

وفي 13 آب/أغسطس، قرّر جمعة تركيب كاميرات مراقبة في مساجد الجمهوريّة لحمايتها من الإرهاب والتّفجيرات خارجها، ومراقبة الأفكار المتطرّفة والتكفيريّة في داخلها.

وبدأت الوزارة في تعميم كاميرات المراقبة داخل كلّ المساجد على ثلاث مراحل، تبدأ بالمساجد الكبرى، فالمساجد الجامعة في المحافظات الّتي تقام فيها صلاة الجمعة، ثمّ المساجد الّتي تشهد إقبالاً جماهيريّاً كبيراً.

وفي هذا الإطار، قال محمّد عبد الرّازق في 13 آب/أغسطس خلال تصريحات إلى صحيفة "المصريّ اليوم" المصريّة: "إنّ تركيب كاميرات المراقبة سيكون في خارج المساجد وعلى نواصيها بهدف مراقبة العمليّات الإرهابيّة وحوادث التفجير، وستكون هناك كاميرات مراقبة داخل المساجد وأروقتها لمراقبة عمل الأئمّة والعمّال وما يبثّ في داخلها من أفكار ودروس دينيّة وخطبة الجمعة ومدى إلتزام فكر الوزارة وخطبتها الموحدة.

وفي 21 تمّوز/يوليو، لفت جمعة خلال مؤتمر تنسيقيّ لوزارتي الأوقاف والثقافة لمواجهة الإرهاب إلى أنّه تمّ التّعاقد مع شركات حراسة خاصّة بهدف التصدّي لدعاة التشدّد والتطرّف داخل المساجد وتفرّغ الأئمة إلى الجانب الدعويّ، والحفاظ على مكتبات المساجد من الكتب الّتي يمكن إدخالها وقد تحمل أفكاراً غير وسطيّة ومحرّضة على العنف.

من جانبه، قال حافظ أبو سعدة، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان ورئيس المنظمة المصرية لحقوق الإنسان، إن تركيب كاميرات داخل المساجد يعد تعدي على خصوصية المواطنين، وعلى حرمة وقدسية المصليين بشكل خاص، مضيفًا في تصريحاته لـ"المونيتور" "إذا كانت وزارة الأوضاف جادة فعلًا في مراقبة المساجد من أي تعدي على المساجد والمصليين يمكن أن يتم تركيب الكاميرات خارج المساجد لا داخلها".

وأضاف أبو سعدة، أن تبعات هذه الخطوة سيجعل المواطنين لا يذهبون إلى المساجد فهمس سيشعرون أنهم مراقبون داخل بيوت الله على الأرض (المساجد)، موضحًا أن الأوقاف إذا كانت متخوفة من نشر أفكار متطرفة داخل المساجد يمكن متابعة ذلك من خلال موظفيها التي تعينهم داخل المساجد.

وحول مدى إمكانية تطبيق وتعميم مراقبة المساجد بالكاميرات، قال أبو سعدة في حديثه لـ"المونيتور"، أن هذه التجربة ستفشل لا محالة، فلا يمكن مراقبة 108 ألف مسجد بالكاميرات، فذلك يعد عبئًا ماليًا على الوزارة، فهمي بذلك ستحتاج حوالي نصف مليون موظف يتابع هذه الكاميرات ويقوم بتفريغها يوميا وهذا مستحيل أن يحدث.

ومن جهته، قال عضو المكتب الفنيّ في وزارة الأوقاف وأحد أعضاء لجنة الشباب لتجديد الخطاب الدينيّ في الوزارة إسلام النواوي في تصريحاته لـ"المونيتور": حاولت جماعات إرهابيّة خطف المشهد الدعويّ من خلال توظيف الدين، وهي ركّزت في دعوتها على الشباب، من أجل بثّ أفكارها المتطرّفة والمتشدّدة.

وأضاف في حديثه لـ"المونيتور": "إنّ الوضع الراهن أصبح يفرض ضرورة ملحّة لتجديد الخطاب الدينيّ، وهذا لا يعني تبديل الدين، ولكن كلّ القضيّة أنّنا سنستخدم أسلوباً يتناسب مع العصر الحاليّ، فتجديد الخطاب الدينيّ ليس بالعمل السحريّ الّذي يمكن إنجازه في يوم أو ليلة، فهو عمل ثقافيّ مجتمعيّ يحتاج إلى تضافر جهود كلّ مؤسّسات الدولة. نحن لا نحجر على الأفكار والمعتقدات، ولكن كلّ ما نريده أن يظلّ الوطن للجميع، وأن يفعل كلّ إنسان بمفرده ما يفعل، فنحن في صدد تكوين منظومة دفاع لمواجهة هذه الأمور، وهي الثالوث الوقائيّ: البيت والمسجد والمدرسة، فالمدارس لا بدّ أن تكون مؤهّلة دينيّاً ووطنيّاً، بما يخدم الوطن لا الفرد أو الجماعة أو الحزب".

رغم كل محاولات وزارة الأوقاف في بسط سيطرتها على المساجد من أجل منعبث الفتن والأفكار المتطرفة لعقول المواطنين، إلا أن ذلك لن يتم من خلال القوانين والإجراءات المتشددة والرقابة على المساجد، فلابد من عمل توعية للمواطنين بصحيح الدين، بالإضافة إلى الشروع فورًا في تجديد الخطاب الديني ليكون قادر على مواجهة الأفكار المغلوطة التي يحاول البعض تمريرها لعقول المواطنين.

للاستمرار في قراءة المقالة، اشترك في موقع المونيتور

  • مجموعة من المقالات المؤثّرة والمحدّثة والحاصلة على جوائز
  • مقالات مؤرشفة
  • أحداث حصريّة
  • رسالة الكترونية بالأسبوع في نشرة
  • Lobbying newsletter delivered weekly
وجد في : mosques, mohamed morsi, imam, extremism, egyptian muslim brotherhood, egypt
x

The website uses cookies and similar technologies to track browsing behavior for adapting the website to the user, for delivering our services, for market research, and for advertising. Detailed information, including the right to withdraw consent, can be found in our Privacy Policy. To view our Privacy Policy in full, click here. By using our site, you agree to these terms.

Accept